Taqaddumجائزة الكويت

الأستاذ الدكتور نور الدين غفور

حلولٌ لمشكلة المياه العذبة العالمية

عندما بدأ الأستاذ الدكتور نور الدين غفور العمل في مجال تحلية المياه، لم تكن ندرة المياه العذبة هاجسًا إلّا في مناطق محدودةٍ: دول الخليج، وأجزاء من شمال أفريقيا، وبعض المناطق القاحلة الأخرى؛ حيث كان شح المياه واقعًا معيشًا. لكن الأستاذ الدكتور غفور يقول إن شح المياه طال أماكن لم يتوقع أحدٌ أن تشهد مشكلةً من هذا النوع. يضيف: «حتى في الشمال»؛ ففي أوروبا، على سبيل المثال، تُشغِّل كل من المملكة المتحدة وهولندا محطاتٍ لتحلية المياه.

وهذه هي الأخبار السيئة: تعاني مناطق متزايدةٌ من العالم نضوبًا في المياه العذبة؛ فعلى الرغم من أن المياه تغطي نحو %70 من سطح الأرض، فإن العذبة منها لا تشكل سوى %3، ولا يتيسر الوصول إلا لنحو %1 منها.

ويسهم التغير المناخي Climate change، والنمو السكاني، وارتفاع معدلات الاستهلاك في تقليص الإمدادات المتاحة. وخلص تقريرٌ للأمم المتحدة United Nations، صادرٌ في العام 2026، إلى أن ثلاثة أرباع سكان العالم يعيشون الآن في بلدان مصنفةٍ على أنها تعاني انعدام الأمن المائي، فيما يرزح نحو أربعة مليارات شخصٍ تحت وطأة شحٍ حادٍ في المياه لمدةٍ لا تقل عن شهرٍ كل عام.

“العديد من أزمات المياه، هو سوء إدارة موارد المياه لا شحها، وقصور عملية تجميع مياه الأمطار مثلا. لا ينبغي لنا اللجوء إلى تحلية المياه إذا كانت لدينا حلول أخرى أرخص كلفة”

 

أما الخبر السار فهو أن الباحثين يواصلون اكتشاف سبلٍ جديدةٍ لإنتاج المياه العذبة. يُجري الأستاذ الدكتور غفور، وهو أستاذٌ في مركز تحلية المياه وإعادة استخدامها بجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية King Abdullah University of Science and Technology (اختصارًا: الجامعة KAUST) في المملكة العربية السعودية، منذ العام 2010، مئات التجارب كل عامٍ سعيًا وراء أساليب أفضل وأرخص وأكثر مرونةً لتحويل المياه غير الصالحة للاستخدام إلى مياه صالحة للشرب، أو للزراعة، أو للاستخدام الصناعي. وقد حاز – تقديرًا لأعماله – جائزةَ الكويت للعلوم البيئية Kuwait Prize in Environmental Sciences للعام 2025.

عادةً ما تُنتَج المياه العذبة المُحلاة من مياه البحر، أو الماء المَسُوس Brackish water. وهيمنت طريقتان على هذا المجال فترةً طويلةً؛ الأولى: هي التناضح العكسي Reverse osmosis، وفيها تُمرَّر مياه البحر عبر غشاءٍ رقيقٍ جدًّا تحت ضغطٍ عالٍ، تاركةً الملح خلفها. أما الثانية فهي: التحلية الحرارية Thermal desalination، وهنا تُسخَّن مياه البحر حتى تتبخر، ثم يُجمع البخار المتكثف Condensed ليصير مياهًا عذبةً.

ومنذ فترةً طويلةً، عانت كلتا الطريقتين سلبياتٌ كبيرةٌ، أبرزها استهلاك الطاقة؛ فالتناضح العكسي يتطلب كمياتٍ هائلةً من الكهرباء للحفاظ على الضغط اللازم لأغشيته. بينما تتطلب العمليات الحرارية مقادير كبيرةً من الحرارة. كما تُنتج كلتا الطريقتين ناتجًا ثانويًا هو الأُجاج Brine، والأُجاج محلولٌ ملحي مركزٌ يُعتقد – منذ زمن طويلٍ – أنه يُلحق الضرر بالأنظمة الإيكولوجية البحرية إذا ما أُعيد إلى البحر من دون معالجة.

لكن التطورات الحديثة، بما فيها بعض الإنجازات التي أجراها مختبر الأستاذ الدكتور غفور، قطعت شوطًا كبيرًا نحو معالجة هذه المشكلات؛ فعلى سبيل المثال، طوّر الأستاذ الدكتور غفور وفريقه أخيرًا غشاءً – عبارةً عن طبقةٍ بوليميريةٍ رقيقةٍ جدًّا – قادرًا على تحلية المياه عند درجة حرارة وضغطٍ قريبين من درجة حرارة الغرفة، باستخدام طاقةٍ حراريةٍ منخفضةٍ يمكن الحصول عليها من الحرارة المُهدَرَة، أو الألواح الشمسية، أو مصادر متجددةٍ أخرى.

قد يُتيح اختبار هذه التقنية، على نطاقٍ تجريبي، إنشاء محطات تحلية مياه أصغر حجمًا وأكثر لامركزية. ولا تقتصر فوائد هذه المحطات على توفير المياه النظيفة للمجتمعات الريفية النائية التي يصعب الوصول إليها بتقنيات التحلية التقليدية، بل إن صغر حجمها سيُخفف من وطأة تحدياتٍ أخرى أيضًا. يقول الأستاذ الدكتور غفور: «إذا كانت كمية الأجاج أقل، فستسْهُل معالجته».

وقد يتبين – في نهاية المطاف – أن الأجاج أقل خطورةً مما كان يُخشى سابقًا؛ ففي أستراليا التي أنشأت أسطولًا من محطات تحلية المياه الساحلية خلال فترة الجفاف الشديد في العقد الأول من الألفية الحالية، صار الأُجاج نقطة خلافٍ حادةً بين دعاة حماية البيئة؛ إلّا أنّ الغواصين والباحثين وجدوا أن الأسماك لا تزال موجودةً حول مصارف المحطات التي تعمل منذ فترة طويلةٍ، ولذا يشير الأستاذ الدكتور غفور إلى أن التأثيرات قد تكون أخف وطأةً مما كان يُفترَض. والآن، ينظر بعض الخبراء إلى وفرة المعادن في الأجاج بوصفها فرصةً. ويقول الأستاذ الدكتور غفور: «يحظى تعدين الأجاج باهتمامٍ كبيرٍ».

قد تبدو بعض الأساليب التي يتبعها الأستاذ الدكتور غفور غير منطقيةٍ للوهلة الأولى؛ فأحدها – على سبيل المثال – هو: الاقتصار على تحليةٍ جزئيةٍ للمياه. في المناطق القاحلة، يُوجَّه قدرٌ كبيرٌ من المياه المحلاة إلى الزراعة، لكن التحلية القياسية تجرد هذه المياه من جميع الأيونات الذائبة تقريبًا – بما في ذلك المعادن المفيدة للنباتات. يتعين على المزارعين – بعد ذلك – إضافة تلك العناصر الغذائية مرة أخرى على هيئة سماد. يطوّر فريق الأستاذ الدكتور غفور عملياتٍ يمكن ضبطها وفقًا لمتطلبات كل محصولٍ على حدة، ولا يُزَال إلّا ما لا يستطيع النبات التعامل معه – الصوديوم والكلور عادةً – ويُترَك الكالسيوم والمغنيسيوم اللذان يحتاج إليهما. يقول الأستاذ الدكتور غفور إنّ التحلية الجزئية للمياه العذبة ستجعل المياه العذبة أرخص، «لأنه كلما قلّ ما تزيله، كان ذلك أجدى».

“الأستاذ الدكتور غفور وفريقه طوّر غشاء – عبارةً عن طبقة بوليميرية رقيقة جدا – قادرًا على تحلية المياه عند درجة حرارة وضغطٍ قريبين من درجة حرارة الغرفة، باستخدام طاقة حرارية منخفضة يمكن الحصول عليها من الحرارة المُهدَرَة، أو الألواح الشمسية، أو مصادر متجددة أخرى”

 

يعكسُ اتساعُ نطاقِ عملِه خلفيتَه التقنية الواسعة؛ إذ استهلّ مسيرته المهنية مهندس ميكانيك، ثم انتقل إلى تكنولوجيا الفصل بالأغشية، خلال دراسته الماجستير والدكتوراه في جامعة مونبلييه University of Montpellier بفرنسا، ولاحقًا خَبِر تحلية المياه في مشروعٍ صناعي لمعالجة مياه الصرف الصحي من آبار النفط. يُمكّنه هذا الأساس المتين في الديناميكا الحرارية، وميكانيكا الموائع، وعلم المواد، من معالجة المشكلة من زوايا قد يغفل عنها باحثٌ أكثر تخصصًا؛ فعلى سبيل المثال، في أحد المشاريع التعاونية، طوّر فريقه نظامًا يستخلص المياه العذبة من الصقيع المتكوِّن على وحدات التبريد، فاستردّ بذلك مصدرًا مائيًّا، وحسّن – في الوقت نفسه – كفاءة الطاقة للوحدة. وفي العام 2024، منحته المملكة العربية السعودية الجنسية؛ تقديرًا لإسهاماته في مجال تحلية المياه، وهو شرفٌ لا يحظى به إلّا القليل.

وهو واثقٌ بأن التكنولوجيا قادرةٌ على ضمان تلبية احتياجات العالم من المياه العذبة حتى مع تفاقم أزمة المياه؛ لكنه نبّه إلى أنّ تحلية المياه ينبغي ألا تكون هي الخيار الأول الذي نلجأ إليه، فمرد العديد من أزمات المياه، هو سوء إدارة موارد المياه لا شحها، وقصور عملية تجميع مياه الأمطار مثلًا. وأضاف: «لا ينبغي لنا اللجوء إلى تحلية المياه إذا كانت لدينا حلولٌ أخرى أرخص كلفةً».

واستطرد الأستاذ الدكتور غفور بأن علينا أيضًا أن نتعلم كيفية إعادة استخدام المياه بصورةٍ أفضل؛ فمياه الصرف الصحي المُعالَجَة مُعالَجَةً سليمةً يمكن أن تخدم أغراضًا عديدةً في الصناعة والزراعة؛ مما سيقلّل الحاجة إلى تحلية المياه من دون استنزاف مصادر جديدة. لكن في حين أن بعض الدول تعيد استخدام ما يصل إلى 80 في المائة من مياهها، فإن دولًا أخرى كثيرةً لاتزال بعيدةً كل البعد عن ذلك.

قال الأستاذ الدكتور غفور: «كل قطرة ماء مهمةٌ».

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى