في اليوم الأول من برنامج تطوير القيادة، في جامعة هارفارد، فاجأت منى الدعيج الجميع، حتى نفسها، وقالت للمدربين: «أحتاج إلى تعلم كيفية التفويض؛ أن أولي فريقي مزيدًا من الثقة بالنفس، وأمنحهم مزيدًا من الحرية، بما سيتيح لهم التعلم، وحتى تصحيح أخطائهم بأنفسهم».
بالنسبة إلى شخصٍ قضى عقدين من الزمن يترقى بثباتٍ في مصرف بوبيان، كان هذا الاعتراف شخصيًّا جدًّا؛ إذ كانت الدعيج تشغل – بالفعل – أحد أعلى المناصب التنفيذية في المؤسسة؛ لكن بدلًا من الوصول إلى هارفارد، وهي تعتقد أنها أتقنت القيادة، وصلت وهي مقتنعةٌ بأنه لايزال هناك شيءٌ جوهري تحتاج إلى تغييره. وكانت العقلية نفسها هي التي صاغت مشاركتها في برنامجين قياديين، بدعمٍ من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.
بدأت رحلة الدعيج القيادية قبل ذلك بكثير؛ فبعد تخرجها وحصولها على شهادةٍ في التمويل من جامعة الكويت، في العام 2005، انضمت إلى مصرف بوبيان في نوفمبر من العام نفسه، في وقتٍ كانت فيه هذه المؤسسة في طور التشكُّل. وعلى مدى العقدين التاليين، تنقلت بين أدوار شملت شبكة الفروع، والعمليات والرقابة، ودعم الفروع، وقنوات التجزئة، والإدارة التنفيذية، تلا ذلك تعيينها في منصب رئيس قطاع الالتزام والحوكمة للمجموعة في يناير 2021. وبدلًا من تغيير جهات العمل كل بضعة أعوام – وهي استراتيجيةٌ مهنيةٌ غالبًا ما يُنصح بها المهنيون الطموحون – بَنَت الدعيج مسيرتها المهنية من خلال التنقل الأفقي، عبر وظائف مختلفةٍ تمامًا داخل المؤسسة نفسها.
وتستذكر قائلةً: «انضممت إلى بوبيان وهو لايزال في مرحلة التأسيس، وبطريقةٍ ما، كَبرنا جميعًا بعضنا مع بعض».
أتاحت لها تلك التجربة الاطلاع على كل جوانب المصرف تقريبًا، من العمليات المباشرة مع العملاء، إلى الدعم الخلفي، والحوكمة، وصولًا إلى الرقابة التنظيمية. وتَطلَّب كل تنقلٍ تعلم تخصصٍ جديدٍ بالكامل مع البناء على الخبرة المكتسبة من المرحلة السابقة؛ لكن التحول المهني الأكبر حدث في أوائل العام 2021؛ عندما طلب منها الرئيس التنفيذي للمصرف مغادرة الجانب التشغيلي وتولي مسؤولية الالتزام والحوكمة ومكافحة غسل الأموال. وكان قبول هذا المنصب يعني خوض واحدةٍ من الوظائف التي تتطلب أعلى المستويات التقنية وأشدها خضوعًا للرقابة والتمحيص في القطاع المصرفي. تقول: «كان قرارًا صعبًا»، لكنها وافقت عليه على الفور.
والآن، بصفتها رئيس قطاع الالتزام والحوكمة للمجموعة، تشرف الدعيج على إحدى أكثر الإدارات استقلالية في المصرف. ويكفل فريقها الالتزام بالتعليمات الصادرة عن بنك الكويت المركزي، ويراقب أُطر مكافحة غسل الأموال، ويرفع التقارير مباشرةً إلى لجنة المخاطر والالتزام التابعة لمجلس الإدارة بشأن مسائل الحوكمة؛ فضلًا على كونه صلة الوصل الرسمية للمصرف مع الجهات الرقابية. ويتطلب هذا الدور الاستقلالية بقدر ما يتطلب الخبرة التقنية. وترى أن الالتزام غالبًا ما يُفهم خطأ على أنه إدارة هدفها ببساطة قول «لا»، بينما عكَسَ تعيينها فلسفةً مغايرةً؛ فعندما عرض المنصب عليها، أوضح الرئيس التنفيذي رؤيته قائلًا: «لا أريد شخصًا تقتصر خلفيته على التشريعات والرقابة ويكتفي بقول ‘لا’ لكل شيء». ولأنها أمضت أعوامًا في العمل عبر قطاعات المصرف المختلفة، غدت تفهم بالفعل طبيعة أعماله ومنتجاته وكوادره. ولم يمكّنها هذا المنظور الشامل من تفسير الضوابط الرقابية فقط، بل أتاح لها مساعدة فرق العمل على إيجاد طرقٍ عمليةٍ للالتزام بها مع الاستمرار في الابتكار. وصار هذا التوازن بين الرقابة والابتكار أكثر أهميةً لاحقًا؛ مع بدء الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الخدمات المالية.
تعتقد الدعيج أن الـ AI يتيح فرصًا هائلةً من رصد العمليات المشبوهة بكفاءة أعلى، إلى تعزيز مراقبة الالتزام وتحسين الأداء التشغيلي. وفي الوقت نفسه، يفرض الـ AI مخاطر جديدةً؛ إذ يصير الأمن السيبراني، وخصوصية البيانات، والحوكمة، والأخلاقيات جزءًا من جدول أعمال قسم الالتزام. وتقول: «علينا فهم تلك المخاطر أولًا، ثم تطوير الضوابط المناسبة لها».
وقبل وقت طويل من أن يصير الـ AI محوريًّا في العمل المصرفي، استثمرت الدعيج بكثافةٍ في تطوير ذاتها، من خلال التعليم التنفيذي؛ فبدعم من المؤسسة (KFAS)، شاركت في برنامج القيادة بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس UCLA ، في العام 2018، ثم أتمّت برنامج تطوير القيادة في جامعة هارفارد، وتخرجت في يناير 2026. ورشَّحَ المصرف ثلاثة تنفيذيين لبرنامج هارفارد، واختارتها المؤسسة للمشاركة. وعلى الرغم من أن عدم الاستقرار الإقليمي حال دون عودتها إلى الحرم الجامعي في وقتٍ لاحق من ذلك العام، كما كان مُخطَّطًا له، إلا أنها تعتزم مواصلة تعزيز علاقتها بجامعة هارفارد وشبكة خريجيها متى سمحت الظروف.
وتقول: «منحوني الثقة، والاطلاع الواسع، والعلاقات».
ولاتزال تلك العلاقات قائمةً وفاعلةً حتى الآن؛ فحتى بعد إتمام البرامج، لاتزال على تواصلٍ مع المشاركين الآخرين، من مختلف المؤسسات والقطاعات. وتوضح أن الشبكة التي بنوها تواصل رفدها بأفكارٍ جديدةٍ ورؤى مختلفةٍ تتجاوز حدود القطاع المصرفي.
قبل هارفارد، تقول الدعيج إنها كانت تصل إلى المكتب كل صباح، وتنغمس على الفور في العمل. أما بعد هارفارد، فقد تغير روتينها تمامًا؛ إذ تغلق باب مكتبها عدة دقائق في بداية كل يوم، وتنظم أفكارها، وتدون الأولويات، وتتهيأ ذهنيًّا لليوم المقبل. ولم يقتصر هذا التغيير على العادات الشخصية، بل صارت تمنح فريقها عمدًا مسؤولياتٍ أكبر، وتشجع اتخاذ القرار المستقل، وتقاوم نزعة الكمال التي كانت تجعلها مترددةً سابقًا في التفويض. وتقول: «قد تبدو هذه تغييرات صغيرةً، لكنها غيَّرت فعلًا حياتي وطريقة عملي كل يوم». وتؤمن بأن القيادة تتطلب أيضًا وعيًا ذاتيًّا مستمرًا؛ فالأشخاص الذين يعتقدون أنهم لم يعد لديهم ما يتعلمونه غالبًا ما يقعون أسرى غرورهم؛ فكل قائد – حتى لو كان رئيسًا تنفيذيًّا – لديه جوانب تحتاج إلى تحسين. وبالنسبة إلى المرأة – بصورةٍ خاصةٍ – ترى أن القيادة تتطلب الموازنة بين المسؤوليات المهنية والحياة الأسرية؛ ومن دون هذا التوازن، ستجد العديد من القيادات الموهوبات أنفسهن في النهاية مضطراتٍ إلى اتخاذ خياراتٍ صعبةٍ.
وبالنظر إلى الوراء، عبر مسيرة عشرين عامًا في مصرف بوبيان، تقول الدعيج إن الإنجاز الأكثر مدعاةً للفخر ليس مسمى وظيفيًّا، بل هو رؤية أشخاص أرشدتهم في الماضي، وصاروا الآن هم أنفسهم قادةً.
وتقول: «عندما أرى الشخص الذي بدأ معي قبل أعوامٍ قد صار مديرًا أو قائدًا الآن، فإن ذلك يمنحني رضى أكبر بكثيرٍ من أي ترقيةٍ أخرى».
لا ريب في أن توليها منصب رئيس قطاع الالتزام والحوكمة للمجموعة يظل علامةً فارقةً في مسيرتها المهنية؛ بيد أنها حين تتأمل مفهوم النجاح، ينصرف فكرها إلى أفقٍ مغاير. وتقول: «عندما أرى الشخص الذي بدأ معي قبل أعوامٍ صار مديرًا أو قائدًا الآن، فإن ذلك يمنحني رضى أكبر بكثيرٍ من أي ترقيةٍ أخرى».