عندما اقترح الرئيس التنفيذي لقطاع الموارد البشرية في شركة الاتصالات stc على سارة الخميس أن مكانها الطبيعي قد يكون في إدارة الموارد البشرية، قابلت المقترح مستغربةً بالضحك؛ كيف لا وهي الحاصلة على درجة البكالوريوس في المحاسبة، مع تخصصٍ مساندٍ في التمويل من جامعة الكويت، والتي استهلت مسيرتها المهنية محاسبةً، ثم انضمت لاحقًا إلى شركة stc محللةً مبتدئةً لعلاقات المستثمرين؛ حيث تولت مهمة التنسيق للإفصاحات المالية، والتقارير السنوية، والتواصل مع المستثمرين. كانت المؤشرات الأكاديمية والمهنية كافة تشير في اتجاه واحد محدد، ولم تكن الموارد البشرية مدرجةً إطلاقًا ضمن خططها. وتستحضر قائلةً إنها خاطبته حينها: «لقد أمضيت حياتي المهنية كلها في عالم التمويل». وبالنظر إلى الوراء، تصف ما حدث بعد ذلك بأنه «نقطة التحول الكبرى» في مسيرتها المهنية، قائلةً: «أعتقد أن كثيرين يجدون ذلك التحول مثيرًا للاهتمام، بل وربما مفاجئًا بعض الشيء».
غير أن لهذا القرار خلفيةً بدأت معالمهما قبل أشهر من ذلك، وتحديدًا عبر «تحدي الابتكار» المدعوم من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي؛ ففي العام 2024، كانت الخميس ضمن مجموعةٍ من خمسة موظفين فقط جرى ترشيحهم من شركة stc للمشاركة في تحدي الابتكار المقام في جامعة آي إي في مدريد. جمع هذا البرنامج الممتد لثلاثة أشهر نخبةً من المهنيين من مختلف القطاعات – بما في ذلك الاتصالات، والخدمات المصرفية، والنفط والغاز – لتطوير حلولٍ مبتكرةٍ لتحدياتٍ واقعيةٍ. وتضمن البرنامج تنظيم فعالياتٍ امتدت عدة أيام شهريًّا، سافر بعدها المشاركون إلى مدريد لخوض الوحدة التدريبية النهائية.
تقول إنها كانت قبل مشاركتها في هذا التحدي واثقةً بجودة عملها ومخرجاته، بيد أن التحدي الأكبر – بالنسبة إليها – كان يكمن في الجهر بالرأي؛ إذ كانت تميل إلى الصمت حتى تشعر بأنها على استعدادٍ تامٍ، وتجد أريحيةً في الاستماع أكثر من طرح أفكارها، لا سيما مع وجود القيادات العليا. بيد أن هذا المنظور تغيَّر جذريًّا عقب عودتها من مدريد؛ إذ تقول: «وجدت نفسي أشارك بفاعلية أكبر في المناقشات داخل مكان العمل. في السابق، كنت أكتفي بالاستماع أكثر من الكلام، أما الآن فصرت أطرح أفكاري ورؤاي». ولاحظت هذا الفارق بوضوح حين تحاور كبار التنفيذيين، إذ توضّح: «توجد دائمًا هرمياتٌ تنشئها بيئات الشركات، وحين تكون في مقتبل مسيرتك، قد تتردد أحيانًا في التحدث مباشرةً مع كبار المسؤولين التنفيذيين». لكن بعد مشاركتها في البرنامج، أضحت تتحدث بثقةٍ ملحوظةٍ، حتى في حضور الرئيس التنفيذي للشركة، وتعلق على ذلك بقولها: «لقد تنامت ثقتي بنفسي بدرجةٍ هائلةٍ».
![]()
وعندما سُئِلت عن العامل الأبرز في إحداث هذا الفارق الجوهري، لم تشر فقط إلى البيئة الأكاديمية، بل سلطت الضوء أيضًا على تجربة السفر خارج الكويت بمفردها لأول مرة؛ إذ إنها لم تكن قد سافرت بمفردها قط قبل تجربة مدريد. تقول: «كنت أسافر دائمًا برفقة عائلتي». وقد أسهم السفر المستقل، والالتقاء بكوادر من شركاتٍ متنوعةٍ، والتكيف مع بيئةٍ مغايرةٍ تمامًا، في ترسيخ إيمانها بذاتها. وعلى قدر مساوٍ من الأهمية، أدى العمل مع مهنيين من قطاعاتٍ متعددةٍ إلى إعادة تشكيل منهجيتها في التعامل مع المشكلات، وتوضح قائلةً: «تدرك حينها أن كل فرد يتناول المشكلات بأسلوبٍ مختلف، وأنه لا توجد إجابةٌ واحدةٌ صحيحةٌ في حد ذاتها».
كما أعاد البرنامج صياغة تصورها عن الابتكار؛ فقبل التحاقها كان مقترنًا بالتكنولوجيا إلى حدٍّ كبيرٍ، أما الآن فتراه بمنظورٍ مغاير، إذ تقول: «السؤال الجوهري هو: هل تحل مشكلةً فعليةً؟ أحيانًا يكمن الحل في التكنولوجيا، وأحيانًا في مواضع أخرى». وخلال البرنامج، كان المشاركون يستحضرون مرارًا وتكرارًا مبدأ أساسيًّا مفاده: افهم المشكلة أولًا قبل أن تشرع في تصميم الحل. وهو الدرس الذي لا يزال يوجه مسار عملها حتى الآن.
ولم يمضِ وقتٌ طويل على عودتها إلى الكويت حتى برزت فرصةٌ أخرى غير متوقعةٍ. فمع تنامي ثقتها بالتواصل مع القيادات العليا في الشركة، أفضت إحدى المحادثات مع الرئيس التنفيذي لقطاع الموارد البشرية إلى توجيه مسارها المهني نحو أفقٍ جديدٍ تمامًا. سألها عن المجال الذي تجد فيه أكبر قدرٍ من الشغف في عملها، ليُعقِّب في النهاية بقوله: «في الواقع، أرى أن مكانك الأنسب هو في الموارد البشرية». قابلت الفكرة بالضحك في البداية، بيد أنّه أشار عليها بقضاء فترةٍ معايشة في الإدارات المختلفة للموارد البشرية قبل اتخاذ القرار. زارت فرق عمل متعددةً، وراقبت آلية سير العمل، وتحاورت مع المديرين في مختلف الأقسام، وحينها فقط أدركت مدى اتساع نطاق الموارد البشرية. تقول: «لا يقتصر المجال على الاستقطاب والتوظيف فقط، بل يمتد ليشمل تطوير القيادات، والتطوير التنظيمي، والتعلم، والتخطيط للتعاقب الوظيفي، ومجالات أخرى عديدةً». وتدريجيًّا، أدركت أن مجال تطوير المواهب يتناغم مع شخصيتها بدرجةٍ أكبر بكثير من قطاع التمويل، مشيرةً إلى ذلك بقولها: «أجد متعةً في مساعدة الأفراد على النمو والتطور، فهذا ما يمدني بالطاقة».
وتصف سارة تلك المرحلة باستعارةٍ بلاغيةٍ لاتزال ترسم البسمة على وجهها: «شعرت كأنني نحلةٌ تتنقل من زهرةٍ إلى أخرى». لم يكن التنقل بين الإدارات، والتحدث إلى مختلف الكوادر، واكتساب معارف جديدةٍ في كل محطة، يبعث على التشتت قط؛ بل كانت كل محادثةٍ تفتح أمامها أفقًا جديدًا، حتى وجدت أخيرًا المكان الذي شعرت بأنها تنتمي إليه فعلًا.
والآن، بوصفها اختصاصية تطوير المواهب في شركة stc، مازالت تستند إلى كثير من تلك الدروس؛ إذ تعتقد أن الابتكار يمتد ليشمل أيضًا الطرق التي تعتمدها المؤسسات لمساعدة كوادرها على التعلم. وتقول: «يتعلم كل موظفٍ بصورةٍ مختلفةٍ عن غيره؛ فلا يفضل الجميع التدريب الصفي التقليدي؛ إذ يميل البعض إلى ورش العمل، بينما يتعلم آخرون عبر التوجيه المباشر، في حين يحتاج فريقٌ آخر إلى الخبرة التطبيقية. إن الهدف لا يكمن في مجرد تنظيم دوراتٍ تدريبيةٍ، بل يتمثل في إحداث تطويرٍ فعلي».
وقد أضحى الذكاء الاصطناعي إحدى الأدوات التي تعتمد عليها في عملها؛ إذ تستعين به في العصف الذهني، وتنظيم المعلومات، وبناء الأفكار، غير أنها لا تعتقد أن الـ AI قادرٌ على استبدال الجوهر الفعلي للموارد البشرية، فتؤكد: «تتمحور الموارد البشرية في جوهرها حول الإنسان». وترى أن مهارات التواصل، والتعاطف، والإنصات، وبناء الثقة، هي المهارات التي ستظل محتفظةً بأهميتها وتأثيرها.
عندما تستذكر الخميس مسيرتها تصرّح بأن الإنجاز الذي يبعث فيها الفخر ليس الترقية الوظيفية، بل التحلي بالشجاعة الكافية لتغيير مسارها المهني. وتقول: «أعتقد أن كثيرين يظلّون في مساراتٍ مهنيةٍ لا تناسبهم فعلًا خوفًا من التغيير. وبالنسبة إليَّ تَطلَّب اتخاذ هذا التحول شجاعةً كبيرةً». والآن، تدرك سارة صواب قرارها، فتقول: «إن مساعدة الأفراد على النمو تمنحني رضى يفوق بكثير التعامل مع الأرقام فقط».
وتعكس نصيحتُها للشباب الكويتيين المقبلين على برامج المؤسسة (KFAS) تجربتَها الذاتية: لا تنتظر حتى تعتقد أنك مستعدٌ تمامًا. وتقول: «هذه البرامج هي بالضبط التي تساعدك على النمو؛ فهي تطلعك على أنماط تفكير متنوعة، وتعرّفك على شخصياتٍ من خلفيات متعددة، وتضعك أمام تحدياتٍ كبرى». وعن السؤال المتعلق بما اكتسبته وحملته معها في المحصلة من تجربة مدريد، أتت إجابتها من دون تردد: «الجهر بالرأي، ومشاركة الأفكار، والإيمان بأن لرأيي قيمةً». إن الثقة التي اكتسبتها هناك قد شكلت مسارها المهني فيما بعد.