لا تلبث الأدوات التي يستند إليها القائد في بناء قراراته أن تتغيّر مع اتساع حجم البيانات وتسارع المتغيرات؛ فلم يعد التحدي في الوصول إلى المعلومات، بقدر ما أصبح في تحليلها، وقراءة دلالاتها، وتحويلها إلى خيارات تخدم توجهات المؤسسة وأهدافها على المدى البعيد.
من هذا المنطلق، تنظر بدرية الحساوي، المدير العام في شركة التمدين العالمية للمطاعم، إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تسهم في البناء الاستراتيجي، وتوسّع نطاق الرؤية التي يستند إليها القائد في صناعة القرار.
ولعلّ هذا الاهتمام ببناء القرار على المعرفة ينسجم مع مسيرتها المهنية نفسها، إذ لم تتوقف الحساوي عند حدود الخبرة التي اكتسبتها في كل مرحلة، بل واصلت البحث عن مجالات جديدة للتعلّم والنمو.
فبعد حصولها على درجة البكالوريوس في المحاسبة من جامعة الكويت، خاضت بدرية الحساوي تجربة ريادة الأعمال وأسست Fleur Flower Shop وFleur’s Corner Bakery، قبل أن تنتقل إلى مجال الاستشارات، لتنضم لاحقًا إلى شركة التمدين العالمية للمطاعم؛ حيث تتولى اليوم التخطيط الاستراتيجي وتنفيذ عمليات الأغذية والمشروبات ضمن المحفظة العقارية للمجموعة، وقد أسهمت في تطوير عدد من الوجهات الرائدة، من بينها فودهول ثريسيكستي وفودهول الخيران.
كان الانتقال من ريادة الأعمال إلى العمل ضمن مشاريع تطوير عقاري واسعة النطاق نقطة تحوّل في فهم الحساوي أهمية العمل ضمن إطار استراتيجي قائم على المعرفة، إذ وجدت نفسها أمام منظومة مترابطة من التخصصات والمهام، تمتد من البناء والأنظمة الهندسية إلى التأجير والتصميم والتسعير والتشغيل. فتقول: «وظّفت مهارات التخطيط وإدارة المشاريع في الإشراف على مهام ميدانية وتشغيلية. عندها فهمت الفرق بين وضع خطة وبناء استراتيجية؛ فالأخيرة تتطلب فهم الصورة الكاملة، ومعرفة أثر كل قرار في بقية عناصر العمل. وهذا ما دفعني إلى توسيع معارفي باستمرار، والبحث عن الأدوات التي تساعدني على قراءة المعطيات بصورة أعمق، واتخاذ قرارات أكثر استنادًا إلى المؤشرات العلمية».
وامتد هذا السعي إلى توسيع دائرة التعلّم خارج حدود الخبرة العملية؛ فمن خلال مؤسسة الكويت للتقدم العلمي (KFAS)، شاركت الحساوي في عدد من برامج التعليم التنفيذي التي جمعت بين القيادة والتكنولوجيا وصناعة القرار.
![]()
وفي فبراير 2025، شاركت في برنامج The Digital Leadership الذي قدّمته HKUST Business School في هونغ كونغ، وتضمّن محورًا حول AI and Data-driven Decision Making for Executives، تناول تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي، وكيفية توظيف البيانات لدعم القرارات في بيئة الأعمال.
وعن إحدى أبرز قصص النجاح التي تعتز بها، تقول بدرية: في مرحلة تصميم وإنشاء فودهول ثريسيكستي، لم ننظر إلى المساحات باعتبارها وحدات ينبغي تأجيرها فقط، بل تعاملنا معها بوصفها جزءًا من تجربة متكاملة. درسنا ما أسمّيه «فن المزيج»، بحيث يضيف كل مستأجر قيمة واضحة إلى الوجهة، ويحقق التوازن بين الجودة والتنوع، مع حضور مؤثر للعلامات الكويتية.
وتضيف: كان من المهم بالنسبة لنا – كفريق – أن ينطلق الفودهول من روح وخصوصية المجتمع الكويتي؛ حيث تشكل «الطلعات» وتناول الطعام جزءًا أساسيًا من الحياة الاجتماعية. وقد أسهم ذلك في بناء سوق شديدة التنافسية، ارتفعت فيه التوقعات من حيث الجودة والتنوع، حتى نضجت بعض المفاهيم المحلية وأصبحت تُصدَّر إلى خارج الكويت بوصفها تجارب متكاملة؛ لذلك حرصنا – في مجموعة التمدين – على أن يعكس المزيج هوية السوق الكويتي، وأن يمنح العلامات الوطنية مكانًا يليق بتفوقها.
أدركنا أن المزيج وحده لا يصنع التجربة؛ فتصميم المكان وتوزيع المساحات جزء من هندستها أيضًا. لذلك استندنا إلى البيانات لفهم سلوك الزوار وأنماط استخدامهم للمكان، ومن هنا جاءت أهمية مناطق الجلوس المشتركة بوصفها عنصرًا يعزز التفاعل ويمنح الزائر المتعة والمرونة.
أردنا لهذه المساحة التي صممناها أن تحتضن الجميع، وأن يشاركنا الناس فيها بصورة تتجاوز تجربة تناول الطعام. ومن هنا أطلقنا ثريسيكستي كامب للأطفال، وهو مخيم صيفي امتد أسابيع، وجمع بين التجارب التعليمية والتدريبية في مجالات الفن والطهي والرياضة. وظّفنا منشآت ومرافق مجموعة التمدين لتقديم مجموعة متنوعة من الورش والأنشطة؛ فمارس الأطفال لعبة كرة التنس في أكاديمية رافا نادال، وتعرّفوا إلى تجربة عرض الأفلام في سينما سينسكيب، واختبروا عملية البيع وخدمة العملاء في مطاعم الفود هول، وأطلقوا إبداعاتهم في الأعمال اليدوية في ميك ميننق. كان من الجميل أن نرى المكان يؤدي دورًا أوسع من وظيفته التجارية؛ فيجمع الأطفال، ويُمكّنهم من الاستكشاف والتعلّم.
وخلال هذه الرحلة، تنسب الحساوي جانبًا مهمًّا من تطورها المهني إلى مجموعة التمدين، التي أولتها الثقة، ووسّعت نطاق مسؤولياتها؛ بما أتاح لها خوض تجارب جديدة، وفتح أمامها آفاقًا أوسع، إلى جانب تعزيز قدراتها القيادية.
وفي حديثها عن ارتباط قيادة الفريق بالبناء الاستراتيجي، تقول الحساوي: «نعم، من المؤكد أن قيادة الفريق تبدأ من القيم الإنسانية؛ بأن تمنح الأفراد مساحة للتعلّم والتطوّر والتعبير وطرح الأسئلة، وأن تفهم – في الوقت نفسه – قدراتهم وكفاءاتهم؛ لذلك، لا أنظر إلى الفريق بمعزل عن البناء الاستراتيجي؛ فالقدرات التي نملكها اليوم، وما نعمل على تطويره منها، تحدد إلى حد كبير ما يمكن للمؤسسة أن تطمح إليه غدًا».
وتكمل: «بحكم خلفيتي في ريادة الأعمال، اعتدت أن أتولى معظم المهام بنفسي، لكنني تعلّمت أن القيادة تعني أيضًا معرفة متى أتراجع خطوة وأمنح الآخرين فرصة لتحمّل المسؤولية؛ فعندما تثق بفريقك، تمنح أفراده مساحة للنمو والتعلّم، وتساعدهم على اكتساب ثقة أكبر في اتخاذ القرار. بالنسبة إليَّ، هذا هو جوهر القيادة: أن تنمو مع فريقك، وأن تبني شيئًا قادرًا على الاستمرار والتطوّر من بعدك».