
بقلم كارميلا بادافيتش كالاغان
تواجه الفكرة المثيرة للجدل، القائلة بأن للوعي Consciousness أصلاً كموميًّا تحديًا جديدًا، بعد أن أظهر تحليل رياضي استحالة ذلك، بناء على قانون فيزيائي معروف منذ زمن طويل.
يُعدّ تحديد العملية الفيزيائية التي تجعلنا واعين، وما إذا كان يمكن رصدها وتحليلها، من أهم الأسئلة المفتوحة في العلوم الحديثة. في تسعينيات القرن الماضي، اقترح عالم الرياضيات رودجر بنروز Roger Penrose، وطبيب التخدير ستيوارت هاميروف Stuart Hameroff، أن الفيزياء الكلاسيكية لا تستطيع تفسير الوعي بمفردها، ومن ثم، لا بد من أن ينشأ الوعي في عالم الكم. قوبلت هذه الفكرة بالتشكيك وتزال مثيرة للجدل، لكن محاولات إدخال الكم في تفسير الوعي استمرت منذ ذلك الحين.
درست إميلي أدلام Emily Adlam، من جامعة تشابمان Chapman University في كاليفورنيا، وزملاؤها فكرة الفاعلية الكمومية Quantum agency البحتة، وهي شرط أساسي للوعي، ووجدوا أنها لا تستقيم في هذا السياق.
من المعروف صعوبة تعريف الوعي، لكن أدلام وفريقها وضعوا تعريفًا مبسطًا للفاعلية يستند إلى متطلبات فيزيائية واضحة. ولكي تكون ممكنة، ينبغي أن تتوافق النظريات الكمومية للوعي مع هذا التعريف، حتى إن ركزت على آليات محددة في الدماغ، كما في اقتراح بنروز وهاميروف. وركّز الباحثون – على وجه التحديد – على نموذج لعامل Agent يراقب العالم، وينشئ نموذجًا له، ثم يستخدم هذا النموذج لتقييم نتائج الأفعال أو الإجراءات المختلفة الممكنة قبل اتخاذ قرار بتنفيذ أحدها. تقول أدلام: «تتضمن العملية خطوة لاستخلاص المعلومات من البيئة التي سيستجيب لها العامل، ثم خطوات لنسخ [المعلومات]؛ بحيث يمكن النظر في الخيارات المختلفة الممكنة، وفي النهاية خطوة مقارنة تُراجَع فيها مخرجات كل نموذج لتحديد الأفضل، واستخدامه لتوجيه الأفعال».
لكن إذا كان العامل كموميًّا، ومن ثم يجب أن يتصرف وفق قوانين ميكانيكا الكم، فإن خطوة النسخ تصبح مستحيلة؛ ويعود ذلك إلى مبدأ عدم الاستنساخ Nocloning theorem الذي ينص على أنه لا يمكن نسخ الحالات الكمومية التي تصف كامل المعلومات المتعلقة بنظام ما أو تكرارها.
تقول أدلام إن العامل قد يحاول تجاوز ذلك عبر إنشاء نسخ غير كاملة من المعلومات التي يحتاج تداول إليها، لكن هذا يفتح الباب أمام مشكلات أخرى؛ مثلاً، يؤدي استخراج المعلومات الكمومية من العالم إلى تغييره، فيصير النموذج الذي يبنيه العامل للعالم نموذجًا يعكس عالمًا مختلفًا قليلاً. ومع أن مستوى معينًا من عدم الكمال موجود دائمًا في نماذجنا للعالم، فإن هذه العيوب ستتراكم.
وتعاني خطوة المقارنة أيضًا غرابةَ الكم. وتقول أدلام إن السبب هو أن العامل الكمومي البحت لا يمكنه أن يستخدم إلا معالجة المعلومات الكمومية، وهي معالجة تتيح عمليات تختلف عمّا نألفه. وتضيف: «العملية الكمومية الواقعية ستنتهي بتراكب غريب لجميع الخيارات الممكنة، مع ترجيح الخيارات الأفضل، بحيث لا يُنفَّذ الخيار الأمثل وحده، بل مزيج كمومي غريب من جميع الخيارات».
وفي عرض قدّمه كيلفن ماكوين Kelvin McQueen، عضو الفريق من جامعة تشابمان كذلك، في مؤتمر أسس الفيزياء Foundations of Physics في إرفين بكاليفورنيا، في 17 يونيو 2026، قال إن هذه النتائج تُشكّك في النظريات الكمومية للفاعلية والإرادة الحرة والوعي، كما أنها تفرض قيودًا تكنولوجية على أي عوامل قد تتمكن الحواسيب الكمومية من محاكاتها مستقبلاً. وأضاف: «هذه النتائج تساعدنا على فهم كيف يمكن للفاعلية والإدراك الشبيه بالإدراك البشري أن يظهرا في كون تحكمه ميكانيكا الكم في جوهره».
في الواقع، تجعل المشكلات التي حدّدها الباحثون في العامل الكمومي البحت من الصعب تبرير آلية كمومية أساسية لكل من الفاعلية والوعي. وترجّح أدلام أن هذه الظواهر تنشأ من آليات كلاسيكية، أو أنها على الأقل تهيمن عليها. وتقول: «قد توجد ظروف تزيد فيها الحسابات الكمومية سرعة العمليات الحسابية، لكنها تجعل عملية الفاعلية تبدو في جوهرها قائمة على النظام الكلاسيكي».
وتقول سالي شرابنيل Sally Shrapnel، من جامعة كوينزلاند University of Queensland في أستراليا: »الفيزياء الكمومية هي أفضل نظرية فيزيائية لدينا، ومن المنطقي أن نسأل: كيف تبدو الفاعلية من منظور إحدى أفضل نظرياتنا؟». وترى أن نموذج الباحثين للفاعلية يستند إلى تفسير مُحدَّد لما يُعدُّ حقيقيًّا في العالم الكمومي. وتقول إنه إذا نُظِر إلى الحالات الكمومية لا بصفتها لبناتٍ بناء مثالية للواقع، بل بصفتها كائنات تعكس معرفتنا بالعالم، فقد نحصل على نموذج كمومي للفاعلية قيوده أقل صرامة.
مثلاً، يمكن نمذجة العامل على أنه يتفاعل باستمرار مع البيئة ويتقارب على نحو تدريجي ومتواصل نحو قرار ما بدلاً من التداول بين نماذج مختلفة للعالم، وهذا يسمح بدمج معالجة المعلومات الكلاسيكية والكمومية. وتقول شرابنيل إن جميع النظريات الحالية للوعي الكمومي ليست كمومية تمامًا مثل نموذج الفاعلية في الدراسة الجديدة، ولِذلك قد لا تكون مُسْتبعدَة بالكامل بعد.
وبينما تظل دراسة الوعي المباشرة صعبة، تقول أدلام وشرابنيل إن التجارب المستقبلية باستخدام الحواسيب الكمومية قد تُلقي مزيدًا من الضوء على مزج معالجة المعلومات الكمومية والكلاسيكية، وهو ما قد يكون ذا صلة بهذا النقاش.
© 2026, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC