بقلم جاكوب آرون
لنفترض أنني عرضتُ عليك صندوقًا، وطلبتُ منك تخمين ما بداخله من دون إعطائك أي تفاصيل عن ذلك. قد يبدو الأمر مستحيلًا تمامًا، لكن يمكنك الحصول على بعض المعلومات من طبيعة الصندوق ذاته. فالمحتويات يجب أن تكون أصغر من الصندوق مثلًا، بينما يمكن لصندوق معدني صلب أن يحتوي على سوائل، ويتحمّل درجات حرارة لا يتحملها صندوق من الورق المُقوَّى.
هل يمكن وصف عملية التخمين هذه بمعلومات محدودة بطريقة منطقية رياضيًّا؟ من الواضح أن هناك أشياء لا يمكن تخمينها بدقة، مثل رمية قطعة النقد أو حجر النرد، وهذه نسمّيها عشوائية Random. لكن في ما عدا ذلك، هناك أدوات بسيطة يمكن أن تحصر تخميناتك ضمن نطاق منطقي بدلًا من انتزاع إجابة من العدم.
التخمين المحصور في إطار منطقي هو في الحقيقة تقدير، وله تاريخ طويل. وربما أبرز من برع فيه قديمًا هو الفيلسوف اليوناني إراتوسثينيس Eratosthenesالذي عاش في الإسكندرية في مصر، في القرن الثالث قبل الميلاد؛ فهو استطاع، انطلاقًا من بضع أفكار بسيطة، تقدير محيط الأرض بدقة مبهرة. ومع أن طريقته للوصول إلى ذلك فُقدت، إلا أن نصوصًا تركها من جاءوا بعده سمحت بإعادة شرحها.
كان إراتوسثينيس يعلم أنه عند ظهيرة يوم الانقلاب الصيفي تبدو الشمس عمودية تمامًا فوق مدينة أسوان Syene القديمة، فلا يتكوَّن أي ظل على الإطلاق داخل البئر. وفي اليوم نفسه، والوقت نفسه في الإسكندرية، كان قضيب رأسي يُلقي على الأرض ظلًّا بزاوية تقارب 7 درجات، أي نحو خمسين جزءًا من الدائرة. وكان يعرف أن المسافة بين المدينتين تبلغ 5000 ستاديا، وهي وحدة طول قديمة استخدمها الإغريق، فاستنتج أن محيط الأرض يجب أن يكون خمسين ضعفَ هذه المسافة، أي 250,000 ستاديا.
أجرى إراتوسثينيس بعض التقريبات الهندسية، لكن يمكننا تجاهلها. ما هو أكثر تعقيدًا هو أننا لا نعرف القيمة الدقيقة للستاديا. ويُعتقَد أنه استخدم قيمة تقارب 160 مترًا. وهذا يعطينا محيطًا يبلغ 160 × 250,000 = 40,000 كيلومترًا، وهو قريب على نحو لافت من القياس الحديث البالغ 40,075 كيلومترًا. وبالطبع، فإن اختلاف تقديرات وحدة ستاديا التي تتراوح بين 150 و210 أمتار، يؤدي إلى اختلاف النتيجة وتفاوت دقتها، تبعًا لمدى سخائنا في تقييم عمل إراتوسثينيس.
الخلاصة أن بعض الحسابات البسيطة والمعقولة يمكن أن تتيح لنا تقدير قيمة ما بدرجة كبيرة من الدقة، مثل قياس محيط كوكب من دون الإبحار حوله. وكان رائد هذا النهج في القرن العشرين هو الفيزيائي إنريكو فيرمي Enrico Fermi الذي بنى أول مفاعل نووي في التاريخ، وكان له دور أساسي في مشروع مانهاتن Manhattan الأمريكي لتطوير القنبلة الذرية. كان فيرمي حاضرًا عند إجراء اختبار ترينيتي Trinity، وهو التفجير الأول لهذا النوع من السلاح، وحاول تقدير قوة الانفجار التي لم يكن أحد يعرفها بدقة، وذلك بإسقاط قصاصات صغيرة من الورق، ومراقبة مدى تحركها بفعل موجة الصدمة. ومثل إراتوسثينيس، لم تُسجَّل طريقته بالتفصيل، لكن تقديره بأن قوة القنبلة تبلغ 10 كيلوطن اقترب من نصف قيمتها الحقيقية البالغة 21 كيلوطن، والمعتمدة اليوم لقوة انفجار ترينيتي. قد لا يكون ذلك دقيقًا تمامًا، لكنه على الأقل قريب من القيمة الفعلية.
من الواضح أن هناك أشياء لا يمكن تخمينها بدقة، مثل رمية قطعة النقد أو حجر النرد، وهذه نسمّيها عشوائية
في الواقع، كان الوصول إلى تقديرات تقريبية للقيمة الصحيحة هو السمة المميزة لفيرمي، فقد كان شغوفًا بهذا النوع من الحسابات السريعة، لدرجة أنها تُعرَف حاليًا باسم مسائل فيرمي. والمثال الكلاسيكي هو التحدي الذي كان يطرحه على طلابه: تقدير عدد فنيي ضبط البيانو في مدينة شيكاغو. انطلاقًا من عدد سكان شيكاغو البالغ نحو 3 ملايين نسمة، يمكن افتراض أن متوسط عدد أفراد الأسرة أربعة، أي ما يعادل 750 ألف أسرة. وإذا كانت واحدة من كل خمس عائلات لديها بيانو، فهذا يعني وجود 150 ألف بيانو في المدينة. وإذا افترضنا أن فني ضبط البيانو يمكنه العمل على أربعة بيانوهات في أيام الأسبوع، ففي إمكانه صيانة نحو 1000 بيانو سنويًّا. وعليه، إذا كانت هذه البيانوهات البالغ عددها 150 ألف تُصَان سنويًّا، فلا بد من وجود 150 فني ضبط بيانو في شيكاغو.
المغزى من هذا التقدير ليس دقته، بل إن خطأه محصور ضمن نطاق معقول لا يبتعد كثيرًا عن الحقيقة؛ فقد وضعنا عدة افتراضات، لكن بما أن بعضها يميل إلى المبالغة، وبعضها الآخر إلى التقليل، ومع افتراض عدم وجود تحيُّز في أي اتجاه، فمن المرجح أن تبقى الأخطاء ضمن نطاق معقول. أما لو خلصت حساباتنا إلى وجود مليون فني ضبط بيانو في شيكاغو، لكان من الواضح أن هذا التقدير غير صحيح.
ومع أن تقدير فيرمي أداة قوية للتخمينات الأولية، فإننا نجمع أحيانًا معلومات جديدة تساعدنا على تحسين إجابتنا الأولى. لنعدْ إلى مثال الصندوق: إذا سحبتُ كرة زرقاء تحمل الرقم 32 من الصندوق، فهل سيغيّر ذلك تخمينك؟ قد تفترض وجود كرات أخرى، بعضها أزرق وبعضها يحمل أرقامًا، لكن هل يمكن قياس ذلك كمّيًّا؟ نعم، بفضل طريقة توماس بايز Thomas Bayes الذي كان عالم إحصاء ورجل دين في القرن الثامن عشر.
تجلت بصيرة بايز المذهلة في أنه قلب مفهوم الاحتمالات رأسًا على عقب، فحوله من أداة لفهم العشوائية، مثل نتيجة رمية قطعة النقد، إلى إطار لقياس عدم اليقين وتحديثه. وقد وضع معادلة هي نظرية بايز Bayes’ theorem لتحويل الملاحظات إلى أدلة. وتتكون من أربعة عناصر: الاحتمال المسبق، والدليل، والاحتمالية، والاحتمال اللاحق. لنشرحها بالتتابع.
الاحتمال المسبق، هو فرضيتنا الأساسية: لنتخيل أنني أقدم ثلاث نكهات من الآيس كريم في حفلة: الشوكولاته والفراولة والفانيليا، وأريد معرفة أيها سيحظى بالإقبال أكثر من البقية لأكون مستعدًا. من المعقول افتراض أن تفضيلات النكهات موزعة بالتساوي، وأن كل نكهة ستحظى بتفضيل ثلث الضيوف. ولكن تبدأ الحفلة ويبدأ القلق. أول عشرة أشخاص اختاروا جميعا الشوكولاته، وهذا هو الدليل الذي حصلت عليه.
هنا يزداد الأمر تعقيدًا. لتحديد الاحتمالية، يجب أن أعود إلى افتراضي الأول. إذا كانت التفضيلات متساوية فعلًا، فما احتمال أن يختار عشرة أشخاص متتالين الشوكولاته؟ الإجابة هي (1/3)^10، أي نحو 1 من 60 ألفًا. هذا احتمال ضئيل جدًّا، ما يشير إلى أن افتراضي الأول كان على الأرجح خطأ، وأن عليَّ تحديثه بافتراض تفضيل الشوكولاته، وهو ما يجعل ظهور هذا الدليل أكثر منطقية. هذا التحديث هو الاحتمال اللاحق.
ويتضح أن هذه النظرية قوية جدًّا. بالعودة إلى مثال الصندوق: الكرة الأولى التي سحبتها تقلِّص – على نحو كبير – احتمالات ما بداخله. وإذا سحبت كرة أخرى، ولكنها هذه المرة حمراء، وعليها الرقم 50، فإن الاحتمالات تضيق أكثر؛ فأنت تعلم الآن أن في الصندوق لونين على الأقل، وإذا افترضت أن الأرقام مرتبة بانتظام، فعدد الكرات على الأرجح صغير (أقل من 100)، وليس ضخمًا (أكثر من مليون). كل كرة تُسحَب تمنحك دليلًا إضافيًّا لتحديث فرضيتك المسبقة.
وربما صادفت نظرية بايز من دون أن تدري في بريدك الإلكتروني؛ فقد استخدمت مرشحات البريد العشوائي الأولى استدلال بايز، بافتراض أن نسبة معينة من الرسائل هي بريد عشوائي (الاحتمال المسبق)، ثم استخدام الرسائل التي تضعها أنت ومزود الخدمة في ملف البريد العشوائي (الدليل)، مع احتمالية ظهور كلمات معينة في الرسائل العشوائية (الاحتمالية)، لتحديد الرسائل التي هي بالفعل بريد عشوائي (الاحتمال اللاحق).
ويُظهر ترشيح البريد العشوائي أن التخمين ليس مجرد حيلة رياضية، بل مهارة عملية في العالم الحقيقي. كما أن استخدام هذه التقنيات المتمثلة في تقدير فيرمي واستدلال بايز، ازداد أهمية في عالم الذكاء الاصطناعي القائم على مطابقة الأنماط Pattern-matching، مثل ChatGPT. وكما ذكرتُ في مقال سابق، فإن طريقة بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة تجعلها تميل إلى تأكيد فرضياتك المسبقة بدلا من تحديثها أو تحديها؛ إذ إنها تُطابق الأنماط الموجودة من دون النظر بجدية إلى الأدلة الجديدة التي لا تنسجم معها. لا تدعِ الذكاء الاصطناعي يخطئ في التخمين نيابة عنك، بل تعلَّم أن تفعل ذلك بنفسك على النحو الصحيح.
© 2026, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC