عاش الأستاذ الدكتور أحمد «مو» خليل طفولته في نيوجيرسي، وكان يحلم – منذ ذلك الوقت – بالصواريخ منذ صغره. كان يطمح إلى العمل في مجال الدفع الصاروخي، وتحديدًا في هندسة الفضاء؛ لذا اختار الهندسة الميكانيكية والكيمياء تخصُّصًا في جامعة ستانفورد Stanford University، ثم حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT في بوسطن. لكن حين كان يسعى إلى تحقيق حلمه، أُصيب والده بمرضٍ في القلب والأوعية الدموية، وخضع لعمليةٍ جراحية. يقول الأستاذ الدكتور خليل: «فتح هذا عيني على مشكلات الطب البيولوجي والهندسة البيولوجية، وجعلني أفكر في كيفية استثمار معرفتي الهندسية في ابتكار حلولٍ جديدةٍ ومميزةٍ».
انعطف إلى مسارٍ جديدٍ قاده إلى أحد أروع التخصصات العلمية الحديثة. الآن، يشغل الأستاذ الدكتور خليل منصب أستاذ الهندسة البيولوجية والبيولوجية الجزيئية والخلوية في جامعة هارفارد Harvard University؛ حيث يدير مختبرًا متخصصًا في البيولوجيا الاصطناعية Synthetic biology: فن وعلم إعادة برمجة الخلايا الحية. وقد حاز – تقديرًا لأعماله – جائزةَ الكويت للعام 2025.
الباحثين يسعون إلى إيجاد جزيءٍ يرتبط ببروتينٍ معين على سطح الخلية؛ فيُدخلون تعليماتٍ جينيةً تحفز خلايا الخميرة على إنتاج مجموعةٍ متنوعة من الجزيئات
تكمن في صميم البيولوجيا الاصطناعية فكرةٌ جريئةٌ: إدخال تعليماتٍ جينيةٍ جديدةٍ إلى خليةٍ حيةٍ، وحثها على مهماتٍ ما كان لها أن تؤديها بمفردها؛ على سبيل المثال، جعل الخميرة تنتج أجسامًا مضادةً Antibody لمكافحة السرطان، أو هندسة خلايا المريض المناعية لاستهداف الأورام؛ ويعتبر ذلك تحد كبير؛ فالخلية، كما يقول الأستاذ الدكتور خليل «وعاءٌ من التفاعلات الكيميائية المتطورة باستمرار، وعالية الديناميكية»، شكّلتها مليارات الأعوام من التطور، وهي لا تستجيب دائمًا للتعليمات الجديدة.
استغرق تطوير الأدوات التي تُمكّن العلماء من مجرد محاولة برمجة الخلايا عقودًا من الزمن؛ ففي سبعينيات القرن الماضي، تعلَّم العلماء كيفية تداول الحمض النووي DNA (DNA manipulation)؛ وفي وقتٍ لاحق، مكّنتهم تقنيات السَلْسَلة Sequencing المُحسَّنة من قراءة الرمز الجيني Genetic code لكل كائنٍ حي تقريبًا على وجه الأرض. يقول الأستاذ الدكتور خليل: «منحنا هذا فهرسًا». والآن، يستخدم مختبرُه ومختبراتٌ أخرى الجيناتِ الموجودةَ في الطبيعة لتصميم توليفاتٍ جديدةٍ – ما يُطلق عليه الأستاذ الدكتور خليل اسم «الدارات الجينية» Genetic circuits – لجعل الخلايا تتصرف بطرقٍ جديدةٍ ومفيدةٍ.
بمجرد أن استهوته البيولوجيا، أجرى الأستاذ الدكتور خليل أبحاث الدكتوراه في مختبرٍ يُعنَى بهندسة الفيروسات لبناء مواد فيزيائية، مثل الأقطاب الكهربائية. ولتحقيق ذلك، استغل الباحثون قدرة الغلاف البروتيني الخارجي للفيروس على الارتباط بمعادن محددةٍ؛ مما يتيح لأعداد هائلةٍ منها أن تتجمع ذاتيًّا في المحلول لتكوين سقالاتٍ حيةٍ تنمو حولها مواد مفيدة. ثم أجرى الأستاذ الدكتور خليل أبحاث ما بعد الدكتوراه مع جيم كولينز Jim Collins، في جامعة بوسطن Boston University، وهو أحد مؤسسي مجال البيولوجيا الاصطناعية. ثم انضم إلى هيئة التدريس في جامعة بوسطن لمدة 12 عامًا. وانتقل إلى جامعة هارفارد في العام 2025.
يركز مختبره حاليًا على ثلاثة مجالاتٍ بحثيةٍ رئيسيةٍ؛ أولها: يتعلق بالخميرة، الكائن الحي الذي له الفضل في صناعة البيرة والخبز والنبيذ. يُدْخِل فريق الأستاذ الدكتور خليل داراتٍ جينيةً في الخميرة، مُحوِّلًا إياها إلى آلة اكتشاف. لنفترض أن الباحثين يسعون إلى إيجاد جزيءٍ يرتبط ببروتينٍ معين على سطح الخلية؛ فيُدخلون تعليماتٍ جينيةً تحفز خلايا الخميرة على إنتاج مجموعةٍ متنوعة من الجزيئات. إذا ارتبط أيٌّ منها بالبروتين المُستهدَف، فإن التعليمات الجينية تحفز خلية الخميرة على إنتاج مادةٍ متألقةٍ Fluorescent؛ ما يجعلها تتوهج. نظرًا إلى أن الخميرة تتكاثر بسرعةٍ، وتمكن زراعتها بالمليارات، يستطيع الباحثون فحص عددٍ هائلٍ من الجزيئات المرشحة في الوقت نفسه، ثم جمع الخلايا المتوهجة، ودراسة ما أنتجته. يستخدم الأستاذ الدكتور خليل وفريقه هذا النهج للعثور على أجسام مضادةٍ لعلاجات السرطان. شارك في تأسيس شركة إيرا بايو Eira Bio في سان فرانسيسكو، والتي تهدف إلى تطوير علاجاتٍ قائمةٍ على الأجسام المضادة.
يركز المجال الثاني لأبحاث الأستاذ الدكتور خليل – أيضًا – على السرطان، لكن من خلال العلاج المناعي، وتحديدًا العلاج بمُسْتَقْبِل المستضد الخيمري في الخلايا التائية (اختصارًا: المُستَقبِل CAR-T). وتقوم الفكرة على النحو التالي: يأخذ الأطباء خلايا مناعية من دم المريض المصاب بالسرطان، ويعدلونها جينيًّا خارج الجسم لتصير حاملةً لمُسْتَقْبِلٍ جديد، وهو نوعٌ من الهوائيات المجهرية على سطح الخلية يتعرف على الخلايا السرطانية، ويرتبط بها، ثم يعيدونها إلى دم المريض؛ وبمجرد دخولها إلى جسم المريض، تبحث الخلايا المُعدَّلة عن الأورام وتهاجمها. يقول الأستاذ الدكتور خليل إن هذا النهج قد أظهر «نتائج مذهلةً في أنواع معينةٍ من السرطان». إلّا أن العلاج بالمُسْتَقْبِل CAR-T لايزال غير فعالٍ في جميع أنواع السرطان، وقد يؤدي إعادة إدخال الخلايا المُعدَّلة إلى ردود فعلٍ مناعيةٍ خطرة. ويعمل مختبر الأستاذ الدكتور خليل على تطوير داراتٍ جينيةٍ لجعل الخلايا المناعية المُهندَسة أكثر فعالية وأمانًا. كما أنه يستقصي مكوناتٍ أخرى في الجهاز المناعي – بما في ذلك البلاعم Macrophage والخلايا القاتلة الطبيعية Natural killer (اختصارًا: الخلايا NK) – على أمل استخدام ترسانةٍ أوسع من الخلايا لمكافحة السرطان.
أما المجال الثالث والأحدث فهو النباتات. من المتوقع أن يصل عدد سكان الأرض إلى عشرة مليارات نسمة بحلول العام 2050، ما قد يفرض على المزارعين مضاعفة إنتاجهم مرتين – على الأقل – لتوفير الغذاء للجميع. وفي الوقت نفسه، يُزعزع التغيّر المُناخي Climate change استقرار الأنظمة الزراعية في مختلف أنحاء العالم. يقول الأستاذ الدكتور خليل: «أعتقد أن إدخال أفكارٍ وتكنولوجيا جديدة إلى مجال النباتات سيكون عالي الأهمية»؛ وما يعمل عليه فريقه هو تسريع تطوير أصناف نباتية أكثر تحملًا للجفاف. ويتساءل: «كيف يمكننا اختصار ما استغرق آلاف، أو حتى ملايين أو مليارات، الأعوام من التطور للوصول إلى هذه الأصناف النباتية المميزة؟».
يتوقع الأستاذ خليل أن يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا متزايد الأهمية في البيولوجيا الاصطناعية مستقبلًا؛ فالتجارب الآلية عالية النتاج تُنتج مجموعات بياناتٍ بيولوجية أغنى من أي وقت مضى
يشعر الأستاذ الدكتور خليل الذي نشأ فلسطينيًّا أردنيًّا، وتنقلت عائلته كثيرًا في الشرق الأوسط، قبل أن تستقر في الولايات المتحدة، بالفخر لتمثيله الباحثين العرب، وحصوله على جائزة الكويت. يقول مُعلِّقًا على الجائزة: «إنه لأمرٌ رائعٌ أن يُحتفى بالعلماء الكويتيين والعرب في جميع أنحاء العالم». ولم يتردد في الإشادة بفريقه قائلًا: «هذا ثمرة أعوامٍ طوالٍ من العمل الدؤوب والمذهل لأعضاء المختبر، الحاليين والسابقين. أنا محظوظٌ بالعمل معهم».
يتوقع الأستاذ الدكتور خليل أن يؤدي الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence دورًا متزايد الأهمية في البيولوجيا الاصطناعية مستقبلًا؛ فالتجارب الآلية عالية النتاج تُنتج مجموعات بياناتٍ بيولوجية أغنى من أي وقت مضى، وتكتشف نماذج الذكاء AI الحديثة أنماطًا في هذا التعقيد يمكن استخدامها لهندسة الخلايا بطرقٍ أكثر ذكاءً. يقول الأستاذ الدكتور خليل: «لم يتبلور هذا إلا في الأعوام الثلاثة أو الأربعة الماضية. إنه يفتح آفاقًا واعدةً لكيفية البدء في هندسة هذا التعقيد».