Taqaddum

الذكاء الاصطناعي أداة .. والإنسان هو صاحب القرار

من التمويل إلى الابتكار .. التكنولوجيا أداة لحل المشكلات

بالنسبة إلى عبدالعزيز شمس الدين، يأتي الجواب من دون تردد؛ إذ يقول: «مسؤوليتي هي التكيف مع الأدوات الجديدة. خذ الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال؛ لقد استغرق مني الأمر وقتًا للتكيف، ومازلت أتعلم، لكني لا أراه سوى أداةٍ لحل المشكلات». ولا تقف هذه الفلسفة عند حدود حياته المهنية؛ فلدى والدته مشروعٌ لأزياء العرائس، وتصمم فساتين الزفاف للعميلات في جميع أنحاء الكويت. وبدلًا من النظر إلى الـ AI على أنه كابوسٌ مرعبٌ للبشرية، جعلته جزءًا من عملها التجاري، واستخدمته بطرقٍ عديدةٍ: لتعزيز التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي، وتقوية حضورها عبر الإنترنت، وتحسين استراتيجيتها التسويقية. ويضيف شمس الدين: «في نهاية المطاف، الـ AI ليس سوى أداة، ويبقى الإنسان هو صاحب القرار».

إنها فكرةٌ شكلت مسيرته المهنية بالقدر نفسه من العمق؛ فبعد تخرجه ونيله درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، من جامعة ولاية مونتانا، بدأ شمس الدين حياته المهنية في قطاعي الطاقة والمالية؛ عمل في البداية في تجارة النفط، ومحلِّلًا لمخاطر السوق، ثم صار محلِّلًا ماليًّا في شركة صناعات الغانم. ويشغل حاليًا منصب مدير أول لإدارة الابتكار وبناء المشروعات المؤسسية في مجموعة stc، وشغل قبل هذا المنصب رئيس تجربة المستخدم في stc في الكويت، إلى جانب وظائف في مجال تصميم تجربة المستخدم في الكويت وبرشلونة. لكن نقطة التحول في مسيرته لم تكن ترقيةً أو جهة عملٍ جديدةً، بل كانت برنامجًا مدعومًا من مؤسسة الكويت للتقدم.

شارك شمس الدين في ثلاثة برامج تنفيذية مدعومةٍ من المؤسسة KFAS، لكنه يشير إلى البرنامج الأول، باعتباره التجربة التي غيَّرت مسار حياته المهنية بالكامل؛ إذ عرَّفه برنامج العقلية الرقمية في جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا على الـ AI، والبيانات الضخمة، والعملات المشفرة، والأساليب التي كانت تُستخدَم فيها التكنولوجيا الناشئة بالفعل لحل مشكلات في العالم الواقعي؛ في ذلك الوقت، كان يعمل في المجال المالي. يقول: «فتح ذلك البرنامج بصيرتي تمامًا. وجدْتُ كل شيء مُلهِمًا، لدرجة أنني أردت أن أصير جزءًا من هذا التحول التكنولوجي». وعندما عاد إلى الوطن، كان قد اتخذ قرار تغيير مساره المهني بالفعل. وعزمًا منه على اكتساب المهارات التي يحتاج إليها، سافر لاحقًا إلى برشلونة، على نفقته الخاصة، لدراسة تصميم تجربة المستخدم. أشعلت المؤسسة (KFAS) الشرارة الأولى، بينما كانت الخطوة التالية استثمارًا ذاتيًّا منه.

بعد إتمامه التدريب في مجال تصميم تجربة المستخدم، انضم إلى شركة الاتصالات stc في الكويت؛ حيث تولى لاحقًا قيادة تجربة المستخدم في الشركة، وانتقل بعدها إلى مجالَي الابتكار وبناء المشروعات. وفي وقتٍ لاحق، أسهم برنامجٌ آخر مدعوم من المؤسسة (KFAS) في تشكيل جانبٍ مختلف؛ لم يكن يتعلق بطبيعة ما يعمل عليه، بل بأسلوب تناوله الأفكار الجديدة. خلال تمثيله شركة stc في الكويت في تحدي الابتكار للمؤسسة (KFAS) في جامعة آي إي IE في مدريد، حضر عرضًا تقديميًّا لأستاذ دكتور زائرٍ عن كيفية تقييم جدوى الأفكار قبل الاستثمار بكثافة فيها. وكان المثال المضروب يتعلق بخدمة حجز ملاعب البادل في إسبانيا؛ فقبل بناء برمجياتٍ معقدةٍ، استخدم المؤسسون – ببساطةٍ – عدة هواتف محمولةٍ لحجز الملاعب يدويًّا، مثبتين وجود طلبٍ فعلي قبل البدء في كتابة شفرة التطبيق نفسه. يُعرَف هذا النهج باسم التشغيل التمهيدي، أي اختبار الفكرة بأقل الموارد الممكنة قبل ضخ استثمارات كبيرةٍ فيها. يقول: «مازلت أطبق ما تعلمته في جامعة آي إي IE في عملي حتى الآن».

يطبق شمس الدين الآن المبدأ ذاته بوصفه جزءًا من فريق بناء المشروعات في stc؛ ويكمن أحد أول الأسئلة التي يطرحها عن مدى إمكان تقييم جدوى فكرة شركةٍ ناشئةٍ قبل تخصيص موارد كبيرةٍ لها. وعلى الرغم من أنه يقضي أيامه في التفكير في التكنولوجيا، إلا أنه يحرص على عدم الخلط بين التكنولوجيا والهدف منها؛ فهو يعتقد أن الـ AI سيحلّ محل عددٍ من الوظائف أكبر بكثيرٍ مما يتوقعه كثيرون، بما في ذلك الأعمال الإدارية الروتينية، والعروض التقديمية، وجداول البيانات، وحتى بعض الأدوار التي تتطلب المواجهة المباشرة مع العملاء. وعلى الرغم من عمله في طليعة مجالات الابتكار، فإنه يعترف – بصراحةٍ – بأن تسارع التغير التكنولوجي قد يكون مخيفًا. يقول: «نعم، أنا أخشاه بالتأكيد». لكن الخوف ليس مسوغًا للتوقف عن التكيف: «لن يحلّ الـ AI محلك إلّا إذا أفسحت له في المجال». وهو يشجع الناس على تجربة الـ AI يوميًّا، والتعرف على ما يمكنه فعله، والتعامل معه كأداةٍ لا عدوا. ويضيف: «الـ AI لا يَعضّ، استخدموه كل يوم». وفي الوقت نفسه، يرى أن هناك اتجاهًا آخر سيلوح في الأفق: ستزداد قيمة التواصل البشري الفعلي أكثر فأكثر.

ولشرح السبب، يدعو القراء إلى تخيل مقهيين؛ في أحدهما، تُعِدّ الروبوتات كل مشروبٍ بأقل تكلفةٍ ممكنةٍ. وفي الآخر يتذكر القَهْوِيّ الماهر العملاء، ويبتسم، ويدردش لبضع دقائق، ويخلق تجربةً تتجاوز مجرد فنجان القهوة. يقول: «أعتقد جازمًا أن الناس سينفقون مبالغ إضافية لقاء التفاعل البشري». وهذا التقدير للأثر البشري الملموس يفسر أيضًا سبب تركه المجال المالي في نهاية المطاف. يقول: «في المجال المالي، لم أكن أتمكن في كثير من الأحيان من رؤية الأثر المباشر لعملي». أما التكنولوجيا فكانت مختلفةً تمامًا؛ فبعد تصميمه أجزاءً من التجربة الرقمية لشركة stc في الكويت، صار ممكنًا أن يسير في المجمعات التجارية أو المطار، أو في أي مكان تقريبًا في الكويت، ويرى الناس يستخدمون شيئًا أسهم في تصميمه. يقول: «هذا الشعور يبعث على الرضا بصورةٍ لا توصف»؛ فبدلًا من النظر إلى الأرقام في جداول البيانات، يمكنه رؤية نتائج عمله فورًا في حياة الناس اليومية.

الآن، سواء أكان يشرف على فرق الشركات الناشئة، أو يبني مشروعات جديدة، أو يستكشف أحدث أدوات الـ AI، فإن شمس الدين مازال يصف نفسه بالطريقة ذاتها تمامًا: حَلَّال مشكلات.

وعندما سئل عن القيمة الفعلية التي تقدمها برامج المؤسسة (KFAS)، قال:«القيمة الفعلية للبرنامج هي أنه يجمع أفرادًا من مؤسساتٍ وخلفياتٍ ومهن مختلفةٍ، ويمنحهم الفرصة للعمل نحو هدفٍ مشترك. وخلال هذه المسيرة، يبني المشاركون علاقاتٍ غالبًا ما تستمر فترةً طويلة بعد انتهاء البرنامج؛ بعضها يتحول إلى صلاتٍ مهنية، وأُخرى إلى صداقاتٍ وطيدةٍ».

بالنسبة إلى عبدالعزيز شمس الدين، قدمت له المؤسسة (KFAS) ما هو أكثر بكثيرٍ من مجرد تعريفه بالتكنولوجيا الناشئة في هونغ كونغ، أو تعليمه كيفية اختبار الأفكار قبل بنائها في مدريد؛ منحته الثقة بترك المجال المالي والانتقال إلى التكنولوجيا، وأعطته الأدوات العملية لتحويل الأفكار إلى مشروعات، وبنت له علاقاتٍ شكّلت حياته المهنية والشخصية على حد سواء. وبالنسبة إلى شخصٍ يريد – ببساطةٍ – الاستمرار في حلّ المشكلات، بغض النظر عما يحمله المستقبل، قد يكون هذا هو الدرس الأعلى قيمةً على الإطلاق.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى