بقلم توماس لوتون
ترتسم البهجة على محيا أوتا فريث Uta Frith التي توحي للناظر إليها بأنها تشعر بالرضا، مع أنها أمضت ستة عقود تحاول – من دون نجاح – أن تفهم الهاجس الذي ملأ حياتها. تقول لي ونحن نجلس في غرفة معيشتها، في حي هادئ في هارو أون ذا هيل في لندن: «لم يصمد سوى القليل جدًّا أمام اختبار الزمن».
من حولنا، تكاد الجدران العالية المغطاة بورق جدران فاخر أحمر اللون تختفي خلف رفوف الكتب المرصوصة، وصور الدماغ، ومجموعة من الأعمال الفنية التجريدية. تبحث فريث عن الآليات التي تؤدي إلى حالة التوحد Autism الغامضة، منذ أن التقت – لأول مرة – بأطفال مصابين بالتوحد الشديد في أواخر الستينيات من القرن الماضي. تقول: «كنا نتعرّف عليهم على أساس الانطباع والإحساس العام، وليس بناء على منهج علمي بالمعنى الدقيق، وللأسف مازال الوضع كذلك».
ومع ذلك، كان تأثير فريث في فهمنا المتغيّر للتوحد كبيرًا جدًا؛ فقد طوّرت نظريتين بارزتين عن كيف يختلف تطور العقول المصابة بالتوحد عن العقول النمطية، وكانت من أوائل من اختبروا مثل هذه الأفكار، باستخدام أجهزة مسح الدماغ، عندما صارت متاحة في التسعينيات.
ومنذ ذلك الحين، ارتفع عدد تشخيصات التوحد بشكل حاد، خصوصًا بين النساء والفتيات، ويرجع ذلك – إلى حد كبير – إلى اعتماد تعريف أشمل للحالة وأقل صرامة. لكن فريث ترى أن كثيرًا من الأشخاص عند الطرف الأخف من الطيف لا يجمعهم الكثير مع المصابين بالتوحد الشديد. تقول: «لا يوجد أي تداخل على الإطلاق. وهذه علامة على أن مفهوم الطيف لم يعد متماسكًا».
خلال جلسة شاي مع الحلوى المنزلية، ناقشنا كيف يعكس تطور فهم هذه الحالة وضعنا الراهن. وهل يمكن للفكرة الناشئة التي تقول بوجود عدة أنواع مميزة من التوحد أن تساعدنا على الخروج من هذا الالتباس؟
تزايد ملحوظ في التشخيص
لستُ غريبًا عن المسار الحديث للتوحد. قبل عدة سنوات، طلب أخي الذي أخفى معاناته طويلًا المساعدة، ووقفت إلى جانبه خلال تشخيص إصابته بالتوحد. وحاليًا، أعرف أن العديد من أصدقائي شُخِصت إصابتهم بالتوحد، أو باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط ADHD أو بكليهما، وهذا جعلني أتساءل عن احتمال وجود اختلاف عصبي لديّ. لذلك، رغبتُ في فهم وجهة نظر فريث، بما تملكه من معرفة عميقة بهذه الحالة، حتى إن لم أتفق معها.
كنا نتعرّف عليهم على أساس الانطباع والإحساس العام، وليس بناء على منهج علمي بالمعنى الدقيق، وللأسف مازال الوضع كذلك
لم تكن فريث تتطلع إلى الاختصاص في علم النفس التجريبي؛ فهي بدأت دراسة تاريخ الفن في أوائل الستينيات. تقول: «كما يحدث في كثير من أمور الحياة، كان الأمر محض مصادفة؛ وجدتُ نفسي فجأة في قسم علم النفس بجامعة سارلاند Saarland University في ألمانيا». في المستشفى الجامعي، كان علماء النفس يلقون محاضرات إلى جانب مرضى يعانون الهلوسة، أو يتحدثون بطرق غير مألوفة. تقول: «وجدتُ ذلك أمرًا يفوق كل تصور. كيف يمكن تفسيره؟ لقد كانت تلك فترة حافلة بالتطورات في علم النفس الإكلينيكي Clinical psychology».
على مدى عدة عقود، كان التحليل النفسي طاغيًا على علم النفس. وكان التحليل النفسي يرى أن الضيق النفسي ينشأ من صراعات في العقل الباطن، تتعلق في كثير من الأحيان بذكريات ورغبات ومخاوف مكبوتة. ومن هذا المنظور، أُلقي باللوم في التوحد على الأمهات الباردات غير المحبات اللواتي جعلن أطفالهن ينعزلون عن العالم. تقول فريث: «كانت فكرة الأم الباردة فكرة خطرة». وبدلًا من ذلك، سعى علم النفس الإكلينيكي إلى إيجاد تفسيرات موضوعية تستند إلى الآليات المعرفية التي تحرِّك السلوك، مثل العادات والأهداف. تقول فريث: «كنت متعطشة للعثور على حقائق يمكننا العمل بناء عليها ولأقول: ’هذا يخبرنا حقًّا بشيء عن عقولنا’، فأنا أسعى دائما إلى الحقيقة».
قاد هذا فريث إلى لندن، حيث التقت لأول مرة بأطفال مصابين بالتوحد، وحاولت التفاعل معهم. تقول: «كنتُ في حيرة تامة ومفتونة بهم تمامًا. كيف يمكن أن تكون لديهم عقول تسمح لهم بأن يكونوا غير مبالين بي إلى هذا الحد؟». هؤلاء الأطفال أنفسهم الذين كانوا يعانون كثيرًا في التواصل مع الآخرين، كانوا يكملون أحجية شديدة التعقيد بأنفسهم، وهي مقلوبة، من دون أن يطلب منهم أحد ذلك. وقد دفعها اهتمامها بهؤلاء الأطفال، وتعاطفها العميق معهم، إلى تكريس معظم حياتها المهنية لمحاولة فهم الفارق بين العقول المصابة بالتوحد والعقول النمطية.
في العام 1985، نشرت فريث بحثًا محوريًّا مع عالمي النفس سيمون بارون كوهين Simon Baron-Cohen وآلان ليزلي Alan Leslie، طرحوا فيه السؤال: «هل يمتلك الطفل المصاب بالتوحد نظرية للعقل؟». اقترحوا أن المصابين بالتوحد لا يستطيعون فهم معارف الآخرين ونواياهم ومشاعرهم، وأنهم يجدون – في أكثر الأحيان – صعوبة في التعاطف. لكن فكرة ارتباط التوحد بنقص التعاطف محل خلاف؛ إذ تُظهر بعض الدراسات أن المصابين بالتوحد قادرون على التواصل بفعالية فيما بينهم، وهو ما يقترح وجود سوء فهم متبادل بين المصابين وغير المصابين به.
تؤكد فريث أن غياب نظرية العقل Theory of mind لا يفسر سوى جانب واحد من التوحد، وهو الجانب المتعلق بالسلوك الاجتماعي. ومن السمات الأخرى التي كشفتها في ثمانينيات القرن العشرين القدرةُ اللافتة لدى المصابين بالتوحد على العثور على أشكال خفية مدمجة داخل أنماط معقدة. تقول: «هناك تركيز مفرط على التفاصيل الدقيقة داخل الصورة الكلية، وربما يؤدي هذا التركيز إلى إهمال الصورة الكبرى، فلا ترى الغابة من كثرة الأشجار». ويبدو أن هذا يفسر أيضًا سلوك العباقرة المصابين بالتوحد الذين تظهر لديهم اهتمامات محدودة إلى جانب مهارات استثنائية، مثل: الذاكرة، أو المواهب الموسيقية، أو القدرات الرياضية.
ومع ذلك، لم تتمكن فريث من إثبات أن هذه السمات تمثل أسبابًا موضوعية للتوحد بالاعتماد على النظريات المعرفية والسلوكيات وحدها. تقول: «هناك أيضًا مستوى الدماغ؛ حيث يُفترَض أن تنشأ هذه الآليات المعرفية، وتحته مستوى التطور والعوامل الجينية التي توجِّه ما يجري فعليًّا داخل الدماغ».
تصوير دماغ المصابين بالتوحد
لحسن الحظ، وفيما عملت فريث على صياغة هذه النظريات في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، نضجت تقنيات تصوير الدماغ، مثل: التصوير بالرنين المغناطيسي MRI، والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI، ما أتاح لها البحث عن الدوائر العصبية التي قد تكمن وراء سمات التوحد. تقول: «أدين بالكثير لزوجي؛ فقد كان من أوائل من طوّروا التقنيات اللازمة لتحليل الصور الناتجة عن مسح الدماغ».
لم تكن دراسات تصوير الدماغ هذه ممكنة إلا بعد أن توسعت معايير تشخيص التوحد. وللحصول على الموافقة، كان على المشاركين فهم ما تعنيه التجارب، ولذلك شملت الدراسات عددًا كبيرًا من المصابين بمتلازمة أسبرغر Asperger’s syndrome، وهي نمط «عالي الأداء» High-functioning حظي باعتراف رسمي في أوائل التسعينيات. لم يعد مصطلحا «عالي الأداء» و«منخفض الأداء» Low-functioning مستخدمين حاليًا، كما لم تعد متلازمة أسبرغر حالة قابلة للتشخيص.
في البداية، رحّبت فريث بتوسيع معايير التشخيص لتشمل الحالات الأخف، بل إنها أسهمت في تعريف العالم الناطق بالإنجليزية بمتلازمة أسبرغر، في كتاب صدر في العام 1991. لكنها تتساءل حاليًا عمّا إذا كان هذا التوجه قد قادنا، من دون قصد، إلى مسار خطأ. تقول: «كان ذلك ضروريًّا تقريبًا لإجراء مزيد من الأبحاث. لكنني أعتقد حاليًا أن تلك الخطوة ذهبت إلى أبعد مما يجب، وما حدث لاحقًا لم يكن في حسبان أحد»؛ ففي المملكة المتحدة، مثلًا، ارتفعت تشخيصات التوحد ثمانية أضعاف بين العامين 1998 و2017. وتضيف: «لقد تجاوز الأمر متلازمة أسبرغر».
الحالة ليست مجرد اضطراب يسبب إعاقة، بل يمكن أن تكون سماتها مصدرًا كبيرا للفخر والقوة.
أدى إدخال مفهوم متلازمة أسبرغر إلى ظهور صور ثقافية للتوحد، مثل: شخصية ريموند بابيت في فيلم رين مان Rain Man، وهو عبقري مصاب بالتوحد يعتمد على روتين صارم، ويجد صعوبة في التفاعل مع الآخرين. وتقول فريث إن كثيرًا من هذه النماذج الشائعة كانت تتمتع بشخصيات جذابة، مثل أستريد نيلسن Astrid Nielsen، أمينة الأرشيف المصابة بالتوحد التي تساعد على حل القضايا الجنائية في المسلسل الفرنسي البلجيكي أستريد ورافاييل Astrid et Raphaëlle. وتضيف: «كانت هذه الشخصيات تُعرَّف على أنها منطقية جدًّا، وفي الوقت نفسه يبدو هؤلاء عاجزين تمامًا عن فهم العلاقات الاجتماعية… وظهرت فكرة مفادها أنه يمكنك بسهولة تصنيف أصدقائك كأن تقول: ’حسنا، إنه على الطيف، أليس كذلك؟’».
يرحب كثير من المصابين بالتوحد والباحثين باتساع نطاق التشخيص؛ فعلى نحو عام، يميل المصابون بالتوحد إلى مواجهة صعوبات في التواصل والتفاعل الاجتماعي، إضافة إلى مشكلات حسية تتمثل في فرط الاستجابة للمؤثرات، أو ضعف الاستجابة لها، وسلوكيات واهتمامات محدودة ومتكررة. لكن الطريقة التي تتبدى بها هذه الجوانب تختلف اختلافًا كبيرًا من شخص إلى آخر، وقد سمح توسيع معايير التشخيص وجعلها مرنة باحتواء هذا التباين.
ومع ذلك، تخشى فريث أن تكون سمات نسبة كبيرة من الأشخاص الذين شُخِّصوا بالتوحد منذ التسعينيات أقرب إلى أن تكون اختلافات طبيعية في الشخصية. وتقول: «نحن جميعا مختلفون بعضنا عن بعض»؛ فهي ترى أن التوحد صار هوية أكثر منه حالة مرضية. وتقول «يكاد الأمر يشبه أنك إذا وجدت صعوبة في تكوين صداقات، أو كانت لديك هواية خاصة، أو لم تكن دائمًا واثقًا مما يفكر فيه الآخرون، فقد تفكر: ’ياه، قد أكون مصابًا بالتوحد’».
ويرى من يصنفون التوحد شكلا من أشكال الاختلاف العصبي Neurodivergence أن الحالة ليست مجرد اضطراب يسبب إعاقة، بل يمكن أن تكون سماتها مصدرًا كبيرا للفخر والقوة. فمعرفة أخي بمن سجّل في كل مباراة لعبها مانشستر يونايتد، مثلًا، تساعده كثيرًا في المواقف المناسبة، وأنا أعتمد عليه باستمرار ليستعيد لي ذكريات طفولتي. ومع ما يواجهه من صعوبات، فإن تشخيص التوحد يساعده على تقدير مهاراته الفريدة، وتعزيز فهمه لذاته، وأن يعامل نفسه على نحو ألطف.
![]()
في الوقت نفسه، لا يبدو واضحًا ما الذي يجمع، إن كان هناك ما يجمع أصلًا، بين التوحد الخفيف والتوحد الشديد الذي يعاني المصابون به من إعاقات ذهنية شديدة، ولا يستطيعون العيش باستقلالية. وقد ازدادت حالات التوحد الشديد منذ التسعينيات، لكن ليس بالقدر نفسه الذي ازدادت به الحالات الأخف التي تُشخِّص في أكثر الأحيان في مراحل لاحقة من الطفولة أو البلوغ. وترى فريث أن هذه المجموعات الأحدث لا تتقاطع مع الأطفال المصابين بالتوحد الذين التقتهم في الستينيات، وأن كثيرًا من هذه الحالات قد لا يندرج ضمن الاضطرابات النمائية العصبية Neurodevelopmental، وهي الخاصية الأساسية التي تميز التوحد. وتقول: «قد يكون هذا تصنيفًا لم يحصل بعد على اسم». وقد لا يكون حالة قابلة للتشخيص أصلًا. وتوضح: «أرى أننا اتخذنا منعطفًا خطأً عندما صنّفنا ما أجده على الأرجح متغيرات شخصية مفيدة تمامًا أسمّيها ’شبيهة بالتوحد‘ ‘Autistic-like’».
وتشير فريث إلى أن معدلات تشخيص التوحد ارتفعت بأسرع وتيرة بين النساء اللواتي يُشخَّصن حاليًا في سن المراهقة في أكثر الأحيان. تقول: «مازلن يُصنَّفن على أنهن مصابات بالتوحد، لكنني أتساءل مّا إذا كنَّ سيُفهمن ويحصلن على معاملة أفضل لو نظرنا إلى طبيعة مشاكلهن الفعلية». وقد أدى هذا الاتجاه إلى انخفاض النسبة التاريخية لتشخيص التوحد بين الذكور والإناث، من نحو 4 إلى 1 إلى نسبة شبه متساوية بحلول سن العشرين. لكن فريث ترى أن إدراج الحالات الأخف التي تُشخَّص في مراحل متأخرة من العمر يقلل موثوقية هذه النسبة.
ويقول باحثون آخرون، مثل عالمة النفس جينا ريبون Gina Rippon، إن هناك أسبابًا وجيهة لتأخر تشخيص النساء والفتيات المصابات بالتوحد، وإنه بدلًا من استبعاد هؤلاء «الفتيات الضائعات» من الطيف، ينبغي الترحيب بهن ضمنه. ومن هذا المنظور، قد تدفع الضغوط الاجتماعية المفروضة على النساء والفتيات إلى إخفاء سلوكياتهن الطبيعية. وتُظهر دراسات التصوير أن مناطق الدماغ المرتبطة بالمكافأة الاجتماعية أكثر نشاطًا لدى الفتيات المصابات بالتوحد مقارنة بالفتيان، وأن لديهن ترابطًا أكبر بين شبكات الدماغ الاجتماعية؛ مما قد يقترح أن لديهن حافزًا أكبر لتعديل سلوكهن للاندماج.
أريد منهجًا يجمع بين التحليل من القمة إلى القاعدة، ومن القاعدة إلى القمة
ويرتبط هذا النوع من التمويه بمستويات مرتفعة من القلق والاكتئاب، بل وحتى الأفكار الانتحارية، لدى الفتيات والنساء المصابات بالتوحد. طرحتُ هذه الأفكار على فريث، لكنها بقيت متمسكة برأيها. تقول: «هذا يولِّد مفارقة غريبة. يمكنك تشخيص التوحد عند ظهور الأعراض، ويمكنك تشخيصه عند عدم ظهورها، بافتراض وجود تمويه، فكيف يمكن إذن إخضاع التشخيص لاختبار يمكن أن يدحضه؟». وتضيف أن التمويه ليس فكرة قابلة للاختبار العلمي: «لدينا أسباب كثيرة للتشكيك في التجربة الذاتية. ومن الصعب جدًّا استخدامها أداةً للعلم الصارم».
«يدهشني التمسّك بهذا التصنيف بعد أن تجاوز الغرض الذي وُضِع من أجله».
أتساءل إن كانت فريث متحيزة نتيجة تأثرها بخلفيتها الشخصية؛ ففي الستينيات رأت الضرر الذي تسببه المناهج التحليلية النفسية المعتمدة كليًّا على التجربة الذاتية، وهو ما دفعها إلى البحث عن آليات معرفية واضحة ومُحدَّدة. ومع ذلك، أليس الهدف النهائي لأبحاث التوحد هو تحسين الحياة الذاتية للمصابين به؟ تجيب فريث: «هذا أمر قابل للنقاش؛ فهو تطبيق للعلم».
في هذا السياق، يبدو أن هناك بصيص أمل؛ ففي السنوات الأخيرة، اقترحت سلسلة من الدراسات أن التوحد ليس حالة واحدة، بل مصطلح شامل يضم عدة أنواع فرعية مميزة. ويتمثل الطموح الكبير لهذا النهج في ربط المسار كاملًا: من الجينات، مرورًا بدوائر الدماغ والإدراك، وصولًا إلى السلوكيات والتجارب، وهو ما قد يؤدي إلى تحسين الدعم المقدم للمصابين بالتوحد. عندما سألت فريث إذا كان تصنيف الأنواع الفرعية قادرًا على تبديد هذا الالتباس، وجدتها تقول: «يمكننا أن نتوقع أن يتحقق هذا في نهاية المطاف، ولكن ليس في وقت قريب».
تتذكر فريث حماسها عندما ظهرت أدوات تصوير الدماغ في الثمانينيات والتسعينيات. تقول: «كانت نقلة هائلة، لكننا لم نحصل على الإجابات التي توقعناها»؛ فعلى الرغم من ملاحظتِهم اختلافاتٍ في الروابط بين مناطق الدماغ لدى المصابين بالتوحد مقارنة بغير المصابين، فإنهم واجهوا صعوبة في تفسير هذه النتائج.
علاوة على ذلك، تعتمد الدراسات الحديثة التي تحاول تصنيف الأنواع الفرعية للتوحد على البيانات الضخمة لتحقيق تقدم؛ إذ تبحث عن أنماط داخل قواعد بيانات تضم آلاف المصابين بالتوحد. تبدي فريث شكوكًا تجاه هذه الأساليب التي تعتمد – بدرجة كبيرة – على التحليل من القاعدة إلى القمة، وتشير إلى تراجع الجانب النظري. وتقول: «أريد منهجًا يجمع بين التحليل من القمة إلى القاعدة، ومن القاعدة إلى القمة». حاليًا، لا تتفق دراسات التصنيف على خصائص كل نوع فرعي، أو حتى على عدد الأنواع الفرعية.
تقول فريث: «هناك حاجة شبه يائسة إلى الحفاظ على فكرة أن ما نشخصه هو التوحد، بينما من المنطقي تمامًا القول إنه ليس توحدًا، بل شيء آخر لم يحصل بعد على اسم… يدهشني التمسّك بهذا التصنيف، بعد أن تجاوز الغرض الذي وُضع من أجله… لقد حان الوقت لتفكيك هذا الطيف الواسع لتحسين قابليته للفهم».
وإذا كانت هذه بالفعل حالات متميزة، كما ترى فريث، فإن استخدام مفهوم التوحد الشامل مرشدًا للبحث قد يمنعنا من الوصول إلى الحقيقة. إن السعي وراء آليات دقيقة أمر يستحق التقدير، لكن فريث ربما تضع سقفًا أعلى مما ينبغي لما تريد الوصول إليه؛ فالعلاقة بين الدماغ المادي وعوالمنا العقلية علاقة مراوغة ومعقدة جدًّا، وكثير من المصابين بالتوحد يهتمون بالحصول على الدعم الذي يحسِّن حياتهم أكثر من اهتمامهم بفهم آلياته. لم يكن في إمكان أخي طلب التسهيلات التي حسَّنت حياته في العمل إلا بعد حصوله على التشخيص.
إذن، مَنْ يحدد ماهية التوحد: المصابون به أم العلماء الذين يدرسونه؟ يتزايد تعاون الباحثين مع المصابين بالتوحد؛ إذ يُشركونهم في تصميم الدراسات، ويأخذون تجاربهم على محمل الجد. تعترف فريث بأن هذا النهج حسن النية، لكنها تشير إلى المخاطر المحتملة. وتقول: «علينا أن نبدأ من جديد، ونستثمر أكثر في البحث العلمي بدلًا من اللجوء إلى علاجات فورية لا نعرف عنها الكثير».
وتقول: «يبدو أننا نعيش زمنا من الارتباك والتناقض، ولا بد من إيجاد حلّ لهذا الوضع، لن أجد الحل بنفسي، لكنني أحاول أن أقدّم ما يمكن أن يرشد إلى الاتجاه الصحيح».
© 2026, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC