لماذا يَصعُب علينا كثيرًا تغييرُ رأينا؟
قد يكون تغيير الرأي صعبًا، بل يُنظر إليه أحيانًا على أنه ضعف. لكن الأبحاث تُظهر أن الانفتاح الذهني له فوائد جمة. يعرض الكاتب ديفيد روبسون بعض الطرق البسيطة التي تشجِّع على تحمّل الانزعاج الذي يعيق المرونة الذهنية.
بقلم ديفيد روبسون
كتب الروائي ليو تولستوي Leo Tolstoy ذات مرة: «يمكن شرح أصعب الموضوعات لأبطأ الناس فهمًا إن لم تكن لديهم أي فكرة مسبقة عنها؛ لكن يستعصي توضيح أبسط الأمور لأذكى الناس إن كانوا مقتنعين تمام الاقتناع، ومن دون أدنى شك، بأنهم يفهمون المسألة المطروحة أمامهم».
حتى وقت قريب، كان يمكن أن أتفق مع هذا الرأي؛ فقد أشارت مجموعة كبيرة من الأبحاث النفسية إلى أن كثيرًا من الناس يقاومون بشدة تغيير آرائهم، وأن فرص إزالة الغشاوة عن أعينهم ضئيلة جدًّا. وكان يُعتقَد أن هذا، إلى جانب الانتشار السريع لوسائل التواصل الاجتماعي، يقف وراء الاستقطاب السياسي المتزايد خلال العقدين الماضيين.
لذا يمكنكم تخيّل مدى سعادتي عندما وقعت عيناي على ورقة بحثية جديدة تُقدِّم بعض أسباب التفاؤل؛ تقول ستيفاني دولبير Stephanie Dolbier، من جامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس، University of California, Los Angeles ، وزملاؤها إن علماء النفس اكتشفوا حقًّّا العديد من التقنيات الكفيلة بفتح أذهاننا، وإن كل ذلك يعتمد على قدرتنا على تحمُّل بعض الضيق أو الانزعاج العاطفي.
كغيرها من السمات النفسية، تتفاوت درجة الانفتاح الذهني بين الأفراد، ويمكن قياسها بتقييم مدى الموافقة على جملة من العبارات، مثل:
على الناس مراعاة الأدلة التي تُعارض الاستنتاجات التي يفضلونها.
عند مواجهة سؤال محيِّر، علينا محاولة النظر في أكثر من إجابة محتملة قبل الوصول إلى استنتاج.
ومثل أن:
– تغيير الرأي علامة ضعف.
وكما هو متوقع، يُعدُّ الأشخاص الذين يوافقون بشدة على العبارتين الأوليين، ويختلفون بشدة مع الثالثة، أكثر انفتاحًا ذهنيًّا من أولئك الذين يفضّلون التمسّك برأي واحد، من دون النظر في الخيارات الأخرى، أو تحديث آرائهم عند ظهور أدلة جديدة.
يُحقق التفكير المنفتح فوائد جمة؛ مثلا: وجد فيليب تيتلوك Philip Tetlock وزملاؤه من جامعة بنسلفانيا University of Pennsylvania أنه يُحسِّن قدرة الناس على التنبؤ بنتائج الأحداث الجيوسياسية؛ ففي مسابقة استمرت عامين، وشارك فيها أكثر من 700 متسابق، وجد تيتلوك أن المتفوّقين الذين أطلق عليهم تسمية «المتنبئين الخارقين»Superforecasters كانوا أكثر استعدادًا لتغيير آرائهم في ضوء الأدلة الجديدة مقارنة بالشخص العادي. ويمكن لهذا النوع من المرونة الذهنية أن يحمينا من المعتقدات غير المنطقية، مثل: نظريات المؤامرة التي تعتمد عادة على ميل الناس إلى التسرُّع في استخلاص النتائج حول الكيفية التي يسير وفقها العالم.
لكن لدى معظمنا، تكون ممارسة التفكير المنفتح، في أكثر الأحيان، أسهل قولًا من الفعل؛ فعلى أقل تقدير، قد نشعر بالحرج عند الاعتراف بأننا أخطأنا في حكمنا في الماضي، وهذا يجعلنا نتمسّك بآرائنا القديمة تجنُّبًا لفقدان ماء الوجه. والأسوأ من ذلك أن مواقفنا وآراءنا تكون – في أكثر الأحيان – متشابكة مع عناصر أساسية من هويتنا، مثل: الدين أو الانتماء السياسي، ضمن نسيج معقَّد؛ وفكّ أحد هذه الروابط قد يجعلنا نشعر بأن إحساسنا بالذات على وشك الانهيار، وهو ما قد يثير فينا شعورًا بالخوف.
يمكن شرح أصعب الموضوعات لأبطأ الناس فهمًًا إن لم تكن لديهم أي فكرة مسبقة عنها؛ لكن يستعصي توضيح أبسط الأمور لأذكى الناس إن كانوا مقتنعين تمام الاقتناع، ومن دون أدنى شك، بأنهم يفهمون المسألة المطروحة أمامهم
ولحماية ذواتنا، يلجأ الدماغ إلى «التفكير الموجَّه» Motivated reasoning الذي يتضمّن البحث عن مبرّرات تدعم افتراضاتنا الأساسية، حتى لو اعتمد ذلك على مغالطات منطقية أو معلومات مضلِّلة، أو دفعنا إلى الانفعال تجاه من يشكّكون في ما نقول.
لذا، يتطلّب الحفاظ على انفتاح الذهن قدرًا كبيرًا من القوة لتحمّل هذا الانزعاج النفسي، وقد يبدأ ذلك بزيادة الوعي العاطفي. وتشير دولبير وزملاؤها، مثلًا، إلى بحث نُشر في العام 2019 عن «التفكير الحكيم» Wise reasoning وجد أن الأشخاص الذين يقدّمون وصفًا أكثر دقة لمشاعرهم هم أكثر قدرة على النظر في وجهات نظر مختلفة من أولئك الذين يصنِّفون حالتهم المزاجية ببساطة على أنها «جيدة» أو «سيئة».
هذا منطقي، فإذا كنتُ أتمتَّع بوعي عاطفي عالٍ، فقد أُدرك أنني لستُ غاضبًا من شخص أراه غبيًّا؛ لأنه لا يزن الأمور كما أزنها، بل مُحبط من عجزي عن التعبير بوضوح في أثناء محاولة إيصال فكرة إليه، وخائف من الظهور أنا ذاتي بمظهر الأحمق. وقد يدفعني هذا الإدراك إلى التفكير في حجّتي بمزيد من النقد، وربما تغيير رأيي. بمعنى أن اطرح احتمال أن هذا الشخص قد لا يكون على خطأ، لكن ما يحدث هو أنني أسمح لعواطفي بأن تعيقني عن اكتشاف ذلك.
وقد يفسّر دور الوعي العاطفي سبب قدرة اليقظة الذهنية Mindfulness على مساعدة بعض الناس على التفكير بمزيد من العقلانية؛ فمن خلال الانتباه إلى حالتهم العاطفية الداخلية، يزدادون قدرة على إدراك ردود الفعل التلقائية تجاه وجهات نظر الآخرين وتجنُّب هذه الردود، وتكوين آراء أكثر توازنًا نتيجة لذلك.
وإذا لم يكن التأمل جذابًا لك، يمكن التفكير في مسألة تبادل الأدوار؛ ففي إحدى الدراسات، دُرِّب المشاركون على تبنّي موقف داخلي يواجهون فيه الأحداث المزعجة «مثل العلماء، بموضوعية وبالتحليل». وبعد هذا التدريب، صاروا أكثر انفتاحًا على بعض أكثر الموضوعات استقطابًا، مثل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. ومن اللافت أن التجارب اللاحقة وجدت أن فوائد هذا التدخل القصير استمرت مدة لا تقل عن خمسة أشهر بعد الاختبار الأول.
وبدلًا من ذلك، يمكننا وضع نقطة الخلاف في سياق أوسع لحياتنا؛ ففي خضمّ الجدل، ننسى كثيرًا أننا كائنات متعددة الأبعاد، تتعدد لدينا القيم والمواهب، ونشعر بأن تقديرنا لذواتنا يتوقف على أن نكون على حق في هذه النقطة الواحدة؛ لذا فإن تذكير أنفسنا بواحدة من تلك الصفات، وإن بإيجاز – سواء كانت ولاءنا لأصدقائنا، أو إبداعنا، أو حسّ الفكاهة لدينا – قد يقلّل من الشعور بالتهديد عند مواجهة اختلاف في الرأي. لكن يبدو أن هذا لا ينجح إلا إذا كان الشخص واعيًا مسبقًا لاحتمال تحيّزه بناء على معتقداته الحالية، ما يؤكد مجددًا أهمية الوعي الذاتي.
أخيرًا، يمكننا إعادة تأطير المشاعر الصعبة بصفتها علامة على النمو الذاتي؛ فقد أظهرت التجارب أن مجرد تذكير الناس بقدرتهم على تطوير إمكاناتهم المعرفية يشجعهم على الاستجابة على نحو بنّاء لمن يخالفونهم الرأي. ومع هذا المنظور، يمكننا النظر إلى أخطائنا على أنها فرص للتعلّم، وهو ما يجعل من السهل علينا تقبُّل احتمال وجود خطأ في مواقفنا.
وتؤكد دولبير وزملاؤها ضرورة اختبار العديد من هذه التقنيات بمزيد من الشمول في سياقات متنوعة، وقد تظهر تقنيات أخرى كثيرة خلال هذه العملية. لكن الأبحاث الحالية تقدّم – على الأقل – نقطة انطلاق، وسأحرص بالتأكيد على تطبيق بعض هذه الاستراتيجيات بنفسي في المرة القادمة التي أجد فيها آرائي موضع تساؤل أو تشكيك.
© 2026, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC