Taqaddumجائزة الكويت

الأستاذ الدكتور عبدالحميد صيّاري

التقاط الكربون جزيئًا جزيئًا

في العام الماضي، أطلق العالم نحو 40 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون CO2، وهو غازٌ يحبس الحرارة، ويَنْتُج عن حرق الفحم أو النفط أو الغاز الطبيعي، ويُعرَف – على نطاقٍ واسع بأنه العامل الرئيسي للتغيُّر المُناخي Climate change. ومنذ بداية العصر الصناعي، أطلقت البشرية أكثر من 1.5 تريليون طن من CO2 في الغلاف الجوي للأرض.

في أوتاوا بكندا، يعمل الأستاذ الدكتور عبدالحميد صيّاري على التقاط أكبر قدرٍ ممكنٍ من CO2. في مختبره بقسم الكيمياء والعلوم الجزيئية البيولوجية في جامعة أوتاوا University of Ottawa. لقد راد هذا الكيميائي التونسي الأصل أساليب التقاط الكربون على مدى أكثر من عقدين. يقول الأستاذ الدكتور صيّاري: «أضحى هذا المجال صناعةً جديدةً تمامًا؛ فهناك عشرات وعشرات الشركات التي تعمل على التقاط CO2».

منحته مؤسسة الكويت للتقدم العلمي Kuwait Foundation for the Advancement of Sciences جائزةً في العام 2025 في العلوم البيئية تقديرًا لجهوده.

بصورةٍ ما، بدأ الأستاذ الدكتور صيّاري من نقطةٍ معاكسةٍ لهذا الموضوع؛ ففي شبابه، كما يتذكر، كان «عازمًا، بنسبة %100» على دراسة الفيزياء. لكن في أول عامَيْ دراسةٍ في الجامعة – حين كان طلاب الفيزياء والكيمياء يتشاركون مقاعد الدراسة – وجد أن أساتذة الكيمياء أكثر إلهامًا، فحوَّل تخصصه. واتجه إلى المواد المسامية Porous material: وهي مواد صلبةٌ تشبه خلايا النحل مملوءةٌ بثقوب مجهريةٍ؛ مما يمنحها مساحة سطحٍ داخلي هائلةً، تجعلها مثاليةً لتسريع التفاعلات الكيميائية، وهي عمليةٌ تُعرَف بالتحفيز Catalysis. وخلال زمالة ما بعد الدكتوراه، في جامعة بيتسبرغ University of Pittsburgh، في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، استخدم الأستاذ الدكتور صيّاري هذه المواد لحثّ مخاليط الغازات على تكوين هيدروكربونات سائلة Liquid hydrocarbon «أي تركيب نفطٍ اصطناعي»، على حد تعبيره.

ثم في العام 1992، نشر فريقٌ بحثي في ​​شركة إكسون موبيل ExxonMobil دراسةً تناولت فئةً جديدةً من المواد المسامية، تتميز بترتيبٍ وتجانسٍ يفوق أي مادةٍ سابقة؛ فانخرط الأستاذ الدكتور صيّاري فورًا في هذا المجال، وقضى الأعوام التالية في تعلُّم كيفية اصطناع هذه المواد الجديدة ومعالجتها. وسرعان ما بدأ هو وزملاؤه – في هذا المجال – يتساءلون عن استخدامات هذه المواد؛ بالنسبة إلى الأستاذ الدكتور صيّاري، كان الجواب هو التقاط CO2.

في ذلك الوقت، كانت هناك بعض التقنيات القائمة لالتقاط CO2، لكنها كانت مقصورةً على تنقية الغازات القيِّمة، مثل الغاز الطبيعي الذي يخرج عادةً من الأرض مختلطًا بـ CO2. تنطوي الطريقة التقليدية على تمرير مزيج الغاز عبر محلولٍ سائلٍ غني بمواد كيميائية تُسمى الأمينات Amine، وهي مركباتٌ تتميز بتفاعلها الطبيعي مع CO2؛ مما يجعلها تعمل كورقٍ لاصقٍ جزيئي. يلتصق CO2 بالأمينات، ويُسحَب من تيار الغاز. بيد أنه لإطلاق الغاز، وإعادة استخدام المحلول، كان على المهندسين تسخين كامل حجم السائل، وهي عمليةٌ تستهلك كمياتٍ هائلةً من الطاقة. بالنسبة إلى الشركات التي تُنقي الغاز الطبيعي، أو الهيدروجين، كان هذا الإنفاق مجديًا، ويوضح الأستاذ الدكتور صيّاري: هذه الغازات قيّمةٌ بما يكفي لتغطي التكلفة. أما إذا كان الهدف هو إزالة CO2 من أجل حماية المُنَاخ، فإن تكاليف الطاقة تجعل هذه التكنولوجيا غير عملية. كما أن الأمينات السائلة تميل إلى التحلل بمرور الوقت، مُطلقةً – بدورها – غازاتٍ ضارةً.

أدرك الأستاذ الدكتور صيّاري أنّه يستطيع تحقيق النتيجة نفسها باستخدام مواد صلبة مسامية؛ فبدلًا من إذابة الأمينات في الماء، اهتدى إلى طرقٍ لتثبيتها كيميائيًّا على سطح «خلايا النحل» التي ابتكرها. وكانت النتيجة طريقةً أقل استهلاكًا للطاقة بكثير، كما قال الأستاذ الدكتور صيّاري الذي استُشهد بأبحاثه أكثر من 30 ألف مرة.

تجرى هذه العملية على ثلاث مراحل. أولًا: تمتص المادة الصلبة CO2 من أي غازٍ يمر عبرها، سواء أكان عادمًا صناعيًّا أو هواءً طلقًا. ثانيًا: تؤدي دفقةٌ من البخار في حوالي 100 درجة سيليزية بالقدر الكافي من الحرارة لإطلاق CO2 على هيئة غازٍ نقي. يمكن بعد ذلك فصل البخار وCO2ببساطةٍ عن طريق التبريد: يتكثف البخار إلى ماء، تاركًا وراءه غاز CO2 النقي، جاهزًا للتخزين تحت الأرض، أو ليحوَّل إلى منتجات أخرى. ثالثًا: تبريد المادة لبدء الدورة من جديد.

قال الأستاذ الدكتور صيّاري إن المفتاح يكمن في اختيار المادة الأساسية المناسبة: «يجب أن تتفاعل فورًا، وتُمتَص بسرعةٍ كبيرة، وتُطلَق بسرعةٍ كبيرة، وتدوم فترةً طويلةً جدًًا». وتُصنَع «خلايا النحل» التي ابتكرها لالتقاط الكربون من مواد مثل السيليكا التي تُشكل أساس الرمل والزجاج.

إن المفتاح يكمن في اختيار المادة الأساسية المناسبة: «يجب أن تتفاعل فورًا، وتُمتَص بسرعةٍ كبيرة،” وتُطلَق بسرعةٍ كبيرة، وتدوم فترةً طويلةً جدًًا». وتُصنَع «خلايا النحل» التي ابتكرها لالتقاط الكربون من “مواد مثل السيليكا التي تُشكل أساس الرمل والزجاج

أثبتت هذه الطريقة نجاحها الباهر؛ ما دفع شركاتٍ، مثل سفانتي Svante في كندا، وكلايم وركس Climeworks في سويسرا، وكاربيون Carbyon في هولندا، إضافةً إلى العديد من الشركات الأمريكية، إلى تطوير تكنولوجيا احتجاز كربونٍ بالاعتماد على مواد ماصة صلبةٍ تحتوي على الأمينات، مثل تلك التي كان الأستاذ الدكتور صيّاري من روادها. ويمكن استخدام هذه المواد في مداخن محطات توليد الطاقة ومصانع الإسمنت، وهي من أكبر مصادر انبعاث CO2. كما يمكن استخدامها أيضًا في التقاط CO2 مباشرةً من الهواء؛ حيث يُوجَد بتركيزات أقل بكثير.

لكن مدى قدرة تقنية احتجاز الكربون على إحداث تغيير ملموسٍ في مشكلة المناخ سيتوقف على عاملٍ يتجاوز الجانب العلمي، ألا وهو نطاق التطبيق؛ فكمية CO2 التي يطلقها البشر في الغلاف الجوي كل عام – تلك الـ 40 مليار طن – تقزِّم أي شيءٍ آخر ينتجه العالم. ولتوضيح ذلك، فإن أكثر المواد الكيميائية المُصنَّعة عمدًا على وجه الأرض هي حمض الكبريت، وهو مركبٌ يُستخدَم في كل شيء تقريبًا، بدءًا من صناعة الأسمدة، ووصولًا إلى معالجة المعادن وتكرير الوقود وإنتاج البطاريات، ولهذا السبب تُنتج المصانع – في جميع أنحاء العالم – مئات الملايين من الأطنان كل عام. ومع ذلك، فإن هذا الإنتاج العالمي – بأكمله – يتضاءل أمام كمية CO2 التي يضخها البشر في الغلاف الجوي. يقول الأستاذ الدكتور صيّاري عن ذلك: «كل عام نطلق كميةً من CO2 تعادل ما ننتجه من حمض الكبريت في 150 عامًا».

إن استعادة كميةٍ مُعتَبَرةٍ ستتطلب على الأرجح آلاف المنشآت حول العالم. ويضيف الأستاذ الدكتور صيّاري: «لتحقيق تأثيرٍ فعلي، يجب تطويره على نطاقٍ شديد الاتساع».

يركز حاليًا على جعل مواد التقاط CO2 التي يستخدمها أكثر متانة قدر الإمكان. الهدف هو ضمان استمرار تشغيل كل وحدةٍ لمدة عامين، مع إمكان إجراء مليون دورة التقاط، وإطلاق من دون أي تراجعٍ ملحوظٍ في الأداء. كما يستخدم مواد مماثلةً لإزالة المعادن الثقيلة من مياه الصرف الصحي والملوثات من الهواء، وهو عملٌ يمثل نحو 20 في المائة من أبحاثه.

يبدي الأستاذ الدكتور صيّاري تفاؤلًا حيال قدرة التقاط الكربون على إحداث فرقٍ ملموس، لا سيما إذا اقترن بتخفيضٍ أكبر في حرق الفحم والنفط. ويرى أن الزخم يتزايد في أوروبا وآسيا وكندا، حتى مع تباطؤ التقدم في أماكن أخرى؛ بسبب عدم اليقين السياسي. وقال: «أعتقد أننا نسير نحو تحقيق هذا الهدف».

“يركز حاليًا على جعل مواد التقاط CO2 التي يستخدمها أكثر متانة قدر الإمكان. الهدف هو ضمان استمرار تشغيل كل وحدةٍ لمدة عامين، مع إمكان إجراء مليون دورة التقاط، وإطلاق من دون أي تراجعٍ ملحوظٍ في الأداء. كما يستخدم مواد مماثلةً لإزالة المعادن الثقيلة من مياه الصرف الصحي والملوثات “من الهواء

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى