Taqaddum

قوة الربط بين النقاط

الشغف المعرفي والابتكار والتعلم المستمر مدى الحياة

يرى فارس علي أن الحياة تفقد كثيرًا من جاذبيتها إذا ما سارت في خطٍ مستقيم. ولتوضيح هذه الفكرة – وتفسير مساره المهني – لا يلجأ إلى الاستعارات التقليدية لكليات إدارة الأعمال، بل يستحضر القواقع البحرية، ونبات البروكلي الرومي، والأغصان المتشعبة للأشجار، وتعرجات البرق، والمجرات؛ فكل هذه الكائنات والظواهر، على حد قوله، تنمو وتتحرك وفق أنماط تتسع وتتمدد بدلًا من أن تتخذ مسارًا خطيًّا؛ فلماذا سيختلف المسار المهني عن ذلك؟

يقول فارس: «إنني أنظر إلى مسارات الحياة المهنية بالمنظور ذاته الذي أنظر به إلى الظواهر الكونية». وتدعم سيرته الذاتية هذه الرؤية بدرجةٍ كبيرةٍ من الإقناع؛ فبعد حصوله على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال الدولية من جامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا، في العام 2012، عمل في الصندوق الكويتي للتنمية؛ حيث شملت مسؤولياته تسهيل الدفعات المالية لمشروعات البنية التحتية، ودعم التمويل الإنساني بالتعاون مع المنظمات الدولية. وفي الفترة ذاتها تقريبًا، شارك في تأسيس إكسبيريمنتال إيتاري الذي يصفه بأنه أول مثالٍ على المطاعم المؤقتة في الكويت. وعمل لاحقًا مديرًا للعمليات في مؤسسة نقاط Nuqat غير الربحية، ثم مديرًا لتطوير الأعمال في شركة دانة الكويت للزيوت، والتحق أخيرًا، في العام 2023، بمجموعة التمدين. والآن تشير سيرته الذاتية إلى شغله منصب مدير تطوير الاعمال في التمدين لإدارة المولات، التابعة للشركة.

بيد أن التنقلات الظاهرة بين القطاعات المختلفة تبدو بالنسبة إلى فارس أكثر منطقيةً لمن يخوضها من الداخل، مما قد تظهر عليه على الورق؛ إذ علَّمَه التنقل بين أنماط مختلفة من المؤسسات كيفية التواصل مع المتخصصين الذين لا يتحدثون بالضرورة اللغة المهنية ذاتها؛ فالمهندس يتناول المشكلة بأسلوبٍ معين، والتنفيذي المالي بأسلوبٍ آخر، في حين تأتي قطاعات التسويق، وتكنولوجيا المعلومات، والتصميم بـمصطلحاتها وأولوياتها الخاصة. ويرى فارس أن جزءًا جوهريًّا من عمله يكمن في استيعاب ما يكفي من كل عالَمٍ من هذه العوالم للربط بينها. ويضيف قائلًا: «أستطيع القول إن جزءًا محوريًّا من مسؤولياتي لا يراه معظم الناس، ألا وهو أداء دور ‘حلقة الوصل’ خلف الكواليس». ويتضمن عمله الحالي في التمدين التنسيق بين مختلف الشركات والإدارات والقطاعات، مع تحول الأفكار إلى مشروعاتٍ ملموسةٍ.

وهذا الاتساع في الأفق مقصود؛ إذ يصف فارس نفسه بأنه «متعلم نشط مدى الحياة»، مشيرًا إلى أنه قرأ أكثر من 800 كتاب، فضلًا على المحاضرات والمواد التعليمية الأخرى. وتتنوع اهتماماته المدرجة في سيرته الذاتية بين علم النفس السلوكي وعلم الأعصاب، والذكاء الاصطناعي، والدراسات المستقبلية، وعلم البيئة، والعملات المُشفَّرة؛ حتى أنه يستمع إلى الكتب الصوتية في النادي الرياضي «بين الجولات الرياضية ومقاطع الموسيقى الإلكترونية»؛ فالهدف بالنسبة إليه ليس جمع معلوماتٍ مبعثرةٍ، بل القدرة على دخول القاعة التي تضم معماريين، ومسوقين، ومهندسين… وغيرهم من المتخصصين، واستيعاب ما يسعى كل منهم إلى تحقيقه، ورؤية نقاط التلاقي بين اهتماماتهم.

فارس عليكما دفعه شغفه المستمر بالتعلم إلى المشاركة مرارًا في البرامج التي تدعمها مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، ويذكر فارس أنه شارك منذ العام 2023 في ستة برامج: برنامج خاص في كلية هارفارد كنيدي حول قيادة التغيير وصنع القرار والتفاوض واستراتيجيات القيادة. وبرنامج التمكن من مفاهيم الإنصاف في القيادة من جامعة كاليفورنيا في بيركلي. وبرنامج الذكاء الاصطناعي والقيادة للتنفيذيين من كلية المدرسة العليا للتجارة – باريس في الكويت. واستراتيجيات التسويق المدعومة بالذكاء الاصطناعي في كلية كولومبيا للأعمال في نيويورك. وبرنامج القيادة الرقمية في كلية الأعمال في جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا. وأخيرًا برنامج القيادة في عالم تحركه التكنولوجيا في كلية الأعمال بجامعة إمبريال كوليدج في لندن. وهو يتابع بانتظامٍ فرص التعليم التنفيذي التي توفرها المؤسسة؛ بحثًا عن البرامج التي يمكنها توسيع آفاقه أو تعزيز مجالاتٍ يرغب في تطويرها.

ولم يكن الأثر الأكثر رسوخًا لديه مجرد شهادةٍ معينةٍ أو محاضرةٍ محدَّدةٍ، بل ما يحدث حين يجلس أفرادٌ من خلفياتٍ متنوعةٍ حول طاولةٍ واحدةٍ؛ إذ قدَّر فارس تقديرًا خاصًّا النقاشات الجماعية التي أعقبت المادة الأكاديمية؛ حيث كان على المشاركين الاستفادة من تجاربهم المختلفة لحل مشكلةٍ معًا. ويصف النتيجة بأسلوبه البلاغي الخاص بأنها الوصول إلى «عقل خلية نحلٍ جماعي». وبالنسبة إلى شخصٍ يتطلب عمله اليومي، بالفعل، الربط بين لغاتٍ مهنيةٍ متعددةٍ، يبدو الشغف بهذا الأمر جليًّا؛ فهو يخشى أن ينكفئ المتخصصون الغارقون في التخصص الدقيق داخل صوامع مغلقةٍ في إداراتهم، بينما جذبته برامج المؤسسة KFAS مرارًا في الاتجاه المعاكس، واضعةً إياه على تواصلٍ مع مهنيين ربما ما كان ليلتقي بهم لولاها.

وظهرت ثمار هذه الشبكة في أماكنَ غير متوقعةٍ في بعض الأحيان؛ ففي هذا الصيف، وفي أثناء قضائه إجازته في ماربيا، التقى فارس مصادفةً بمشاركٍ سعودي كان قد تعرَّف عليه خلال برنامج إمبريال كوليدج في لندن. وبالنسبة إليه، جسَّد هذا اللقاء العابر أمرًا أكبر يتعلق بطبيعة العلاقات التي تنشئها المؤسسة KFAS، إذ يقول: «إن المؤسسة KFAS تشبه الجبل الجليدي؛ فشبكتها الأكاديمية والمهنية تمتد أعمق بكثيرٍ مما يظهر على السطح»؛ إذ التقى بنظراء له من خلال برامجها الدولية، وتلك المقامة في الكويت، ويتطلع إلى رؤية مزيد من برامج التطوير المهني التي تربط بين المشاركين في مختلف أنحاء دول الخليج.

والتكنولوجيا سببٌ آخر يجعل فارس يؤمن بأن هذا النوع من التفكير العابر للتخصصات يزداد أهميةً يومًا بعد يوم. وكان يتابع التطورات في مجال الأتمتة خلال طفرة التكنولوجيا المالية قبل أكثر من عقد من الزمن، كما دفعه التطور السريع للذكاء الاصطناعي إلى التقدم لبرنامج إمبريال كوليدج. وعلى الرغم من انبهاره بأدوات الـ AI، فإنه يلتزم جانب الحذر من الادعاءات الفضفاضة بشأن ما يمكن لهذه التكنولوجيا تحقيقه. وفي معرض حديثه، يضرب مثلًا بشخصٍ يدخل إلى شركةٍ واعدًا بـ «تطبيق الـ AI»؛ فتكون ردة فعله هي طرح أسئلةٍ محددةٍ: ما نوع هذا الـ AI؟ وما الذي يُباع بالضبط؟ وما المشكلة التي يحاول حلها؟ وهل هذه التكنولوجيا متطورةٌ فعلًا أم أن الأمر مجرد تغليفٍ بعباراتٍ طنانةٍ ومكلفة لمفهومٍ متاحٍ بسهولةٍ في أماكن أخرى؟ ويشدد فارس على أن التحديد والوضوح أمران بالغا الأهمية.

كما أنه يحذّر – بالقدر نفسه – من الإفراط في الاعتماد على التكنولوجيا إلى حدٍّ يفقد فيه البشر مهاراتهم الذاتية. ويرى فارس أن الاعتماد المفرط على الـ AI قد يضعف مهارات التواصل والعادات الذهنية، داعيًا إلى مستقبلٍ هجينٍ يتطور فيه التقدير البشري جنبًا إلى جنب مع الآلات ذات القدرات المتزايدة. وتأتي استعارته هذه المرة من الميثولوجيا الإغريقية: مخلوق القنطور، غير أن المخلوق الذي يتخيله هذه المرة هو «نصف إنسان والنصف الآخر ذكاءٌ اصطناعي». في القطاع العقاري، يتوقع أن يغدو هذا المزيج أكثر تجسيدًا وواقعيةً مع إتاحة تقنيات الـ AI وإنترنت الأشياء – وهو شبكاتٌ من المستشعرات والأجهزة المتصلة التي تجمع البيانات وتتبادلها. ويشبه هذه إمكان مراقبة العلامات الحيوية، والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI، وتخطيط الدماغ الكهربائي EEG لهيكل المبنى في الوقت نفسه عبر لوحٍ إلكتروني.

وتنعكس هذه الحدسية ذاتها – المتمثلة في الربط بين أمورٍ تبدو في الظاهر غير مرتبطة – على رؤية فارس للكويت؛ إذ يرى إمكاناتٍ واعدةً بصورةٍ خاصةٍ في قطاعات الأغذية والمشروبات، واللياقة البدنية والرفاهية، والرعاية الصحية؛ وهي قطاعاتٌ يعتقد أنها يمكن أن يعزز بعضها بعضًا، بوصفها أجزاء من اقتصاد الترفيه الأوسع نطاقًا. ويضعه مجال عمله الحالي بالفعل في قلب هذا التقارب؛ فبالنسبة إلى فارس، لم يعد المول التجاري الحديث في الخليج مجرد مجموعةٍ من المتاجر فقط؛ بل أسهمت العوامل المناخية وتغير عادات المستهلكين في تحويل هذه المشروعات إلى بيئاتٍ متعددة الاستخدامات، يستطيع الناس فيها تناول الطعام، وممارسة الرياضة، والعمل، والالتقاء، والحصول على خدماتٍ أخرى؛ فيوضِّح مثلًا أنه يمكن للمرء في مول الخيران (أحد مشاريع مجموعة التمدين) أن يصل بزورقٍ سريع إلى المرسى، ثم يسير إلى الداخل للحصول على خدماتٍ حكوميةٍ يوفرها مركز خدمة المواطن هناك.

ولعل من المناسب جدًّا لرجل ذي مسار مهني متنوع ومتعدد المصادر أن يقضي حياته العملية في الربط بين مكوناتٍ مختلفةٍ لوجهاتٍ كبرى متعددة الاستخدامات. ولا يدعي فارس أنه يعرف بدقةٍ إلى أين سيقوده مساره في المحطة القادمة؛ فهو لايزال، على حد تعبيره، في منتصف الرحلة؛ حيث يستكشف الطريق أمامه «خيارًا تلو خيار، ومشروعًا تلو مشروع».

أما نصيحته للشباب الكويتي فهي أوجز بكثير من شرحه الكسيريات، أو المجرات، أو الـ AI:

«كن مرنًا، وكن متواضعًا، وكن واعيًا، وكن مستعدًّا».

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى