الدكتورة عائشة أحمد مطيران العازمي
مدرســـو الكويت .. جاهزون للقيادة
مع بداية التصعيد الإقليمي في فبراير 2026، وما رافقه من تهديداتٍ أمنيةٍ أثّرت في مختلف مناحي الحياة بدولة الكويت اتخذت الحكومة قرارًا عاجلًا: لن يذهب الأطفال إلى المدارس حضوريًّا. وبين ليلةٍ وضحاها، تحوّل نظام التعليم بأكمله، في البلاد، إلى التعليم عن بُعد، تمامًا كما حدث قبل أعوام خلال جائحة «كوفيد-19».
لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن مفاجئًا للدكتورة عائشة أحمد العازمي، الأستاذة المشاركة في قسم الإدارة التربوية بجامعة الكويت. وقالت إن المعلمين كانوا على قدر المسؤولية، وبدأوا في تنظيم دوراتٍ تدريبيةٍ غير رسميةٍ، وابتكار طرقٍ جديدةٍ للتواصل مع طلبتهم. كانوا يرتجلون ويتألقون، كما تألقوا خلال فترة الجائحة… حين شاهدت الدكتورة العازمي المعلمين وهم يغتنمون «فرصة القيادة».
ويأتي اهتمام الدكتورة العازمي بهذا الجانب من خلفيةٍ أكاديميةٍ ومهنيةٍ ممتدة؛ فهي متخصصة في القيادة التربوية والقانون والسياسات التعليمية، وهو عملٌ نالت عنه جائزة جابر الأحمد للباحثين الشباب للعام 2025، لكنها تستند أيضًا إلى مصدرٍ معرفي مباشر: سنوات عملها في التدريس؛ فالتعليم متأصلٌ في عائلتها؛ إذ كانت والدتها مديرة مدرسة، وبعد حصولها على بكالوريوس في التربية من جامعة الكويت، درّسَت الدكتورة العازمي البيولوجيا والكيمياء في المرحلة الثانوية، لستة أعوامٍ، ثم التحقت ببرنامج الماجستير في الإدارة التربوية.
خلال دراستها شجعها أستاذها، الدكتور عبدالمحسن عايض القحطاني، على الالتحاق ببرنامج الدكتوراه في الولايات المتحدة، لتتخصص في مجالٍ كان شديد الندرة في الشرق الأوسط آنذاك: القانون التربوي. التحقت الدكتورة العازمي بجامعة فرجينيا للتكنولوجيا Virginia Tech، تحت إشراف ديفيد ألكسندر David Alexander، أحد أبرز الخبراء العالميين في هذا المجال. وقالت الدكتورة العازمي: «كانت شهادتي أول شهادة دكتوراه في الشرق الأوسط في مجال القانون التربوي».
وعند عودتها إلى الكويت، وجدت نفسها أمام منظومةٍ تعليميةٍ تمتلك إمكاناتٍ كبيرةً وفرصًا واسعةً للتطوير. وأوضحت الدكتورة العازمي أن الكويت تنفق ما بين 10 و%12 من دخلها القومي على التعليم، وهي نسبةٌ تتجاوز مثيلتها في العديد من الدول الأخرى. وعلى الرغم من ذلك، كان أداء الطلبة الكويتيين أقل من أقرانهم في دول الخليج الأخرى، في مواد مثل الرياضيات والعلوم، ويعاني كثيرون منهم صعوباتٍ في الاستيعاب القرائي، حتى في المراحل الدراسية العليا.
جُرِّبت إصلاحاتٌ عديدةٌ لكن عُدِلَ عنها. وفي الأعوام الأخيرة اتجه عددٌ متزايدٌ من أولياء الأمور الكويتيين إلى المدارس الخاصة. وأشارت الدكتورة العازمي إلى أنه قبل عشرين عامًا، لم يكن يرتاد المدارس الخاصة سوى 10% تقريبًا من الأطفال الكويتيين، بينما ارتفعت هذه النسبة بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. وأوضحت أن العامل الرئيسي هو اللغة؛ فالمدارس الخاصة تُدرِّس باللغة الإنجليزية في المقام الأول، ويرغب أولياء الأمور في أن يتخرج أبناؤهم وهم يمتلكون زمامها، قراءة وكتابة وحديثًا، بطلاقة. ولدى الدكتورة العازمي أبناءٌ في كلا النظامين التعليميين لهذا السبب تحديدًا؛ فقد عاد أبناؤها الأكبر عمرًا، والذين كانوا معها في الولايات المتحدة، إلى الكويت وهم يواجهون صعوبةً في تعلم اللغة العربية. وهم الآن يدرسون في مؤسساتٍ خاصة، بينما يدرس أبناؤها الأصغر عمرًا في المدارس الحكومية.
إلى جانب اللغة، تتميز المدارس الخاصة – أيضًا – في الموضع الذي تراه الدكتورة العازمي أحد الجوانب التي ترى إمكانية تطويرها في المدارس الحكومية الكويتية ، وهو: الاعتماد شبه الكامل على الامتحانات التي تُكافئ الحفظ والتلقين بدلًا من الفهم. ونتيجةً لذلك، وجد الخبراء أن الطلبة الذين قد يتفوقون في المرحلة الثانوية، بدرجاتٍ عاليةٍ، ربما يواجهون صعوباتٍ حين يصلون إلى الجامعة، لعدم اكتسابهم مهارات الفهم والتحليل والتفكير المستقل التي تتطلبها الدراسة العليا. في المدارس الخاصة، تُبنى درجات الطالب – بصورةٍ أكبر – على المشاريع والواجبات والعروض التقديمية، وهي أعمال تتطلب تفكيرًا عميقًا، وقدرةً على التعبير عن الذات. وقالت الدكتورة العازمي: «لا تتجاوز درجة الاختبارات 20%، أو أحيانًا 30 %، من الدرجة النهائية».
إن ثقافة الامتحانات هذه هي نتاج البنية التي درستها الدكتورة العازمي في أطروحتها الرائدة للدكتوراه؛ إذ يركز قانون التعليم الكويتي السلطة في أعلى الهرم؛ حيث تتحكم وزارة التعليم في المناهج الدراسية وتقييم المعلمين وميزانيات المدارس؛ ما يترك للمديرين هامشًا محدودًا للمناورة، وللمعلمين هامشًا أصغر. وقالت الدكتورة العازمي: «لدينا مساحةٌ ضئيلةٌ جدًّا للتحكم في نظامنا داخل المدرسة بحكم مركزية التعليم». وهي مقتنعةٌ بأن منح المعلمين مزيدًا من الصلاحيات لإدارة صفوفهم الدراسية سيعزز تعزيزًا كبيرًا المدارس الحكومية في الكويت. وقالت: «المعلمون هم الركيزة الأساسية للتعليم، وتطوير مهاراتهم القيادية سيؤثر إيجابًا في النظام التعليمي بأكمله».
والمفارقة أن الحرب الإيرانية، وخطر إطلاق الصواريخ، منحا المعلمين بعض الحريات التي تعتقد الدكتورة العازمي أنها ضروريةٌ؛ فبعد انتقالهم إلى بيئة تعليمية مختلفة أتاحت لهم مساحة أوسع للتجريب والابتكار- بدأ المعلمون الكويتيون تجربة أساليب تدريس جديدةٍ؛ أنشأ العديد منهم بيئاتٍ تعليميةً أكثر تفاعليةً. بينما اتجه آخرون إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence (اختصارًا: الذكاء AI)، أو إنتاج مقاطع الفيديو لمساعدة الطلبة على استيعاب دروس اللغة.
وتصف الدكتورة العازمي ما شاهدته في منزلها خلال التعليم عن بُعد بأنه تحولٌ لافت في طريقة تعلّم الأطفال؛ فبدلًا من الاقتصار على أوراق العمل التقليدية، أصبح الطلبة يقدّمون عروضًا رقمية، وينشئون محتوى تعليميًّا، ويتفاعلون مع الدروس بوسائل أكثر حيوية وإبداعًا. وترى أن هذه التجارب تسهم في بناء مهارات المستقبل لدى الطلبة، مثل التواصل، والعمل الجماعي، واستخدام التقنية، والتفكير الإبداعي. وقالت: «يتعلم أطفالنا الآن مهاراتٍ أكثر من ذي قبل. ما يحدث الآن، وما حدث خلال جائحة كوفيد-19 يُشير إلى أن معلمينا قادرون على أن يكونوا قادةً متميزين».
تبدي الدكتورة العازمي الآن تفاؤلًا بشأن مستقبل التعليم الحكومي في الكويت؛ فعلى مدار معظم مسيرتها المهنية، بدا النظام التعليمي غير مستقر؛ إذ تعاقب على وزارة التعليم ستة وزراء في عقدٍ واحد، وكان كل وزيرٍ جديدٍ يأتي برؤيةٍ جديدةٍ، ثم يغادر قبل أن تترسخ. وتذكرت فتراتٍ «كنا نغير فيها وزيرنا كل ستة أشهر». الآن يبدو الوضع مختلفًا؛ فللبلاد رئيسٌ جديدٌ، ومعه وزيرٌ للتعليم، وصفته الدكتورة العازمي بأنه ذو رؤيةٍ ثاقبةٍ وجادٌ، وقد وضع برنامجًا عمليًّا يتضمن تحديث المناهج الدراسية، وتطبيق التعلم القائم على الكفاءات، وتعزيز القيادة المدرسية. هذه ركائز أساسية لـ «رؤية الكويت 2035»، وهي خارطة طريق التنمية طويلة الأجل للبلاد، والتي جعلت تحسين جودة التعليم أحد أهدافها الرئيسية.
وقبل فترة وجيزة؛ دُعيت الدكتورة العازمي من قِبل وزير التربية والتعليم لمناقشة عملها وأبحاثها. وقد خرجت من هذا اللقاء بشعورٍ متزايد بأن صوتها أصبح مسموعًا، وقالت: «تم أخذ أبحاثي ومناقشتها”. وتؤكد الدكتورة العازمي أن مستقبل التعليم بدولة الكويت يرتبط بقدرة المؤسسات التعليمية على الاستثمار في المعلم وتمكينه، بوصفه المحرك الأساسي لأي عملية تطوير حقيقية. كما ترى أن هناك خطواتٍ إيجابية وقراراتٍ صائبة تُتخذ اليوم، وهو ما يمنحها دافعًا أكبر للاستمرار والعطاء، قائلةً: «سأبذل قصارى جهدي من أجل بلدي الكويت».