Taqaddumجائزة جابر الأحمد للباحثين الشباب

الأستاذ الدكتور يوسف الخزي

دراسة البنى البسيطة الجميلة الكامنة وراء التعقيد

أعرب الأستاذ الدكتور يوسف الخزي، أستاذ الرياضيات في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب إن لدى معظم الناس تصورًا خاطئًا عن الرياضيات: «ومن المفاهيم غير الصحيحة الاعتقاد أنّ الرياضيات تقتصر على الحساب، وأنّ التميّز فيها يتطلب سرعة التعامل مع الأرقام. في الواقع، الارتباط ضئيلٌ جدًّا بين الحساب والرياضيات الأكاديمية».

أوضح أ.د الخزي أن علماء الرياضيات يقضون معظم أوقاتهم – في الواقع – يبنون الحجج، ويحددون الأنماط، ويحاولون تبيُّن الأسباب الكامنة وراء صحة الأشياء. وقال: «إن ممارسة الرياضيات أقرب بكثيرٍ إلى التفكير الفني أو الفلسفي مما يتوقعه معظم الناس».

الأستاذ الدكتور يوسف الخزي

قد يبدو هذا الكلام ليس واقعياً، ولكن الرياضيات تمسنا جميعًا؛ فالمعلومات الرياضية تُشكِّل كيفية تصميم المهندسين جسورًا أكثر أمانًا، وكيفية إعادة بناء الأطباء الصورَ من فحص الرنين المغناطيسي MRI، وكيفية ترتيب محركات البحث، وكيفية تأمين البنوك المعاملاتِ. كما تُستخدَم الرياضيات في نمذجة تفشي الأمراض، وكذلك في حركة المرور، وأنظمة الطقس، والخوارزميات التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي Artificial intelligence.

كما قال ا.د الخزي: «البحث في الرياضيات ذو أهميةٍ كُبرى لأنه يُرسي الأساس لاتخاذ قراراتٍ أصوب، وتطوير تكنولوجيا أفضل، وفهمٍ أعمق للعالم».

بدا الشغف بمجال الرياضيات بفضل معلِّمٍ قدّم الرياضيات بوصفها منهج تفكيرٍ، لا مجرد مجموعةٍ من الصيغ. بدأ الأستاذ الدكتور الخزي يُعجَب بالمنطق الداخلي للرياضيات واتساقها، يُعجَب بكون كل خطوةٍ في البرهان تقود حتمًا إلى نتيجةٍ. أدرك أن فروع الرياضيات المختلفة، مثل الجبر Algebra، والهندسة Geometry، مترابطةٌ ترابطًا وثيقًا، كأنها رؤى مختلفةٌ للمشهد ذاته. يقول: «تلفتني فكرة أن الأنظمة المُعقَّدة غالبًا ما تخفي تحتها بنى بسيطةً بديعةً، سواء كان ذلك تناظرًا في الهندسة، أو أنماطًا في نظرية الأعداد Number theory. ثمة شعورٌ طاغٍ بالرضا حين تكتشف مبدأ أنيقًا كان موجودًا دائمًا، لكنه لم يكن ظاهرًا للعيان».

بعد حصوله على شهادة البكالوريوس من جامعة الكويت Kuwait University، تابع ا.د الخزي دراسته العليا، وحصل على درجة الماجستير من جامعة بولينغ غرين ستيت Bowling Green State University في أوهايو Ohio بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم نال درجة الدكتوراه من جامعة تكساس University of Texas في أرلينغتون Arlington بالولايات المتحدة الأمريكية كذلك؛ حيث تخصص في الجبر algebra. عاد إلى دولة الكويت في العام 2015، ومنذ ذلك الحين وهو عضو هيئة تدريس بقسم الرياضيات في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب – كلية التربية الأساسية College of Basic Education حيث تدرج بالمناصب الى ان شغل حاليًا منصب رئيس قسمي الرياضيات والعلوم. حاز على جائزة جابر الأحمد Jaber Al-Ahmad للباحثين الشباب في العلوم الطبيعية والرياضية للعام 2025.

يركز جزءٌ كبير من أبحاثه على مجالاتٍ مترابطةٍ ترابطًا وثيقًا في الرياضيات البحتة، هي: الجبر التبادلي Commutative algebra، والجبر الشباهي Homological algebra، والجداء الموتري Tensor products.

على الرغم من طابعها التجريدي، تُشكّل هذه المجالات جوهر التكنولوجيا التي يستخدمها كثيرون يوميًا؛ فالبنى الجبرية التي تُدرَس في الجبر التبادلي تُشكّل أساس أنظمة التشفير التي تُؤمِّن الخدمات المصرفية عبر الإنترنت والرسائل الخاصة. وتقوم على الأفكار التشابهية تقنياتٌ تكشف عن الأنماط الخفية – مثل الحلقات Loop، والفراغات Void – في مجموعات البيانات الضخمة والمعقدة، وهي طريقةٌ تُستخدَم الآن في مجالاتٍ تتراوح من أبحاث السرطان إلى علوم المواد. كما أن البنى الموترية مُدمجةٌ في آليات عمل نماذج الذكاء الاصطناعي AI التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، بدءًا من المساعدين الصوتيين، ووصولًا إلى تقنية التعرُّف على الصور.

امتدت أعمال الأستاذ الدكتور الخزي الحديثة لتشمل ما يُعرَف بالمعادلات التفاضلية الجزئية الكسرية Fractional partial differential equation، وهي أدواتٌ رياضيةٌ متقدمةٌ تُستخدَم لنمذجة تدفق الموائع، وانتقال الحرارة، وانتشار الموجات. كما أجرى أبحاثًا عن التشفير والتوقيعات الرقمية، وترميم الصور Image inpainting: وهي العملية الرياضية التي تُصْلَح بها الصور التالفة أو الناقصة.

يرى الأستاذ الدكتور الخزي أن الفجوة بين الطبيعة المجردة للرياضيات وتطبيقاتها العملية هي إحدى أبرز مواطن السحر في هذا المجال. يقول: «لا تسعى الرياضيات – في الأصل – إلى أن تكون مفيدةً، لكنها مفيدةٌ دائمًا تقريبًا، وغالبًا بطرقٍ لم تكن متوقَّعةً إبان وضع النظرية لأول مرة». وهذا ما يجده محفزًا جدًّا.

كما يستهويه البعد الإبداعي في هذا العلم. يقول إن الرياضيات كانت تُعتبر – على نطاقٍ واسعٍ – علمًا جافًّا وآليًّا: اتبعْ القواعد، وستصل إلى الإجابة. لكن في الواقع، للحدس دورٌ محوري، لا سيما في البحث العلمي. يقول الأستاذ الدكتور الخزي: «من الضروري عادةً استشعار منطقية الفكرة كي تستطيع صياغة برهانٍ محكمٍ». ويضيف: «قد يحلّ عالِمَا رياضيات المسألة ذاتها بمنهجَين مختلفين تمامًا، ويكون كلاهما على صواب، وهو أمر أجده مثيرًا فعلًا».

وأكد أن هذا مشروعٌ اجتماعي بامتياز «تتبلور الأفكار من خلال الحوار والندوات والتعاون، وغالبًا عبر مجالاتٍ فرعيةٍ مختلفةٍ تمامًا. وتُحَقَّق بعض أكثر القفزات العلمية إثارةً للاهتمام على الحدود بين مجالاتٍ لم تكن متصلةً من قبل».

وكما أشار الأستاذ الدكتور الخزي، لا يزال كثير من هذا المجال في حاجةً إلى استكشاف: «الرياضيات ليست موضوعًا مكتملًا. هناك أسئلةٌ أساسيةٌ لا تزال مفتوحةً تمامًا، بعضها استعصى على جهود أفضل العقول الرياضية لقرون. هذا الموضوع ينبض بالحياة».

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى