ابدأ بفهم المشكلة قبل أن تبحث عن الحل
الابتكار الحقيقي يبدأ بفهم المشكلة وصناعة الحل المناسب
قليلةٌ هي المسيرات المهنية التي تجسد اتساع نطاق العمل المصرفي الحديث، مثل مسيرة صالح المنصور؛ إذ بدأ مسيرته بتقديم الخدمات للعملاء في فرع مصرفي، ويشارك حاليًا في صياغة أداء الأعمال والتحول الرقمي والاستراتيجية في مصرف بوبيان. ومع ذلك، لا يعزو المنصور هذا الصعود إلى نقطة تحول درامية واحدة، يقول: «بصراحة، لم تكن هناك لحظة حاسمةٌ واحدةٌ بالمعنى الدقيق للكلمة»؛ إذ علّمه كل دور شغَله شيئًا مختلفًا؛ مما نقله تدريجيًّا من التعامل المباشر مع العملاء إلى التركيز على الاستراتيجية والتخطيط والقيادة التنفيذية.
بدأ المنصور مسيرته المصرفية في بنك الخليج، في العام 2007، بوصفه ممثلًا لخدمة العملاء، ثم صار كبير ممثلي خدمة العملاء ومسؤول علاقات، ثم انتقل إلى قسم التعلم والتطوير، وبعدها إلى قطاع الخدمات المصرفية للشركات الصغيرة والمتوسطة SME. وفي العام 2011، انضم إلى مصرف بوبيان مديرًا في مكتب إدارة المشروعات. ورُقِّي في مصرف بوبيان إلى مدير أول في العام 2013، ثم مدير تنفيذي في العام 2016، ومساعد مدير عام في العام 2020، ضمن إدارة أداء الأعمال والتخطيط. وبالنسبة إليه، لم تكن البداية في الفرع مجرد درجةٍ في سلم، بل شكلت الأساس لفهمه العمل المصرفي.
يقول المنصور: «أعتقد أنها كانت أفضل نقطة انطلاقٍ؛ لأنها علَّمتني الكثير، ليس عن العمل المصرفي والمنتجات والخدمات والأرقام فقط، بل أيضًا عن كيفية التعامل مع البشر». تَعلَّم أن لكل عميلٍ يدخل الفرع قصةً مختلفةً. وساعده فهم تلك القصص على إدراك أن القرارات المالية السليمة، والتفهم الإنساني ليسا أولويتين متناقضتين.
وحاليًا، تمتد مسؤولياته لتشمل الخدمات المصرفية للأفراد، وقطاع التجزئة، وقنوات العملاء، والمنتجات، والخدمات، والمبيعات، والمالية، وتجربة العملاء، والابتكار، والشراكات. يقول إن كل يومٍ يختلف عمّا قبله؛ فقد يتركز أحد الأيام حول أداء الأعمال ومؤشرات الأداء الرئيسية؛ بينما يدور يومٌ آخر حول العروض المقدمة للعملاء، أو الذكاء الاصطناعي، أو كفاءة المصرف على المدى الطويل.
ولا يكمن دوره في تقديم جميع الإجابات بمفرده، بقدر ما يكمن في جمع الأشخاص والرؤى المناسبة معًا. ويقول: «يعتقد كثيرون أحيانًا أن هذه المشروعات يقودها شخصٌ واحد، لكن الأمر ليس كذلك أبدًا». وهو يعزو النجاح إلى الفرق متعددة الوظائف ذات الكفاءة العالية، ويرى أن مسؤوليته تكمن في تذليل العقبات، وإحداث التوازن بين الأولويات العاجلة والاستثمارات التي يجب أن تواصل تحقيق المنفعة لعدة أعوامٍ في المستقبل.
كما يعزو الفضل إلى القيادات العليا؛ لمنحه مسؤولياتٍ كبيرةً على نحو استثنائي في بداية مسيرته المهنية. ويقول: «إن أحد الأمور الرئيسية التي أشعر بالامتنان لها – بصدقٍ – هو الثقة التي أولاني إياها قادتي». وعلى الرغم من أنه كان أحد أصغر أقرانه عمرًا، فإن فرصًا قيادية أُسنِدَت إليه فوُضِع تحت ضغطٍ كبير، لكن ذلك سرّع تطوره المهني.
وقاده هذا الانفتاح على التطوير – في النهاية – إلى مؤسستَين معترف بهما عالميًّا بدعمٍ من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، وتتضمن سيرته الذاتية مشاركته في تحدي مؤسسة (KFAS) للابتكار في جامعة كاليفورنيا في بركلي في العام 2015، تلاه برنامج التطوير التنفيذي في جامعة هارفارد، في العام 2016.
اجتذبه برنامج بركلي جزئيًّا؛ لأنه لم يكن يشبه التعليم التقليدي داخل قاعات الدراسة؛ إذ يعترف المنصور بأنه صراحةً «ليس من مشجعي» الجلوس في قاعات الدراسة وتلقي النظريات. وبدلًا من ذلك، عرَّض تحدي الابتكار المشاركين لمشكلاتٍ واقعيةٍ، وممارسين من قطاعاتٍ مختلفةٍ، وأفكار قائمةٍ على الخبرة العملية. ورسَخ في ذهنه درسٌ مفاده: قبل المسارعة نحو حلٍ مبتكر، يجب على القادة أولًا استيعاب المشكلة.
يوضح قائلًا: «كان أحد المحاور الرئيسية التي ناقشناها هو تخصيص وقتٍ أكبر لفهم المشكلة قبل محاولة حلها»؛ ففي المؤسسات سريعة الإيقاع، يسهل على الفِرَق القفز نحو الحلول مباشرةً، لا سيما حين يصير الابتكار مصطلحًا عامًا يتردد في كل النقاشات المؤسسية. علّمه برنامج بركلي التمهل وطرح سؤالين: ما الذي نحاول حلّه بالضبط؟ وهل هذه هي المشكلة الجديرة بالمعالجة؟ قد يبدو هذا التغيير بسيطًا، لكن المنصور يرى أنه غيّر طريقة تناوله النقاشات في العمل؛ إذ أدرك أن الابتكار لا يعني بالضرورة استخدام أحدث التقنيات، بل إن الحلّ الأكثر ابتكارًا يكون أحيانًا هو الأكثر عمليةً.
أما جامعة هارفارد فقدمت منهجًا مختلفًا ركز على القيادة وحلّ المشكلات وصقل الشخصية القيادية، لكن الهدف العام كان مشابهًا. ويشير المنصور إلى أن المؤسسة (KFAS) مكّنت المهنيين الكويتيين من التعلم من المؤسسات العالمية الرائدة، ونقل تلك الرؤى إلى مؤسساتهم ووطنهم. ويقول: «تؤدي المؤسسة (KFAS) دورًا حيويًّا لأنها تستثمر في العنصر البشري والمواهب». ولا تقتصر فائدة هذه الفرص على المشارك، بل تمتد آثارها إلى أفقٍ أوسع؛ فالأفكار المكتسبة من الخارج تؤثر في الفرق والمؤسسات والاقتصاد الكويتي عمومًا.
ويكتسب هذا الاستثمار في العنصر البشري أهميةً خاصةً، في الوقت الذي يواجه فيه القطاع المصرفي تقنيات الـ AI. ويتوقع المنصور أن يصير الـ AI جزءًا من كل ما تفعله المصارف تقريبًا، مثل مساعدة الموظفين على اتخاذ قرارات أفضل، وإلغاء المهام المتكررة. وعلى الرغم من ذلك، فهو يرفض فكرة إحلال الآلة بالكامل محلّ العنصر البشري. ويرى أن العمل المصرفي قائمٌ على الثقة؛ فمهما بلغت برامج المحادثة الآلية من التطور، لن تتمكن من محاكاة دفء الجلوس مع مدير العلاقات، أو مدير الفرع، أو الزميل الذي لا يفهم طلب العميل فقط، بل يستوعب أيضًا سياقه العاطفي. التكنولوجيا يمكن أن تعزز العمل المصرفي «لكن هناك جانبًا عاطفيًّا لا يمكن استبداله».
وتعكس المشروعات التي يفضلها هذا النمط من التفكير؛ إذ يجد شغفه الأكبر في المبادرات التي تحسِّن تجربة العملاء، أو تطور عروضًا جديدة، أو تُحْدِث تحولًا مستدامًا، لا تلك التي تُنَفَّذ لمجرد إنجازها شكليًّا. ومن الأمثلة على ذلك حساب توفيرٍ يتيح للعملاء السعي إلى تحقيق أهدافٍ مثل شراء السيارة الأولى، أو تغطية تكاليف زفاف ابنتهم، مع التأهل لدخول سحوبات جوائز شهرية. وعلى الرغم من بساطة الفكرة فإن التفاعل والانطباعات كانا قويين جدًّا.
لكنّ النجاح لم يكن حليف جميع المشروعات؛ إذ يستحضر المنصور قضاء ما يقرب من عام في تطوير ما كان يُفترَض أن يكون أول محفظةٍ رقميةٍ في الكويت للفئات غير المخدومة مصرفيًّا خدمةً كافيةً. وأُلغي المشروع في النهاية بعدما أدرك الفريق أنه قلل من تقدير الجهد المطلوب والاحتمالات الضئيلة في النجاح. وكان ذلك تذكيرًا بأن الفكرة الجيدة وحدها لا تكفي أبدًا، بل إن التوقيت والتواصل والواقع التجاري والتنسيق كلها عوامل تحدد ما إذا كان الابتكار سيصل إلى العميل أو لا.
ويرى المنصور أن لدى الكويت ما يؤهلها لتصير ذات دورٍ دولي رئيسي في الخدمات المالية؛ فلديها قطاعٌ مصرفي محكم التنظيم، ومعدلات تبنٍّ رقمي عاليةٌ، وشبابٌ متعلم ومتمرس تقنيًّا، ومؤسساتٌ مثل المؤسسة (KFAS) تستثمر في الكفاءات. ويقول إن ما ينقص المشهد هو وجود تعاونٍ أقوى بين البنوك والقطاع الخاص والحكومة والجامعات.
كما يمثّل الكويتيون أنفسُهم عنصرَ قوةٍ آخر؛ إذ يلاحظ فكرًا رياديًّا لدى العديد من أبرز المهنيين في البلاد؛ أشخاصًا مصممين على تجاوز الحدود، وتحويل الأفكار الواعدة إلى واقعٍ ملموس. وبوجود استثمارٍ مستمرٍ في هؤلاء الكوادر، يعتقد المنصور أن الكويت قادرةٌ على تحويل هذا الطموح إلى ريادةٍ طويلة الأجل.