Taqaddum

حين يصبح الابتكار بنكًا بالكامل

بناء أول بنك رقمي في الكويت حيث التقنية تبدأ من الإنسان

كانت أمل الدويسان تتقدم لما بدا كأنه الطريق المتوقع في مسيرتها المصرفية؛ فبصفتها نائب رئيس القطاعات في بنك الكويت الوطني، قضت أعوامًا تعمل في قطاعات العملاء والأبحاث والخدمات المصرفية للأفراد، لكن فرصةً مختلفةً بالكامل ظهرت: المساعدة على بناء مصرفٍ رقمي من الصفر.

كان كثير من التنفيذيين ليترددوا قبل التخلي عن مسارٍ مهني واضح المعالم لمصلحة مشروعٍ لا يتعدى كونه فكرةً طموحةً. لكن بالنسبة إلى الدويسان، كان حجم التحدي – تحديدًا – هو ما جعل الفرصة شديدة الجاذبية.

وتستذكر ذلك فتقول: «أعتقد أن ثمة شيئًا ما جذبني نحو هذا التحدي». كانت فرصة الانطلاق بمشروعٍ واعدٍ ومتابعته حتى إنجازه هي ما جذبها. وتضيف: «عادةً أستمد شعوري بالإنجاز والرضا من تحقيق أمورٍ كبيرةٍ فعليًّا».

وكان هذا القرار هو ما قادها في النهاية لتصير رئيسة «وياي» Weyay، أول مصرفٍ رقمي في الكويت. لكن الرحلة بدأت قبل ذلك بكثير.

دخلت الدويسان القطاع المصرفي في العام 2002، مسؤولة علاقات عملاء عاملةً في بيئة الفروع. وبعد حصولها على درجة الماجستير في إدارة الأعمال – تخصص تسويق، من جامعة تكساس في أرلينغتون، انضمت إلى البنك NBK؛ حيث وسَّعت مسؤولياتها بثباتٍ في أبحاث التسويق، ورؤى العملاء، وتقسيم القطاعات، ثم صارت لاحقًا ضمن صلب الفريق المُؤسِّس لمصرف وياي Weyay.

وتوضح الدويسان أنه لم تكن هناك خريطة طريق واضحة المعالم وراء كل ذلك، إذ لم تقضِ أوقاتًا طوالًا في تخطيط كامل مسيرتها المهنية، بل حاولت انتهاز كل فرصةٍ مثمرةٍ قد تتيح لها النمو والمساهمة وبناء الخبرة مع مرور الوقت.

تقول: « كنت دائمًا أبني مسيرتي المهنية على رؤية طويلة الأجل؛ فبدلًا من الاهتمام بالمنصب القادم، يتركز تفكيري على الكيفية التي أستطيع بها صنع الفارق والاستمرار في التطور، والآفاق التي قد تفتحها لي هذه التجربة على مدى الأعوام الخمسة أو العشرة القادمة».

وكرّست خبرتُها في أبحاث العملاء وتقسيم القطاعات الدرسَ ذاته الذي تعلمته في البداية من العمل في الفرع المصرفي؛ فَهْمُ العملاء مقدمٌ دومًا على تصميم المنتجات؛ سواء كان ذلك من خلال إجراء أبحاث السوق، أو تطوير عروض القيمة، أو بناء رحلات العملاء الرقمية لاحقًا؛ إذ واظبَتْ على النظر إلى الخدمات المصرفية من منظور العملاء بدلًا من الاقتصار على جوانب التكنولوجيا أو المؤشرات المالية.

يفسر هذا النمط من التفكير سبب انجذابها الفوري إلى فرصة تأسيس وياي؛ فلم يكن المنصب هو الأهم، بل فرصة بناء شيء جديدٍ والمساهمة في مشروعٍ يتمتع بإمكان تغيير شكل التجربة المصرفية.

تقول: «ليس من طبعي عادةً أن أحشر نفسي في قالبٍ ضيق». وكان بناء بنك وياي يحتاج بالضبط إلى هذا التفكير المنفتح.

بتأييدٍ ودعمٍ كاملين من محمد العثمان، وهو الرئيس التنفيذي للخدمات الشخصية والرقمية في البنك NBK، أمضى الفريق المؤسِّس لوياي أكثر من عامٍ في بناء المصرف الجديد كليًّا من الصفر؛ فأسس الفريق هيكل الحوكمة، وبنوا فرقًا متعددة التخصصات، وطوروا المنتجات ورحلات العملاء، وصنعوا نموذجًا تشغيليًّا جديدًا.

وكانت النتيجة إطلاقَ أول مصرفٍ رقمي بالكامل في الكويت، والذي يمضي قدمًا في توسيع قاعدة عملائه وقدراته التشغيلية مع اقتراب الذكرى الخامسة لتأسيسه.

الفارق بين المصرف الرقمي والمصرف التقليدي واضحٌ وجلي للدويسان.

تقول: «نحن لسنا مصرفًا يمنح الأولوية للرقمنة، بل نحن مصرفٌ رقمي كليًّا». يشكل هذا النهج كل قرارٍ يتخذه المصرف؛ فكل خدمةٍ يجب أن تُقدَّم رقميًّا من البداية إلى النهاية، وتُطوَّر المنتجات والرحلة بناءً على احتياجات العملاء.

وعلى الرغم من أن وياي صُمِّم في الأصل ليستهدف الفئات الشابة، فإن الدويسان تعتقد أن الخدمات المصرفية الرقمية تطورت سريعًا؛ فلم تعد مقصورةً على أي فئةٍ سكانيةٍ؛ فعندما ظهرت المصارف الرقمية، لأول مرة، جذبت بصورةٍ أساسيةٍ العملاء الراغبين في إدارة كل معاملاتهم عبر تطبيق هاتفٍ، وتقليل التعامل الشخصي. أما الآن فقد جعلت التكنولوجيا السَلِسَة الخدمات المصرفية الرقمية متاحةً للعملاء من مختلف الفئات العمرية.

ومما كان ذو دورٍ في تشكيل مقاربة الدويسان للإبداع تجربة تكوينية في العام 2018، عن طريق مؤسسة الكويت للتقدم العلمي التي دعمت مشاركتها في تحدي أندرسون للابتكار في جامعة كاليفورنيا، في لوس أنجلوس UCLA.

جمع البرنامج بين التعلم الأكاديمي والاطلاع العملي على الابتكار. وأتاحت زياراتٌ لمؤسسات شملت ديزني وجينسلر ورايوت غيمز للمشاركين التعرف على مقارباتٍ مختلفةٍ تمامًا لتجربة العملاء، والتصميم التنظيمي، وحل المشكلات، كما عمل المشاركون على معالجة تحديات أعمال واقعية باستخدام أطر ابتكار منظمةٍ، فجمعوا بين التعليم الصفي والملاحظة والتجريب والعمل الجماعي في المشروعات.

بالنسبة إلى الدويسان، جعل ذلك البعدُ العملي التجربةَ وثيقة الصلة بالتحديات التي واجهتها لاحقًا في وياي.

تقول: «كان المستوى التعليمي على مستوى لا يُضارَع؛ فقد كان برنامجًا عمليًّا جدًا، وقليل الاعتماد على النظريات، ومفعمًا بالتحدي».

كما أثر البرنامج في المشروعات التي عملت عليها لاحقًا؛ إذ طور المشاركون نموذجًا لإدارة المالية الشخصية، في أثناء تعلم كيفية تطبيق أطر ابتكار منظمةٍ. وعلى الرغم من أن الميزة التي أدخلتها لاحقًا في وياي تطورت لتتجاوز المفهوم الأصلي، لازمها مبدأ الانطلاق من احتياجٍ فعلي للعميل ثم العمل بصورةٍ منهجيةٍ للوصول إلى الحل.

تقول: «ساعدنا ذلك على البدء في التفكير بطريقة مختلفةٍ».

كما أسهم هذا الاحتكاك الدولي في توسيع أفقها؛ فمشاهدة مؤسساتٍ مثل ديزني تضع اهتمامًا استثنائيًّا بخدمة العملاء، ورؤية جينسلر وهي تصمم المساحات بناءً على السلوك البشري، منحاها إطارًا مرجعيًّا أوسع لكيفية تعامل المؤسسات مع العملاء والتصميم والابتكار.

ومنحها أمرًا تعتقد أنه يصعب تعلمه من الكتب لوحدها: الثقة.

«عندما تعود وتكون لديك الرغبة في إحداث تغيير أو تحسين أمر ما، تكون لديك رؤية واضحة لأنك عاينتها».

وتستمر هذه الرؤية الدولية في تشكيل وجهات نظرها بشأن الذكاء الاصطناعي. تتوقع الدويسان أن يُحْدِث الـ AI تحولًا في كل جوانب العمل المصرفي تقريبًا، بدءًا من العمليات الداخلية، ووصولًا إلى الخدمات المقدمة للعملاء. فبدلًا من التنقل عبر قوائم متعددةٍ لإجراء تحويل مالي، تتخيل أن يتحدث العميل بصورةٍ عفويةٍ مع التطبيق المصرفي، بينما يتولى الـ AI تنفيذ المعاملة فورًا.

تقول: «الـ AI صار واقعًا راسخًا، وسيواصل نموه، وسيؤثر في كل وظيفةٍ داخل المصرف».

وتستدرك مضيفةً أن هذا التطور التكنولوجي لا ينبغي له أبدًا أن يكون على حساب اللمسة الإنسانية.

تقول: «يجب أن يظل الجوهر في التحول الرقمي إنسانيًّا».

وحتى التفاعل المدعوم بالـ AI ينبغي أن يحمل طابعًا شخصيًّا لا أن يكون آليًّا. فالإجابة الدقيقة تقنيًا إن قُدِمَت بنبرةٍ غير مناسبةٍ، أو من دون مراعاةٍ للسياق، أو لا تفهم، لا تمثل بالضرورة تجربةً مرضيةً للعميل. يجب أن يظل التفاعل نفسه سلسًا، وذا صلةٍ بالسياق وإنسانيًا؛ بغض النظر عن مدى تقدم التكنولوجيا المُستخدَمَة.

وحين تتأمل مسيرتها المهنية، ترى أن إطلاق أول مصرفٍ رقمي في الكويت يظل أحد أكثر إنجازاتها مدعاةً للفخر، لا لأن وياي موجودٌ فقط، بل لأنه يواصل النمو.

بالنسبة إلى الدويسان، يظل وياي – قبل كل شيء – إنجازًا جماعيًّا تحقق بفضل رؤية ودعم إدارة البنك NBK وعمل فريقه التأسيسي الرئيسي والفرق الأوسع التي استمرت في تطوير المصرف.

وما يمنح هذا الإنجاز معنى خاصًّا هو الأثر الذي يمكن أن يحدثه في حياة الناس.

وتقول: «أكثر ما أفتخر به هو ما استطعنا بناءه معًا، والأثر الذي يمكن أن يحدثه في حياة الناس؛ فينبغي ألا تقتصر الخدمات المصرفية الرقمية على التكنولوجيا فقط، بل يجب أن يكون محورها الإنسان في الجوهر».

وترى أن من المهم المساعدة في تشكيل تجربة الأجيال الشابة مع العمل المصرفي منذ البداية، وجعل تلك العلاقة أبسط وأكثر سلاسةً وملاءمةً لأسلوب حياتهم.

وقد يكون هذا – في النهاية – الإرث الأكثر أهميةً لوياي: ليس مجرد تقديم نموذج جديد للخدمات المصرفية في الكويت، بل المساعدة على تغيير الطريقة التي يختبر بها الجيل الجديد المال ويتعامل معه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى