في مساءِ يومِ أربعاءٍ، في حدودِ الساعةِ السابعةِ مساءً، رفَع ضاري العوّاد سمّاعةَ الهاتفِ، واتصلَ بشركة طيران الجزيرة Jazeera Airways. كان يعمل – في ذلك الوقت – لدى الإدارةِ العامةِ للطيَرانِ المدنيّ في الكويتِ، إبّان جائحة كوفيد-19، ويتولَّى التنسيقَ لأحدِ أكثرِ المشروعات الرقميةِ إلحاحًا في البلاد: تقديم رموزِ الاستجابةِ السريعةِ عبر محطات المطارِ، وربطها بأنظمةِ وزارةِ الصحة. وكان يجبُ أن يكونَ كلُّ شيءٍ جاهزًا قبلَ وصولِ وزيرِ الصحةِ للجولةِ التفقديةِ يومَ الأحد.
قال لمُخاطِبِه في طيرانِ الجزيرة: «سأزوّدُكَ بكل البياناتِ التي تحتاجُ إليها، وأريدُ تنفيذَ كلّ شيءٍ بحلولِ يومِ السبتِ كحد أقصى؛ لأن وزيرَ الصحةِ سيزورُ المطارَ يومَ الأحد؛ وسأفتش بنفسي محطاتكم، وأريدُ أن أرى كلَّ شيءٍ يعملُ بانتظام». استمعَ الرجلُ باهتمامٍ ثم أجاب: «حسنًا، هل انتهيتَ من طلبِكَ؟» قال العوّاد: «نعم»؛ فقال الرجل: «هل يمكنُني الحديثُ معك بضع دقائق؟». امتدت تلك المحادثةُ ساعتينِ ونصف الساعة. قال له الرجل: «لقد كنتُ أراقبُ أداءَك على مدى الأشهرِ الثلاثةِ الماضية، ولم أكن أعرفُ كيفيةَ الوصولِ إليك، لكن بما أنّكَ اتصلتَ… ماذا تنوي أن تفعلَ في العملِ الحكومي؟ وما مستقبلكَ هناك؟ هل تدركُ حجمَ ما يمكنكَ تحقيقُه في القطاعِ الخاص؟ أعلمُ أنها فترةُ جائحة… وأعلمُ أن الناسَ يخسرون وظائفَهم… وأعلمُ أنها مخاطرة… لكن المخاطرةَ تقترنُ دائمًا بالمكاسب».
وفي نهايةِ تلك المكالمة، كان العوّاد قد قَبِلَ دعوةً أدّت به – في نهاية المطافِ – إلى الانضمامِ إلى طيرانِ الجزيرة؛ وليصير الرجلُ على الطرفِ الآخر من الخطّ مديرَه المستقبلي. ولم تكن تلك المرةَ هي الأولى التي يخوضُ فيها مخاطرةً تُغيِّرُ مجرى مسيرتِه المهنية.
قبلَ انضمامِه إلى طيرانِ الجزيرةِ، بوقتٍ طويل، كان العوّاد يعملُ بدوامٍ كاملٍ، وهو لا يحملُ سوى شهادةِ الثانويةِ العامة؛ ففي الفترةِ من العام 2010 إلى 2014، تولّى الإشرافَ على أحد المرافق التابعة لشركة المشروعات السياحية، على الواجهة البحرية لشارع الخليج العربي في الكويت. وعندما استقالَ مشرفه، آلت الترقيةُ إلى شخصٍ آخر أقلَّ منه خبرة. وكان التبريرُ بسيطًا؛ إذ قال له مديروه: «نعلمُ أنك الشخصُ الأكثرُ كفاءةً، ولكن هذا الموظفَ الآخر يحملُ شهادةَ البكالوريوس». وبدلًا من الدخولِ في جدال، قَدّمَ العوّاد استقالتَه؛ وانتقلَ إلى دولةِ الإماراتِ العربيةِ المتحدة ليتفرغ للدراسةِ في جامعةِ عجمان؛ حيث نالَ درجةَ البكالوريوس في العلاقاتِ العامةِ في ديسمبر 2017. وقد أثمرت سنواتُه الجامعيةُ قصةً لا يزالُ يضحكُ كلّما تذكرَها اليوم؛ فبينما يسعى أغلبُ الطلابِ للتخرجِ بأعلى معدلٍ تراكميٍّ ممكن، كان للعوّاد هدفٌ مختلف.
«كنتُ أطمحُ إلى تحقيقِ معدلٍ تراكميٍّ قدرُه 3.33 بالضبط، ببساطةٍ لأنني أحببتُ هذا الرقم». حتى أنه طلبَ من بعضِ الأساتذةِ منحَهُ درجاتٍ أقلّ مما يستحقُّ لتستقيمَ الحسبةُ الرياضية. يقول: «كنتُ حرفيًّا أُصمّمُ درجاتي لأصلَ إلى 3.33». لكنه أخطأَ الهدفَ بفارقٍ ضئيل؛ إذ بلَغَ معدلُه النهائي 3.32. يضيف: «شعرتُ بخيبةِ أملٍ كبيرة لأنني أخطأتُ الهدفَ بفارقِ 0.01 فقط».
عَقِبَ تخرّجِهِ، عادَ إلى الكويتِ، وانضمَّ إلى الإدارةِ العامةِ للطيَرانِ المدني، بالتزامنِ مع مشاركتِه في تأسيسِ شركةِ بريكس ديزاين للإعلانِ والتسويق. ولفترةٍ من الزمن، وازنَ بين الدورينِ قبلَ أن يتفرّغَ كليًّا للعملِ في الطيرانِ المدني. وعلى الرغم من النمُوّ السريعِ للشركة، أدت الاختلافاتُ في وجهاتِ النظرِ مع شريكِهِ إلى انسحابِه. ويعلّقُ على ذلك قائلًا: «لستُ نادمًا على تلك التجربة؛ فإدارةُ شركتِكَ الخاصةِ تمنحُكَ دروسًا لا يمكنكَ تعلمُها إطلاقًا بصفتِكَ موظفًا».
وشكّلت الجائحةُ نقطةَ تحولٍ أخرى غيرَ متوقعة؛ فخلالَ عملِه في الطيرانِ المدني، وجدَ العوّاد نفسَه ينسقُ بين الأنظمةِ الرقمية، وإجراءاتِ المطار، ومتطلباتِ الصحةِ العامة، في وقتٍ كانت اللوائحُ تتغيرُ فيه يوميًّا تقريبًا. وأتاحَ له هذا العملُ تواصلًا مستمرًا مع شركاتِ الطيرانِ والجهاتِ الحكومية – وهو ما لَفَتَ في النهايةِ أنظارَ شركةِ طيرانِ الجزيرة؛ ليتولّى فيها حاليًا منصبَ مديرٍ أول للعلاقاتِ الحكوميةِ والمشروعات، ورئيسِ إدارةِ العوائد، ومُشرف على مسؤولياتٍ تتجاوزُ بأبعادِها حدودَ شهادةِ العلاقاتِ العامةِ التي حصلَ عليها سابِقًا.
كما أسهمَ برنامجان تدريبيان، بدعمٍ من مؤسسةِ الكويتِ للتقدمِ العلمي في صقلِ مهاراتِه القيادية. كان الأولُ برنامجَ القياداتِ ذاتِ الإمكاناتِ العالية، وهو برنامجٌ امتدَّ ثلاثةِ أشهرٍ، وجمعَ بين جلساتٍ في الكويتِ وأسبوعٍ ختاميٍّ في ولايةِ كارولاينا الشمالية. أما الثاني، فكان برنامجًا في التفاوضِ في هارفارد، وكان له أثرٌ أعمق بكثيرٍ.
يقول العوّاد: «عندما عدتُ، كان ثمة شيءٌ قد تغيّر». لم يتجسد ذلك التغييرُ في مسمى وظيفيٍّ جديدٍ أو مُؤهَّلٍ علمي، بل ظهرَ جليًّا في أسلوبِ تعاملِه مع الآخرين. وهو يجدُ صعوبةً في تحديدِ محاضرةٍ بعينِها أو تمرينٍ محددٍ كان السببَ في هذا التحول؛ إذ حدثَ التغييرُ تدريجيًّا؛ فقبلَ هارفارد، كان يميلُ إلى اتخاذِ القراراتِ بسرعة؛ أما بعدها، فصار أكثرَ صبرًا. يقول: «الآن، وقبلَ اتخاذِ أيِّ قرار، أستمعُ أولًا، أطرحُ مزيدًا من الأسئلة، وأحاولُ فهمَ وجهةِ نظرِ الطرفِ الآخر قبلَ الوصولِ إلى استنتاج».
كما غيَّرت تجربةُ هارفارد أسلوبَه في التفاوض؛ ففي السابق كان يعتقدُ أن التفاوضَ يرتكزُ أساسًا على إقناعِ الطرفِ الآخر. غير أن البرنامجَ علّمَهُ شيئًا مختلفًا: «أولًا، افهم فعلًا ما يريده الطرفُ الآخر؛ ففي بعضِ الأحيانِ يطلبُ الناسُ شيئًا معينًا، لكن حاجتَهم الفعلية تكونُ إلى شيءٍ مختلفٍ تمامًا. وإذا لم تدرك ذلك، فلن تصلَ أبدًا إلى اتفاقٍ جيد». وكذا امتدّ التغييرُ إلى أسلوبِ قيادتِه لفريقه؛ إذ يقودُ العوّاد اليومَ كفاءاتٍ ومتخصصينَ من جنسياتٍ متعددة، مثل: الهند وإثيوبيا ونيبال. وبدلًا من المقاطعة، يتركُ المجالَ للآخرين لإكمالِ أحاديثهم؛ وبدلًا من افتراضِ امتلاكِهِ الإجابةَ مسبقًا، يحرصُ على الاستماع. ويقول: «في بعضِ الأحيانِ يفاجئونني، ويرونَ زوايا وأمورًا غابت عني تمامًا».
كما يؤمنُ بأن على القادةِ مسؤوليةَ حمايةِ فرقِ عملِهم؛ إذ يقول: «إذا كان لدى الإدارةِ العليا أيُّ إشكاليةٍ، أقولُ لهم: راجعوني، وتكلموا معي، لا مع فريقي». وتلك الجرأةُ في مواجهةِ السلطةِ تمتدُّ لتشملَ رؤساءَه أنفسَهم؛ فيقول: «أفعلُ دائمًا ما أعتقدُ بصدقٍ أنه الصواب، وإن طلب أحدٌ مني فعلَ شيءٍ أرى أنه خطأ، فإنني أواجهه وأناقشُه».
أما نصيحتُه للشبابِ الكويتيينَ الذين يفكرونَ في الانضمامِ إلى برامجِ المؤسسةِ (KFAS)، فلا ترتبط بالألقابِ أو الشهادات؛ فهو يرى أن الشهادةَ هي الجزءُ الأقلُّ شأنًا. إنما العبرةُ بالتجربة، وبالأشخاصِ الذين تلتقي بهم، وبالنقاشاتِ التي تخوضُها، وبالرؤى وطرقِ التفكيرِ المختلفةِ التي تتعرفُ عليها. والدرسُ الوحيدُ الذي رافقَهُ طوالَ مسيرتِه المهنيةِ ليس الاستراتيجيةَ ولا التفاوض، بل هو «الصبر».
ويختتمُ قائلًا: «برنامجُ هارفارد علّمني ذلك؛ الآن، وقبلَ اتخاذِ القرارات، أستمعُ، وأسألُ، وأحاولُ أن أفهم. لقد جعلني ذلك قائدًا أفضل، وأكثرَ كفاءةً في التفاوض، وبكلّ صراحة، جعلني إنسانًا أفضل».