Taqaddum

من إدارة الأفراد إلى قيادة المستقبل

التعلُّم المستمر يحوِّل الموارد البشرية إلى شريك في نجاح الأعمال

عندما عاد عمر البسام إلى الكويت، عقب تخرجه في جامعة بورتسموث، في العام 1999، لم تكن لديه خطةٌ واضحة المعالم لبناء مسارٍ مهني في مجال الموارد البشرية؛ إذ التحق بمجموعة م. ح. الشايع، وهي إحدى كبرى مجموعات الامتياز التجاري للتجزئة في الشرق الأوسط، عبر برنامج تدريبٍ إداري في الموارد البشرية بمحض المصادفة تقريبًا، أملًا في الحصول على فرصةً أكبر لبدء حياته المهنية.

وبعد زهاء ثلاثة عقود، من اكتساب خبرة قيادية متقدمة في مجال الموارد البشرية في قطاعات التجزئة، والمصارف، والطيران، والاتصالات. يشغل حاليًا منصب رئيس قطاع الموارد البشرية والخدمات الإدارية في شركة أوريدو الكويت Ooredoo Kuwait. وحين يستذكر تلك البدايات، يرى أن تلك الخطوة الأولى غير المتوقعة كانت نقطة الانطلاق لرحلةٍ أرحب نطاقًا؛ يقول: «أدركت حينها أن الموارد البشرية لا تقتصر على السياسات والتوظيف فقط، بل تُعنى بتمكين نجاح الأعمال».

في تلك الأعوام المبكرة، انغمس البسام في أسس هذه المهنة وقواعدها، عاقدًا العزم على استيعاب كل دقيقةٍ من دقائق قانون العمل، والتوظيف، والعمليات المتعلقة بالموارد البشرية، وإدارة الأفراد. وكلما امتدت به أعوام الخبرة، ازداد منظورُه اتساعًا؛ إذ أدرك أن الموارد البشرية تتجاوز بكثيرٍ كونها مجرد وظيفةٍ مساندةٍ تعمل خلف الكواليس، بل هي – في أرقى صورها – تخصصٌ استراتيجي قادرٌ على مساعدة المؤسسات على حل تحديات الأعمال، من خلال الطاقات البشرية، بدلًا من الاقتصار على معالجة هذه التحديات بالصورة التقليدية.

وتجلّى هذا التحول في الرؤية قبل نحو تسعة أعوامٍ، حين انضم إلى الإدارة التنفيذية لفرع شركة أوريدو في الكويت برتبة رئيس قطاع الموارد البشرية والخدمات الإدارية؛ إذ أحدث جلوسه بجانب الرئيس التنفيذي وأعضاء اللجنة التنفيذية تغييرًا جوهريًّا في نظرته إلى دوره القيادي؛ يقول: «أدركت أنني لم أعد مجرد معالجٍ لمعضلات الموارد البشرية أو مشكلات الأفراد، بل صرت أسهم في حل تحديات الأعمال نفسها، عبر استثمار طاقات الأشخاص».

وكان للتعليم التنفيذي دورٌ محوري في إعداده لهذا التحول الانتقالي؛ فخلال مسيرته القيادية، أتمّ البسام سلسلةً من البرامج المدعومة من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، في نخبةٍ من أعرق كليات إدارة الأعمال عالميًّا، بما في ذلك كلية لندن للأعمال، وكلية هارفارد للأعمال، وكلية إمبريال كوليدج للأعمال. وعلى الرغم من أن المؤسسة (KFAS) سهَّلت إجراءات التقديم، فإن عملية القبول ظلت تخضع لتنافسيةٍ عاليةٍ؛ فالجامعات نفسها هي التي تتولى اختيار المشاركين بصورةٍ مباشرةٍ.

ويستحضر تلك المرحلة قائلًا: «كانت مشاركتي الأولى في برنامج كلية لندن للأعمال في العام 2010، وكان لبرنامج كلية هارفارد للأعمال، في العامين 2015 و2016، دورٌ محوري؛ إذ أُسندت إليَّ في العام 2017 قيادة قطاع الموارد البشرية والخدمات الإدارية. زودني ذلك البرنامج الذي امتد ستة أشهر بحصيلةٍ من المهارات التي هيأتني بكفاءةٍ لذلك المنصب».

ومع ارتقائه المهني، تطورت أولويات التعلم لديه؛ ففي مراحل مسيرته التنفيذية الأولى، استثمر بعنايةٍ في صقل مهاراته القيادية. وبمجرد أن ترسخت تلك الأُسس، حتى وجّه اهتمامه نحو التكنولوجيا، والتحول المؤسسي، ومستقبل العمل، إدراكًا منه أن القيادة ذاتها تتطلب ابتكارًا متجدِّدًا.

عمر البسام

يشرح ذلك: «استثمرت بكثافةٍ في الجانب القيادي، وجاء الوقت لأركز على مجالاتٍ مغايرة؛ لا بد للمرء من مواصلة التعلم؛ فالقوة العاملة تتغير، وبيئة الأعمال تتبدل، والعالم أجمع في تطورٍ مستمر. وإن لم تكن مواكبًا لهذه التغيرات، فسوف يتجاوزك الزمن».

ولم تكن تلك البرامج – بالنسبة إلى البسام – مجرد وسيلةٍ لإضافة أسماء مرموقةٍ إلى سيرته الذاتية، بل تكمن قيمتها الفعلية في اكتساب أفكارٍ وأدوات عمليةٍ قابلة للتطبيق المباشر في بلاده. وقد تركت تجربة هارفارد، بصورةٍ خاصةٍ، أثرًا عميقًا؛ ليس لما زودته به من معرفةٍ فقط، بل لكثافة التجربة وزخمها؛ إذ سافر المشاركون إلى بوسطن مرتين خلال فترة البرنامج الممتدة ستة أشهر، وقضوا أسابيع يعيشون داخل الحرم الجامعي، متفرغين لمناقشة الحالات الدراسية، والعمل على المشروعات الجماعية، وخوض المناظرات الجادة. وكان يومهم يبدأ عند السابعة صباحًا باجتماعات الإفطار، قبل بدء المحاضرات، ويستمر حتى وقتٍ متأخر من الليل؛ حيث تعكف فرق العمل على تحليل الحالات الاستثمارية والتنظيمية. ويسرد البسام خواطره قائلًا: «كان العمل متواصلًا بلا انقطاع؛ وإذا تراخى أحدٌ أو قَصَّر في واجباته، نُبِّه إلى هذا التقصير فورًا، وكان المغزى الحاضر دائمًا: لسْتَ هنا لتضييع الوقت».

غير أن قاعات الدراسة لم تكن سوى أحد الجوانب؛ فالعلاقات التي وُثِّقت مع تنفيذيين من جميع أنحاء العالم كانت على القدر نفسه من الأهمية والقيم، وهي علاقاتٌ امتدت إلى أكثر من عقدٍ من الزمان. ويضيف البسام: «تربطني صلات بشخصيات في البرازيل التقيت بهم في العام 2010، إلى جانب معارف في أنحاء أوروبا، والصين، وكوريا… وغيرها من البلدان. وظلت تلك العلاقات وطيدةً».

وقد أثبتت هذه الرؤية العالمية قيمتها الكبيرة في أوريدو التي تمتد عملياتها عبر الكويت، وقطر، وعُمان، والعراق، والجزائر، وتونس، وفلسطين، وجزر المالديف، وإندونيسيا. كما أن العمل ضمن مجموعة اتصالات متعددة الجنسيات كرّس لديه درسًا محوريًّا آخر؛ وهو أن التحول التكنولوجي لا يتوقف أبدًا؛ يوضح قائلًا: «التكنولوجيا في تطورٍ مستمرٍ؛ إذ شهدنا جيل شبكات 4G، ثم 5G، والآن 5G+، وبتنا نتحدث بالفعل عن 6G». ويرى أن التداعيات والآثار تتجاوز مجرد زيادة السرعة في تصفح الإنترنت: «تخيل أنك تجلس في سان دييغو، وبفضل شبكة الاتصالات فائقة السرعة، وتقنيات الروبوت، تتمكن من إجراء جراحةٍ دقيقةٍ لمريضٍ في الكويت».

وعلى الرغم من الوتيرة المتسارعة للابتكار، يعتقد البسام أن التحدي الأكبر يظل إنسانيًّا بالدرجة الأولى، قبل أن يكون تكنولوجيًّا؛ فالمؤسسات مطالبةٌ بتزويد كوادرها بالثقة والمهارات اللازمة لاستيعاب التكنولوجيا الحديثة وتبنيها بدلًا من التوجس منها؛ يقول: «علينا تعزيز الثقافة التكنولوجية لدى الأفراد وطمأنتهم بأن الذكاء الاصطناعي لن يحل محلهم؛ فالـ AI لن يحل محل فردٍ يملك الشغف بالتعلم، والرغبة في الاستكشاف، والقدرة على التكيف».

إن النهج القائم على أولوية الإنسان هو ما يحدد أطر رؤيته للموارد البشرية ككل. فبالنسبة إلى البسام، تبدأ دورة الموارد البشرية قبل أن يطأ الموظف عتبة المؤسسة بفترةٍ طويلةٍ؛ فتُسْتَهَل مع المرشح منذ أول حوارٍ، وتستمر عبر التوظيف، والتأهيل، والتوجيه، والإرشاد خلال الأيام المائة الأولى، والتخطيط للتطوير، وتقييم الأداء، والارتقاء المهني، والتخطيط للتعاقب الوظيفي، وحتى مغادرة الموظف المؤسسة. وكل مرحلةٍ من هذه المراحل هي جزءٌ من رحلةٍ متصلةٍ واحدةٍ.

ومن بين المبادرات التي يعتز بها اعتزازًا كبيرًا، المنهجية التي يتبعها فرع أوريدو في الكويت، في التخطيط للتعاقب الوظيفي. حاليًا، خمسةٌ من أصل ستة قياديين في الإدارة التنفيذية العليا – بمن فيهم البسام نفسه – جرت ترقيتهم داخل الشركة؛ ما يعكس أعوامًا من الاستثمار المدروس في إعداد قيادات المستقبل.

وتجسد مبادرةٌ أخرى جانبًا آخَر من ثقافة المؤسسة؛ فقبل نحو ستة أعوامٍ، أقرت أوريدو إجازة يوم الميلاد، مانحةً الموظفين يومًا مدفوع الأجر للاحتفال برفقة العائلة والأصدقاء. ويقول البسام عن ذلك: «في يوم ميلادك، لا تأتِ إلى العمل؛ اقضِ وقتك مع أسرتك وأحبائك واحتفل؛ فاليوم إجازة على حساب الشركة».

وخضعت هذه القيم لاختبارٍ جليّ إبان جائحة كوفيد-19؛ فعندما أغلقت الكويت حدودها، وجد العديد من الموظفين أنفسهم عالقين خارج البلاد، في أثناء إجازاتهم السنوية، وبدلًا من إحالتهم على إجازاتٍ غير مدفوعة الأجر لحين تمكنهم من العودة، واصلت أوريدو صرف رواتبهم كاملةً. ويعلّق البسام: «أثبت ذلك لموظفينا أننا ملتزمون تجاههم». وكان لهذا القرار أثر مستدامٌ في الثقة داخل المؤسسة؛ إذ لمس الموظفون بأنفسهم دعم الشركة لهم في أحلك الأوقات؛ ما عزز ولاءهم المؤسسي بوضوح؛ ليرتفع مؤشر الترويج الداخلي للشركة، ويصير نحو %80 من الموظفين داعمين ومروجين للمؤسسة.

ولا ريب في أن الدروس التي استوعبها البسام، من خلال برامج التعليم التنفيذي، صاغت أسلوبه القيادي في إدارة فريق عمله؛ ففي العام 2015، تقريبًا، أنشأ ما أطلق عليه «المجلس الاستشاري»، وهو فريق القيادة العليا للموارد البشرية. وبدلًا من الانفراد باتخاذ القرارات الكبرى، أشركهم عمدًا في الحوار والتحليل، محفزًا النقاش والإحساس بالمسؤولية المشتركة؛ يوضح ذلك بقوله: «عندما يسهم الأفراد في صنع القرار، يغدون أكثر التزامًا بإنجاحه». وتتجسد الفلسفة ذاتها في إدارته التعاقب الوظيفي؛ إذ إنه كلما تغيب عن المكتب، تُتدَاول المسؤوليات القيادية بين خلَفَين محتملَين بدلًا من الاعتماد على نائب واحد، قائلًا: «لا أرغب أبدًا في الاتكال على شخصٍ وحيدٍ». وبينما يتردد بعض القادة في إعداد خلفاء لهم خشية أخذ أماكنهم، ينأى البسام عن ذلك الطرح: «أنا لا أفكر بهذه الطريقة؛ بل أؤمن بأن نجاح القائد وقوته يعتمدان على نجاح فريقه وقوته».

وتصوغ هذه الاقتناعات التفاعلات اليومية التي تجمع بينه وبين المديرين؛ فعندما يدخل الآن مديرٌ إلى مكتبه وولديه مشكلةٌ ما، نادرًا ما يعجّل البسام بتقديم الحل، بل يطرح سؤالًا يدفع الناس إلى تحليل الموقف، وتمحيص الخيارات، والوصول إلى الاستنتاجات بأنفسهم؛ مستفسرًا: «ما رأيك؟ ما الخيارات التي درستها؟ وبماذا توصي؟»؛ فبالنسبة إلى البسام، تعني صناعة القادة مقاومة إغراء تقديم جميع الإجابات من جانبك؛ إذ يقول: «إذا قدمت لهم الحل، في كل مرة، فلن ينموا ولن يتطوروا». وفي نهاية المطاف، غايته ليست بناء أتباع يعتمدون عليه، بل إعداد قادةٍ لا يحتاجون إليه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى