Taqaddumجائزة الكويت

الأستاذ الدكتور عبدالله الغذامي

المعاني الخفية في كلماتنا

كان لدى الأستاذ الدكتور عبدالله الغذامي، حين كان يافعًا يترعرع في مدينة عنيزة بقلب المملكة العربية السعودية، عادةٌ غريبة: كان يمزق قصاصاتٍ صغيرةً من الورق، ثم يدوِّن عليها عناوين الكتب، ليس تلك التي قرأها، بل تلك التي كان ينوي تأليفها يومًا ما. والآن، وقد بلغ الأستاذ الدكتور الغذامي الثمانين من عمره، ضاعت تلك القصاصات مع مرور الزمن، ومع تنقلاته بين المنازل. لكنه حقق أكثر مما كان يطمح إليه.

يُعَدّ الأستاذ الدكتور الغذامي حاليًا أحد أبرز الكتّاب والنقاد السعوديين محطّ الحفاوة والتقدير؛ إذ ألَّف أكثر من 35 كتابًا، ووضع نظريةً مؤثرةً عن العلاقة بين اللغة والثقافة والسلطة. وتُشير نظريته التي يُطلَق عليها اسم «الأنساق الثقافية المضمرة» Hidden cultural norms، إلى أنّ هناك معتقداتٍ دفينةً وراء ظاهر الكلام اليومي – في الشعارات السياسية والشعر والتعليقات العابرة – تكشف ما يُفكّر فيه المجتمع ويشعر به فعلًا، حتى إن لم يُصرِّح أو يعترف بها. وقد نال الأستاذ الدكتور الغذامي جائزة الكويت للآداب والفنون في العالم العربي للعام 2025 تقديرًا لإسهاماته.

تبلورت نظريته تدريجيًّا، منذ مغادرته السعودية في العام 1971 لمتابعة دراسته العليا في جامعة إكستر University of Exeter ببريطانيا. هناك، تعلَّم الإنجليزية، وانغمس في أعمال الفلاسفة والشعراء الإنجليز. أدى ذلك إلى أمرٍ غير مُتوقَّع: عندما عاد إلى الكتب العربية التي قرأها في طفولته، رآها بمنظورٍ مختلف. قال: «إضافة لغة أخرى إلى ذهنك تجعلك ترى أشياء لم تكن تراها في لغتك الأم، كأنك ترى نفسك في مرآةٍ أخرى».

قادته هذه الرؤية الجديدة إلى اكتشاف وجود روابط بين النظرية الأدبية العربية – التي يعود تاريخ معظمها إلى قرونٍ مضت – وأفكار المفكرين الإنجليز الذين توصلوا – بصورةٍ مستقلةٍ – إلى استنتاجات مشابهةٍ بصورةٍ مدهشةٍ. لكن دراسة تفكيرهم – من هذا المنظور المزدوج – دفعت الأستاذ الدكتور الغذامي أيضًا إلى تطوير أفكاره الخاصة بشأن كيفية تأثير اللغة والثقافة كل منهما في الأخرى. قال: «هذا العمل ليس باللغة الإنجليزية، وليس باللغة العربية، إنه عملي الشخصي، لكنه يستند إلى هذين المجالين».

تتمحور فكرته حول أن اللغة غالبًا ما تضمر بقدر ما تكشف؛ فكما يستخدم الشاعر الاستعارة ليضع معنىً في الواجهة، بينما يكمن معنى آخر في الظلال، أو كما يمكن لزلة لسانٍ أن تكشف عما يحتمل أن يكون وراء أفكارنا الواعية، وهو ما ذهب إليه المحللون النفسيون منذ فرويد، فإن الخطاب العام حافل بافتراضاتٍ غير معلنةٍ تعكس القيم والمخاوف الدفينة لمجتمعاتٍ بأكملها.

ضرب الأستاذ الدكتور الغذامي مثالًا على ذلك حادثةً وقعت في العام 2018، حين تمتم أحد أعضاء البرلمان البريطاني بعبارة «امرأة غبية»، موجهةً إلى رئيسة الوزراء، آنذاك، تيريزا ماي Theresa May. أثار هذا التعليق ضجةً كبيرةً؛ إذ شعر كثيرٌ من البريطانيين بأن هذه الكلمات تُعدُّ هجومًا على النساء جميعهن، لا على رئيسة الوزراء فقط. وتساءل الغذامي عن سبب هذا. ويرى أن ردة الفعل هذه كشفت عن قلقٍ ثقافي دفينٍ في المجتمع البريطاني، شعورٍ جماعي بأن النساء في مناصب السلطة لا يُقبَلْن فعلًا على قدم المساواة. وأوضح الأستاذ الدكتور الغذامي أنه لو وُجهت الكلمات نفسها إلى رجل، لما افترض أحدٌ أن المتحدث يقصد أن جميع الرجال أغبياء، قائلًا: «هذا ما أسميه الأنساق الثقافية المضمرة».

وظلّت مسألة المرأة والخطاب الجمعي، على وجه الخصوص، تشغل الأستاذ الغذّامي على مدى عقود؛ ففي خمسةٍ من كتبه، تتبّع الكيفية التي حصر بها الخطابُ الثقافيُ المرأةَ في حيِّز منفصل ومحدود، وكيف استمرّت تلك الأنماط المتجذّرة في الوعي الجمعي، حتى بعد أن نالت المرأة نصيبها من التعليم، وبدأت هي نفسها تسهم في تشكيل الخطاب العام، وتشارك في إنتاجه. وطوّر مفهومه عن الأنساق الثقافية المضمرة خلال مسيرته التدريسية التي قادته أولًا إلى جامعة الملك عبدالعزيز King Abdulaziz University بجدة، حيث أسهم في تأسيس قسم اللغة العربية، ثم إلى جامعة الملك سعود King Saud University بالرياض. وحصل على لقب الشخصية الثقافية Cultural Personality of the Year للعام 2022 في الدورة السادسة عشرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب Sheikh Zayed Book Award، إحدى أرفع الجوائز الأدبية في العالم العربي، والتي تُمنَح سنويًّا في أبو ظبي، بالتزامن مع معرض أبو ظبي الدولي للكتاب.

بيد أن رؤاه النقدية لم تحظَ دومًا بالترحاب؛ فقد هوجم من بعض النقاد، لكن الأستاذ الدكتور الغذامي لم يعبأ بهم؛ إذ قال عن منتقديه: «لقد التمستُ لهم العذر لقلة معرفتهم، وتحوّل ذلك في المقابل إلى فرصةٍ مواتيةٍ لفتح بابِ حوارٍ مستمر».

بعد تقاعده من التدريس، منذ 14 عامًا، لا ينوي الأستاذ الدكتور الغذامي التوقف عن العمل. يقول: «لا يتوقف المرء عن التفكير، وليتني أستطيع». مازال يكتب مقالًا كل أسبوعين، يُطبِّق فيه نظريته على الأحداث الجارية والشخصيات العامة، وقد نشر أخيرًا مقالًا عن خطابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب Donald Trump. ويضيف: «أنا دائم الاتصال بالعالم، ولا أنفكُّ أرقبُ كل ما يدور فيه».

أما إن كانت الأنساق الثقافية المضمرة قابلةً للتغيير فعلًا، فهو سؤالٌ يقاربه بقدرٍ من الشك؛ إذ أشار إلى أن هذه الأنساق تتشكل منذ قرون، ولذا فهي لا تتلاشى بسهولةٍ. لكنه يرى أن هذا ليس بيت القصيد؛ فالهدف هو التوعية، أي إظهار ما هو خفي للعلن حتى يتسنى تفحّصه. يقول: «الأمر أشبه بطبيبٍ يكتشف فيروسًا، عليه أن يخبرنا عنه، وعلينا التعامل معه. لا أستطيع القضاء على الفيروس، لكن يمكنني أن أخبر الناس: هذا هو الفيروس».

وفي المملكة العربية السعودية، يَلْمَح الغذّامي مؤشراتٍ تدعو إلى التفاؤل؛ فهو يرى أن بلاده، منذ انطلاق الإصلاحات التي بدأت في العام 2015، تتعامل مع أعرافها الثقافية المضمرة بقدرٍ غير مسبوقٍ من الانفتاح. ويقول: «إننا نواجهها بشجاعة، وهذا هو أعظم إنجازٍ في تقديري».

“تُشير نظريته التي يُطلَق عليها اسم «الأنساق الثقافية المضمرة»، إلى أنّ هناك معتقداتٍ دفينةً وراء ظاهر الكلام اليومي – في الشعارات السياسية والشعر والتعليقات العابرة – تكشف ما يُفكّر فيه المجتمع ويشعر به فعلًا”

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى