عندما كان الأستاذ الدكتور جلال شطح في الصف الأول الابتدائي، انتحت معلمةٌ قلقةٌ (كانت قد درّست جميع أشقاء الأستاذ الدكتور شطح الخمسة) بوالدته جانبًا، خلال اجتماعٍ لأولياء الأمور والمعلمين، وخشيت ألا يضاهي جلال – الأصغر – إخوته أكاديميًّا، وعلى وجه الخصوص في الرياضيات… لقد شعرت المعلمة بأن جلال لن يكون جيدًا. قال الأستاذ الدكتور شطح: «كانت والدتي مستاءةً جدًّا».
يتذكر القصة ووميض سعادةٍ في عينيه، وهو جالسٌ في مكتبه في معهد كورانت للعلوم الرياضية Courant Institute of Mathematical Sciences بجامعة نيويورك New York University. ويُعتبَر «كورانت»، على نطاقٍ واسعٍ، أنه أحد أرقى مراكز الرياضيات في العالم.
لقد عمل الأستاذ الدكتور شطح هناك أكثر من أربعة عقودٍ، بوصفه مرجعًا بارزًا في اضطراب الموجات Wave turbulence والمعادلات التفاضلية الجزئية غير الخطية Nonlinear partial differential equation، وهي صيغٌ رياضيةٌ متقدمةٌ تُستخدَم لوصف كيفية تطور الموجات والحركات المعقدة عبر المكان والزمان. ومُنِح تقديرًا لمساهماته التأسيسية في الرياضيات جائزةَ الكويت للعام 2025.
استحوذ الشغف بالرياضيات على الأستاذ الدكتور شطح بعد نحو عامين من ذلك اللقاء بين المعلمين وأولياء الأمور. في الصف الثالث، أدرك أن لهذه المادة إجابةً صحيحةً وحيدةً. أما المواد الأخرى في المدرسة فكانت تبدو له – في كثيرٍ من الأحيان – ذات طابعٍ شخصي، تحتمل التأويل، وتفتح الباب على نقاشٍ لا ينتهي. لكن الرياضيات لم تكن كذلك، قال الأستاذ الدكتور شطح: «أحب ترتيب الأشياء، ولا أحب غياب اليقين». بالنسبة إلى جلال الصغير، كانت دقة الرياضيات بمنزلة أرض صلبة.
بعد تخرجه في المدرسة الثانوية، رغب في دراسة الرياضيات، لكن عائلته دفعته نحو مجالٍ أكثر عمليةً يضمن آفاقًا وظيفيةً أكثر استقرارًا. في منتصف سبعينات القرن الماضي، خلال طفرة النفط في الشرق الأوسط، تقدم الأستاذ الدكتور شطح بطلبٍ للالتحاق بكلية الهندسة في الجامعة الأمريكية ببيروت American University of Beirut. ثم اندلعت الحرب الأهلية، فهرب؛ وَجَدَ نفسه لاجئًا في الولايات المتحدة؛ حيث درس الهندسة الكهربائية في جامعة تكساس University of Texas في أوستن. يتذكر قائلًا: «لكن الرياضيات ظلت تجذبني. لم أطق الابتعاد عنها». فأضاف تخصصًا ثانيًّا إلى دراسته. يقول: «الهندسة لإرضاء عائلتي، والرياضيات لإرضاء نفسي». ولتوفير المال، أنهى كلا التخصصين في ثلاثة أعوامٍ.
تدرّج في الرتب الأكاديمية وشغل منصب رئيس قسم الرياضيات ونائب مدير المعهد وفي العام 2019 نال كرسي الأستاذية (سيلفر) في الرياضيات، وهو أحد أرفع التكريمات الأكاديمية في جامعة نيويورك
أتاحت له منحةٌ دراسيةٌ الالتحاق بجامعة براون Brown University في بروفيدنس Providence في رود آيلاند؛ حيث نال درجة الماجستير في الرياضيات التطبيقية في العام 1981، ثم الدكتوراه في العام 1983. بعد ذلك، شغل منصب ما بعد الدكتوراه في واحد من أهم مراكز الفكر الرياضياتي في التاريخ، في معهد كورانت الذي أسسه – في مدينة نيويورك- عالم الرياضيات الألماني ريتشارد كورانت Richard Courant، وهو الصرح الذي كان يكتسي – في نظر الأستاذ الدكتور شطح – هالةً شبه أسطورية. يقول الأستاذ الدكتور شطح: «كان حلمي أن آتي إلى هنا». في أول مرةٍ عَبَرَ فيها أبواب المعهد، أعلن: «لن أغادر هذا المكان ما حييت». كان ذلك قبل 43 عامًا. خلال تلك الأعوام، تدرّج في الرتب الأكاديمية، وشغل منصب رئيس قسم الرياضيات ونائب مدير المعهد. وفي العام 2019 نال كرسي الأستاذية (سيلفر) Silver chair في الرياضيات، وهو أحد أرفع التكريمات الأكاديمية في جامعة نيويورك.
خلال دراسته الهندسة الكهربائية، صار الأستاذ الدكتور شطح على درايةٍ بالموجات الكهرومغناطيسية Electromagnetic، ومن خلالها، بتخصُّص تحليل فورييه Fourier analysis، وهو الأسلوب الرياضي المُسْتَخْدَم لتفكيك الإشارات المُعقَّدة إلى الترددات المكوِّنة لها، وقد وجد هذا المجالَ آسرًا. وعندما تحول إلى الرياضيات بوصفها حقلًا دراسيًّا، واصل دراسة الأمواج عبر مجالاتٍ مختلفةٍ، بما في ذلك فيزياء البلازما، وديناميك الموائع. وكان محور تركيزه الأساسي ينصب على فهم كيفية تفاعل الموجات، عندما لا تندمج ببساطةٍ وبصورةٍ منظمةٍ، بل تؤثر بعضها في بعض، دفعًا وجذبًا؛ فيلغي بعضها البعض، أو يعزز بعضها البعض؛ تمامًا مثلما تجعل دفعةٌ – في اللحظة المناسبة تمامًا – طفلًا على أرجوحةٍ يحلق عاليًّا؛ بينما تحركه – بصعوبة – دفعةٌ سيئة التوقيت. ويطلق علماء الرياضيات على لحظات التوقيت المثالي هذه اسم الرنين Resonance. يقول الأستاذ الدكتور شطح إن فهم كيفية نشوء هذه اللحظات، وكيفية تشكيلها الأمواج، بمرور الوقت، هو «ربما أكثر ما اشتهرتُ به في عملي». إلّا أنّ إسهاماته في نظرية الأمواج غير الخطية تتسع لنطاقٍ أكبر بكثير؛ بدءًا من المسائل المتعلقة بمتى تظل الأمواج مستقرةً، وما إذا كان يمكن حل المعادلات التي تصفها حلًّا دقيقًا، وصولًا إلى هندسة الأمواج السطحية.
استحوذت أمواج المحيط، على وجه الخصوص، على اهتمامه استحواذًا كبيرًا في الأعوام الأخيرة. بالنسبة إلى معظم الناس، يبدو المحيط فوضى عارمة، بأمواجه المتلاطمة والمتقاطعة في كل اتجاه. لكن الأستاذ الدكتور شطح يرى شيئًا مختلفًا تمامًا. يقول: «الطريف في الأمر أن كثيرين يعتقدون أنني أدرس الاضطراب والفوضوية، وأن هذا هو عدم اليقين، كلا… كلا… كلا. أنا أنظر إلى هذه الأمواج وأقول: إنها لا تتفاعل عشوائيًّا، بل تتفاعل وفقًا لقواعد حسابية».
يرتبط هذا الجانب من عمله ارتباطًا مباشرًا بأسئلةٍ ملحةٍ في علم المُناخ؛ ففي المحيط تؤدي الأمواج الداخلية Internal wave – وهي تكويناتٌ بطيئة الحركة، قد يصل طولها إلى مئات الكيلومترات، وتنتقل عبر أعماق المحيط – دورًا حاسمًا في مزج الكتل المائية. كما أنها تحمل تريليونات الواطات من الطاقة عبر مسافاتٍ شاسعةٍ؛ مما يؤثر في كيفية توزيع المحيط للحرارة حول الكوكب. لكن لا يوجد نموذجٌ مُناخي قادرٌ، حتى الآن، على رصد هذه العمليات رصدًا مباشرًا. ومن أهداف الأستاذ الدكتور شطح تفسير كيفية نشوء الأنماط الإحصائية المرصودة في المحيط من ديناميكيات الأمواج الأساسية.
كان محور تركيزه الأساسي ينصب على فهم كيفية تفاعل الموجات، عندما لا تندمج ببساطةٍ وبصورةٍ منظمةٍ بل تؤثر بعضها في بعض دفعا وجذبا فيلغي بعضها البعض أو يعزز بعضها البعض
الأستاذ الدكتور شطح مبهورٌ بقدرة الرياضيات على بناء الجسور عبر الثقافات والقرون؛ ففي مرحلةٍ ما، بحث في ما أسماه «نَسَبَه الرياضي»، وهو سلسلةٌ من المعلمين والطلبة تمتد عبر القرون لتربط عمله بعلماء الماضي البعيد. وقال: «إن قدرتي على ربط ما أفعله الآن بأشياء كانت تجري منذ خمسة آلاف عام، هذه الاستمرارية تمثل بالنسبة إليَّ شعورًا مذهلًا. أنا مرتبطٌ بالبخاري، ومرتبطٌ بابن يونس»، ذاكرًا أسماء علماء رياضيات مسلمين درسوا التوافقيات Harmonics قبل قرابة ألف عام. وما يجعل هذا التكريم ذا صدى خاص، هو أن جائزة الكويت تأتي من المنطقة التي نشأ فيها، ومن البقعة نفسها من العالم التي يتحدر منها علماء الرياضيات في نسبه العلمي. وأضاف: «بعد نحو 900 عام تقريبًا، تبدو الحلقة كأنها اكتملت وعادت إلى بدايتها، إن هذا ليحمل معنى كبيرًا جدًّا بالنسبة إليَّ».
أما بالنسبة إلى معلمة الصف الأول التي كانت قلقةً جدًّا عليه؟ فقال الأستاذ الدكتور شطح: إنها صارت من أكبر معجبيه.