منذ نشأته فلسطينيًا في لبنان، عاش الأستاذ الدكتور محمد بامية في 18 مدينة في أربع قارات، وشهد حربين أهليتين وثورتين. أدرك مبكرًا أن التفسيرات التقليدية للاضطرابات الاجتماعية لا تشفي غليله؛ إذ كان يغلب عليها التسطيح والتبسيط المُخل؛ لذا اتجه الأستاذ الدكتور بامية إلى علم الاجتماع، معتبرًا إياه «العلم الأقدر» على تحليل تعقيدات الواقع. يقول الأستاذ الدكتور بامية الذي يُعد حاليًا من أبرز علماء العالم العربي: «بالنسبة إليَّ، كان علم الاجتماع أوسع العلوم الاجتماعية؛ إذ يُمكن من خلاله تحليل التطورات السياسية والاقتصادية والتحولات الثقافية».
ألَّف الأستاذ الدكتور بامية، حتى الآن، كُتبًا مهمةً عن العولمة، ونشأة الإسلام، واللاسلطوية Anarchism، والانتفاضات العربية، مستندًا إلى علم الإنسان Anthropology، والعلوم السياسية، والتاريخ، والأدب، وحتى السينما. وشغل منصب رئيس المجلس العربي للعلوم الاجتماعية. ولايزال مقتنعًا بأن علم الاجتماع – إذا ما طُبِّق على النحو الأمثل – هو ضرورةٌ عمليةٌ ملحةٌ، لا سيما في منطقةٍ تتسم مشكلاتها بالتجذر والعمق.
ويقول الأستاذ الدكتور بامية إن علم الاجتماع يساعد الناس على فهم واقعهم فهمًا أعمق، وعلى اتخاذ قراراتٍ أفضل بشأن كيفية عيشهم، وكيف يريدون أن يعيشوا.
يشغل الأستاذ الدكتور بامية حاليًا منصب أستاذٍ في جامعة بيتسبرغ University of Pittsburgh في الولايات المتحدة، وشهد تفكك المجتمعات خلال انتفاضات الربيع العربي، في العام 2011، ثم كفاحها لإعادة البناء. وخلص إلى أن الثورات في جوهرها أحداثٌ تواصليةٌ؛ تبدأ حين يتعلم الناس – من مختلف الطبقات والفئات العمرية والمناطق – التواصل فيما بينهم. وتنجح المرحلة الأولى عندما يتمكن هذا التحالف من التعبير عن إجماعٍ اجتماعي واسع النطاق، يصل إلى نحو %75 من السكان، وفقًا لتقديرات الأستاذ الدكتور بامية.
لكن المشكلات عادةً ما تلبث أن تلي ذلك. يقول: «من السهل التوصل إلى إجماعٍ حول ما نعارضه، لكن ليس حول البديل الذي نريده». بمجرد تحقيق الهدف الأولي – وهو إزاحة رأس النظام – غالبًا ما تنقلب الجماعات التي شكلت الحركة بعضها على بعض، وقد تتحول الانتفاضة إلى حربٍ أهليةٍ، كما حدث في عدة دولٍ بعد الربيع العربي.
يعتقد الأستاذ الدكتور بامية أن علم الاجتماع يمكن أن يساعد المجتمعات على التعلُّم من هذه الإخفاقات. ويضيف: «يكمن جوهر الأمر في الفجوة بين ما نتوقعه، وما نأمل تحقيقه، وعجزنا عن بلوغه – وهنا يأتي دور علم الاجتماع. لماذا لم ينجح الأمر، وكيف يمكننا تحسينه؟».
انبثقت انتفاضات الربيع العربي من مشكلات المنطقة الأساسية، مثل غياب المساءلة في الحكم، والتفاوت الشديد، والعجز عن تحقيق التكامل الذي يُفترَض أن تتيحه اللغة والتاريخ المشتركان. ويشير الأستاذ الدكتور بامية إلى أن هذه المشكلات لاتزال قائمةً حتى الآن. وعلى الرغم من أن العلوم الاجتماعية من بين أفضل الأدوات لمعالجة هذه القضايا، وفق تقديره، إلا أنها لاتزال غير مُستغلَةٍ بالصورة الأمثل. ويقول إن العلوم الاجتماعية نادرًا ما يُرجَع إليها في معظم أنحاء العالم العربي، بل إنها أحيانًا لا تُموَّل أو تُدرَّس.
كرّس الأستاذ الدكتور محمد معظمَ العقد الماضي في دراسة واقع العلوم الاجتماعية في العالم العربي؛ إذ كان المؤلف الرئيسي لتقريرٍ مهمٍ صدر في العام 2015، عن المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، ويعكف الآن على إتمام تقريرٍ خامسٍ. وتُظهر هذه التقارير صورةً لتطورٍ غير متكافئ ونقاط عمياء مستمرة؛ فبينما تتمتع دول شمال أفريقيا، مثل المغرب وتونس، بإرثٍ راسخٍ نسبيًّا في العلوم الاجتماعية وحريةٍ أكاديميةٍ أكبر، أصاب دولًا مثل العراق ومصر ضررٌ كبيرٌ في إرثها من جراء الحروب والعقوبات والقمع الحكومي. وفي بعض دول الخليج، كثيرًا ما اقتصر دور الجامعات على كونها رمزًا للمكانة الاجتماعية، بدلًا من كونها مصدرًا للمعرفة.
لا يقتصر الإهمال على علم الاجتماع فقط، بل يتجاوزه إلى مجالاتٍ أخرى. يقول الأستاذ الدكتور بامية: «على سبيل المثال، يُقال لنا إن المجتمعات العربية محافظةٌ وتقليديةٌ، هذ ضربٌ من الدعاية، لكن هذا ما نُلقَّنه. إلا أن العلوم التي تدرس التقاليد فعليًّا، لا سيما علم الإنسان، هي الأقل تمثيلًا بين العلوم الاجتماعية في الجامعات العربية». كما أن برامج التاريخ تعاني شحًّا في التمثيل، وهو أمرٌ يثير استغرابه، بالنظر إلى كثرة ما تسمعه المجتمعات العربية بأن تاريخها يُعرّفها.
يرى الأستاذ الدكتور بامية أن هناك ثلاثة أمورٍ ضروريةً لترسيخ العلوم الاجتماعية: مجتمعٌ أكاديميٌّ متكاملٌ إقليميًّا يتيح للباحثين، في بلدٍ ما، التفاعل مع نظرائهم في مختلف أنحاء المنطقة. واستمراريةٌ مؤسسيةٌ تُمكِّن الباحثين من البقاء في مكان واحدٍ فترةً كافيةً لبناء إرثٍ علمي وتدريب الطلبة. ومجتمعٌ مدني قوي يستخدم العلوم الاجتماعية، وينتجها خارج أسوار الجامعة. ويقول: «إن كانت فعلًا علومًا اجتماعيةً، فلا بد من أن تحيا في المجتمع».
يرى الأستاذ الدكتور بامية أن أنظمة التصنيف التي تبنتها دولٌ عديدةٌ بهدفٍ معلنٍ هو تحسين مؤسسات التعليم العالي، تأتي بنتائج عكسيةٍ في أحسن الأحوال. ويشير إلى أن مقارنةَ جامعةٍ في بنغازي بجامعة هارفارد أمرٌ لا طائل منه؛ فالمعيار الوحيد المفيد هو دور الجامعة في مجتمعها. وبدلًا من ذلك، تُعلِّم التصنيفات الإداريين عاداتٍ سيئةً؛ إذ تُحوّل تركيزهم عن الجوانب الإيجابية إلى رقمٍ قد لا يعكس القيمة الفعلية لمؤسساتهم. ويقول: «أتمنى حقًّا أن نتخلص من هذا الهوس بالتصنيفات»، مؤكدًا أنه لا يخدم سوى إعادة ترسيخ التراتبية العالمية. ويضيف: «هذه هي العقلية الاستعمارية التي عشنا معها طوال حياتنا».
ويحذر الأستاذ الدكتور بامية من أن تهميش العلوم الاجتماعية يخلق فراغًا تسارعُ قوى أخرى لملئه. ويقول: «حينئذ يُترَك تفسير الثقافة والتاريخ لجماعاتٍ متطرفةٍ أو لخدمة مصالح سياسية ضيقة، لذا، فإن تهميش العلوم الاجتماعية يُعرّض المجتمع لتيارات خطرة».
لكن يرى الأستاذ الدكتور بامية ما يدعو إلى التفاؤل، لا سيما بين الشباب؛ ففي الأعوام الأخيرة، تلقى دعواتٍ أكثر بكثير للتحدث في منتديات الشباب، وحلقات القراءة، ونوادي المناظرة، والتي لم يكن معظمها موجودًا قبل انتفاضات العام 2011. وقال: «هناك تعطشٌ للمعرفة»، وفهمٌ متزايد بأن النزول إلى الشارع والاحتجاج ليس كافيًا.
ليس متأكدًا من أن ثوراتٍ أخرى ستندلع، لكنه يعتقد أن شيئًا ما تغير. يقول: «آخر ما تُغيره الثورات هو النظام السياسي، وأول ما تُغيره هو الثقافة. يبدأ الناس، وخاصة بينهم الفئات الشبابية، في طرح أسئلة مستحدثة».