الأستاذ الدكتور حسين بهبهاني
قراءة جينوم الحيوان الذي يعطي الصحراءَ تميزَها
لا يمكن لأحدٍ تحديد تاريخ وصول الجِمَال العربية Dromedary camel إلى شبه الجزيرة العربية بدقةٍ، لكن لا شك في أن هذه الحيوانات ذات السنام الواحد قد أثّرت بصورةٍ عميقةٍ في الحضارات التي نشأت هناك. ويُقال إن المؤلِّف العربي القديم الجاحظ وصف الجمل بأنه «الحيوان الكامل» للصحراء، فهو مُتأقلمٌ تأقلمًا يكاد يكون خارقًا مع بيئةٍ تُعيق نمو الكائنات الكبيرة الأخرى؛ فبينما تخور قوى الإنسان بعد خسارة 5% من وزنه بسبب الجفاف، يستطيع الجمل البقاء مدة شهرٍ كاملٍ من دون شرب الماء، ويفقد أكثر من ربع وزنه من السوائل، ثم يعيد ترطيب جسمه بشرب ما يصل إلى 110 لترات من الماء في 10 دقائق.
كما يمكنه ترك درجة حرارة جسمه ترتفع من 34 إلى أكثر من 40°س، فيقلّ تعرقه؛ لأن الجسم الأحرّ يحتاج إلى تبريدٍ تبخيري أقل. وبفضل قدرته على العيش على نباتات شائكةٍ متناثرةٍ، يستطيع الجمل حمل أوزانٍ تصل إلى مئات الكيلوغرامات عبر تضاريس وعرةٍ تعجز فيها المركبات ذات العجلات؛ مما جعل الاستيطان ممكنًا، ومسارات التجارة مجديةً قبل وقتٍ طويلٍ من بناء أي طريق.
لكن كيف اكتسبت الجمال القدرة على تركيز بولها، إلى درجة جعله أكثر ملوحة بثلاث مراتٍ من مياه البحر؟ وكيف تتحكم الجينات في الدهون المُخزَّنة في سنامها الأيقوني، أو في تكوين صفَّي الرموش اللذين يحميان عينيها من الرمال التي تثيرها رياح الصحراء؟ هذه هي الأسئلة التي تحفِّز عمل الأستاذ الدكتور حسين بهبهاني Hussain Bahbahani، عالم الجينات، والأستاذ في جامعة الكويت Kuwait University، والذي يدرس علم جينوم المجموعات Population genomics في الماشية، وهو مجالٌ يقارن الحمض النووي (DNA) عبر مجموعاتٍ كبيرةٍ من الحيوانات للكشف عن كيفية تشكيل التطور للشفرة الجينية Genetic code. وقد حصل على جائزة جابر الأحمد للعام 2025 تقديرًا لأبحاثه.
كحال العديد من الكويتيين الآن، لا تربط الأستاذ الدكتور بهبهاني علاقةٌ شخصيةٌ تُذكر بالإبل، باستثناء رحلات التخييم الصحراوية العَرضية في الشتاء؛ حين يكون الجو باردًا بما يكفي للخروج، وتجول الإبل عيانًا في الأراضي المفتوحة. ولذا، فليس من المستغرب أنه بدأ دراسة هذا الحيوان بطريقةٍ غير مباشرةٍ.
خلال دراسته الدكتوراه في جامعة نوتنغهام University of Nottingham في المملكة المتحدة، درس الأستاذ الدكتور بهبهاني كيفية تكيف سلالات الماشية الأفريقية جينيًّا مع بيئاتها المحلية. بعد تخرجه، حثه زميله المقرب، الأستاذ الدكتور فيصل الماذن Faisal Almathen من جامعة الملك فيصل King Faisal University بالمملكة العربية السعودية، على توجيه خبرته في المعلوماتية البيولوجية Bioinformatics نحو موضوعٍ جديدٍ. يتذكر الأستاذ الدكتور بهبهاني اقتراح الأستاذ الدكتور الماذن قائلًا: «دعنا ندرس شيئًا يعود بالنفع على جميع دول الخليج العربي، ألا وهو رمز بلادنا، الجمل بالطبع».
وعلى الرغم من أن الشاحنات والطائرات قد حلّت محل الجمال منذ زمنٍ طويلٍ، بوصفها وسيلة النقل الرئيسية في شبه الجزيرة العربية، فإنها لا تزال تُربَّى على نطاقٍ واسعٍ – لا للسباقات فقط، بل أيضًا للحصول على حليبها ولحمها وجلودها؛ حتى أن حليب الإبل يُستخدَم الآن في صناعة الشوكولاته، وفق ما أشار الأستاذ الدكتور بهبهاني.
وقال إن كونها ماشيةً جعل من الضروري تحديد الشفرة الجينية: «لتحقيق الأمن الغذائي، عليك الوصول إلى فهمٍ أفضل لأنواعك المحلية».
انطلق الأستاذ الدكتور بهبهاني، برفقة باحثين آخرين، لإجراء أول تحليلٍ شاملٍ لجينوم الجمال العربية في شبه الجزيرة العربية، لكنه سرعان ما واجه عقبةً؛ إذ تبيَّن له أن «مُلَّاك الجمال عادةً لا يفضلون أن يلمس أحد جمالهم بالإبر». وللحصول على عينات الدم اللازمة، استعان بأطباء بيطريين كان المُلَّاك أكثر تقبُّلًا لوجودهم. وفي نهاية المطاف، تمكَّن هو وفريقه من جمع عيناتٍ من 12 مجموعةً مختلفةً من الجمال في دولة الكويت والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان.
من خلال مقارنة الجينومات الكاملة لهذه الجمال العربية، أثبت الأستاذ الدكتور بهبهاني أن الجمال العربية تنقسم إلى أربع مجموعاتٍ جينيةٍ رئيسيةٍ، ترتبط بمناطق مختلفة من شبه الجزيرة العربية، مع وجود تداخلٍ كبيرٍ بينها. ويبدو أن هذا النمط ينسجم مع تاريخ شبه الجزيرة الطويل في تجارة القوافل وحركة الحيوانات خلال رحلات الحج الدينية. كما حدد الفريق مناطق كان للتطور فيها أثرٌ بالغٌ: أجزاء من الحمض النووي DNA تُظهر علامات الانتقاء الإيجابي، على الأرجح؛ لأنها منحت أفضليةً للبقاء.
من بين هذه المناطق، وُجدت جيناتٌ مرتبطةٌ بوظائف الكلى، ومن ثمّ بالحفاظ على الماء. كما وجد الفريق جيناتٍ أخرى بعضها مرتبطةٌ بالخصوبة (التي قد تُمثّل تحديًا للعديد من الأنواع في ظلّ الإجهاد الحراري)، والمناعة، والبصر، ومساراتٍ عصبيةٍ مرتبطةٍ بنموّ الدماغ، والتي قد تُساعد على تفسير امتلاك الجمال ذاكرةً مكانيةً مميزةً تعينها حين تجتاز الصحاري الشاسعة عديمة المعالم. وقال الأستاذ الدكتور بهبهاني: «هذه مساراتٌ بيولوجيةٌ مثيرةٌ للاهتمام قد تُسهم في تكيُّف الجمل مع بيئته».
وجَّه الأستاذ الدكتور بهبهاني اهتمامه أخيرًا إلى فئةٍ محددةٍ من الإبل: تلك المُخصَّصة للسباق. وعلى الرغم من أن سباقات الإبل متأصلةٌ بعمقٍ في ثقافة الخليج العربي، وتُدرّ جوائز ماليةً كبيرةً، فإن المربين يعتمدون – حتى الآن – اعتمادًا أساسيًّا على مظهر الجمل وتاريخه في السباقات – بدلًا من جيناته – عند اختيار الإبل للتزاوج. ويعتقد الأستاذ الدكتور بهبهاني أن علم الجينوم قد يُقدِّم دليلًا أعلى موثوقيةً. وحددت أبحاثه جيناتٍ مرتبطةً بنمو الغضاريف وقوة العضلات، والتي تُظهر علاماتٍ على الانتقاء الإيجابي. بعبارةٍ أخرى: قد ترتبط هذه الصفات بأداء الجري، لكن هناك حاجة إلى مزيدٍ من البحث لتأكيد هذه العلاقة.
أشار الأستاذ الدكتور بهبهاني إلى تزايد الاهتمام العلمي بالإبل. ويدرس الباحثون في مختلف أنحاء الخليج هذه الحيوانات من زوايا متعددةٍ، بدءًا من كيفية عمل أجسامها، وبنيتها، وصولًا إلى التركيب الكيميائي لحليبها. لكن لا يزال تحليل الجينوم الكامل محدودًا، وقال الأستاذ الدكتور بهبهاني: «لذلك، نحتاج إلى علماء مُدرَّبين تدريبًا جيدًا في أدوات المعلوماتية البيولوجية. هذا هو ما ينقصنا».
يرغب الأستاذ الدكتور حسين بهبهاني في أن يحذو مُلّاك الإبل حذو العديد من مُربِّي الأبقار والأغنام، وذلك بتطبيق برامج تربيةٍ رسميةٍ، يوجهها تحليل الحمض النووي DNA للتنبؤ بأفضل الحيوانات إنتاجًا للحليب واللحوم، أو أسرعها في السباقات. ويؤكد أن الدولة لا يُمكنها الاعتماد على الماشية المستوردة أو المُدْخَلة وحدها، قائلًا: «لا أحد يعلم ما سيحدث. ربما أنت اليوم قادرٌ على استيراد هذه الحيوانات، لكن قد لا تستطيع غدًا؛ لذا عليك تربية سلالةٍ محليةٍ مُتكيِّفةٍ مع بيئتك المحلية».