البيولوجيا وعلوم الحياة

عملية التوالد البكري

2013 لمن الرأي في الحياة؟

جين ماينشين

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

البيولوجيا وعلوم الحياة

في نهاية القرن التاسع عشر، قدّم التوالد البكري (التطوّر من دون تخصيب) تحدياً آخر للتفسيرات الراسخة عن كيف تعمل الحياة، مثلما تفعل الأشكال الجديدة للتوالد البكري اليوم.

نهض جاك لوب (Jacques Loeb) بهذا التحدي بعيد وصوله من ألمانيا ونقل بحوثه الصيفية من محطة نابولي الحيوانية إلى المختبر البحري البيولوجي في وودز هول.

كان شديد الاهتمام في الدور الذي تؤديه الظروف الخارجية، مثل مورغان ودريتش. إلى أي حدّ وبأي طريقة تؤثّر الظروف المحيطة على ما يحدث داخل الخلايا الجنينية؟

بما أن لوب عرف عن بحوث عالم النبات يوليوس ساكس (Julius Sachs) التي بيّنت أن الضغط التناضحي (osmotic pressure) في الماء يُحدث اختلافاً في نمو النبات وتمايزه، فقد عقد العزم على استقصاء ما إذا كان الضغط التناضحي يؤدي دوراً مماثلاً لدى الحيوانات.

فأجرى في وودز هول عدداً من التجارب، بما في ذلك واحدة وضع فيها بيوض قنافذ البحر في مجموعة متنوعة من الماء المالح المختلف التركّزات.

وقد ركّز على الانقسامات الخلوية والمراحل التطوّرية الأولى، وسأل ماذا يحدث في الظروف المختلفة.

عندما وضع البيوض المخصّبة في محلول عالي الملوحة ثم أعادها إلى ماء بحر عادي التركيز توصّل إلى نتيجة مفيدة. عندما كانت البيوض في الماء الشديد الملوحة بدت مستكينة. لكن عندما أعادها إلى ماء البحر العادي، انقسمت إلى أعداد كبيرة من القسيمات الأرومية بسرعة شديدة.

وبلغت مراحل الأريمة الثنائية الطبقة والمُعيدة وحتى المرحلة اليرقية. أوحى ذلك للوب بأن النوى في فترة الاستكانة كانت تنقسم وتعدّ للانقسام الخلوي بل حتى التمايز.

 

وفي سنة 1899 بيّن أن البيوض غير المخصّبة أيضاً يمكن أن تبدأ بالانقسام في ظل بعض الظروف وتتقدّم من خلال عدد من الانقسامات الخلوية إلى المرحلة اليرقية، وإن يكن بسرعة مختلفة عن سرعة البيوض العادية.

التوالد البكري الاصطناعي: يستخدم عالم في مختبر أساليب تجريبية بسيطة لجعل البيضة تتطوّر، من دون حاجة إلى تخصيب، أو حاجة إلى نواة ذكرية. كان ذلك مثيراً للدهشة وأحبّته الصحافة الشعبية.

فأعلنت صحيفة بوسطن غلوب عن "تخليق الحياة. اكتشاف مذهل يحقّقه البروفسور لوب بإنتاج حيوانات متدنية بوسائل كيميائية. العملية يمكن تطبيقها على الجنس البشري. شرح الحمل بلا دنس. تجارب رائعة أجريت في وودز هول". وأعلنت صحيفة شيكاغو صنداي تريبيون: "العلم يقترب من سرّ الحياة".

سرّ الحياة. هل اكتشف لوب هذا السرّ؟ بل هل فكّر في ذلك؟ سأل لوب "ما الاستنتاجات التي يمكن أن نستخلصها من هذه النتائج؟ وإذا كنا نرغب في تجنّب التخمينات الجامحة والعقيمة" – وهو ما فعله لوب بطبيعة الحال لأنه شعر أن من المهم تقييد التفسيرات والتمسّك بالحقائق – فإن علينا الالتزام بالأسئلة التي يمكن الإجابة عنها.

ربما يكون للوراثة وتطوّر الحياة المتشكّلة أسباب غير حفز التخصيب والانقسام الخلوي. لا يمكننا أن نعرف المزيد من دون البحث التجريبي كما حثّ لوب، لذا "أعتبر أن القيمة الرئيسية للتجارب التي تجرى على التوالد البكري أنها تنقل مشكلة التخصيب من حقل المورفولوجيا إلى حقل الكيمياء الفيزيائية".

 

رأى لوب أن "مشكلة تنشيط البيضة تختزل في معظم الأحيان بعبارات فيزيائية كيميائية". البيضة موجودة هناك جاهزة لكي تنشّطها نطفة واحدة. لكن إذا لم تدخل البيضة أي نطفة، فسرعان ما تموت.

التخصيب في الواقع يحول دون موت البيضة. وهو يفعل ذلك تحديداً من خلال العمل الكيميائي. الكيمياء بالنسبة إلى لوب تقدّم مفتاح حلّ "لغز الحياة". رفض لوب الأفكار القديمة بأن "مبدأ حياة" ما يدخل الجسم باعتباره تأمّلات رجل بدائي قبل علمي. "غير أن الحياة الفردية تبدأ علمياً (في حالة قنافذ البحر وربما على العموم) بتسارع معدّل الأكسدة في البيضة، وهذه الأكسدة تبدأ بعد تدمير طبقتها الخارجية.

وتنتهي حياة الحيوانات ذوات الدم الحار – ومن ضمنها الإنسان – بتوقّف الأكسدة في الجسم". وهكذا فإن الحياة تبدأ وتنتهي بدورة الأكسدة. لذا فإن "مشكلة بداية الحياة الفردية ونهايتها واضحة من الناحية الفيزيائية الكيميائية".

بالنظر إلى إدراك الأمور بعد وقوعها، كان تفسير لوب متطرّفاً وتأكيده على الأكسدة باعتبارها مفتاحاً للحياة غير مبرّر، مع أنه قدّم في ذلك الوقت رواية متماسكة. فقد رأى أن كل أوجه الحياة تقع ضمن إطار ميكانيكي.

لذا فإن حتى "الرغبات والآمال والجهود والنضالات، والخيبات والمعاناة أيضاً" التي تشكّل "محتويات الحياة من المهد إلى اللحد" هي نتائج الأكسدة والميكانيك. وتساءل لماذا لا يمكن تفسير "هذه الحياة الداخلية" فيزيائياً وكيميائياً إذ إن الباحثين وصلوا إلى حدّ تفسير الغرائز الأساسية بتلك الطريقة. ولماذا ليس الجوع أيضاً والرغبة الجنسية "بشاعريتها وسلسلة نتائجها، والغرائز الأمومية بسعادتها والمعاناة التي تسبّبها، وغريزة الإتقان"، والغرائز الأخرى "التي تتطوّر منها حياتنا الداخلية"؟

ومع أنه لم يكن قد توصّل إلى الإجابات بعد، فإنه كان مقتنعاً بأنها مجرد مسألة وقت قبل أن يتمكّن العلماء من التوصّل إلى تفسيرات ميكانيكية لجميع ظواهر الحياة. بل إن إحساسنا البشري بالسلوك الملائم، كما تعرضه الأخلاق، يُستمدّ من أسباب فيزيائية وكيميائية ويُفسّر بطريقة ميكانيكية. و"إن المفهوم الميكانيكي لا يتوافق مع الأخلاق فحسب، بل يبدو أنه المفهوم الوحيد للحياة الذي يمكن أن يؤدي إلى فهم مصدر الأخلاق".

 

تقصّى المؤرّخ فيليب بولي (Philip Pauly) مثل هذه الأسئلة في دراساته الرائعة عن لوب واستنتج أن لوب كان يقصد إنتاج التوالد البكري الاصطناعي. لم يكن ذلك عَرَضاً، كما زعم في بعض الأحيان لاحقاً، وذلك يظهر اقتناع لوب بأن الحياة مادية وميكانيكية، وتمكن هندستها. بل إن عمليتي الحمل والتخصيب الأكثر دقّة في الظاهر ليستا بداية الحياة وفقاً لهذا الرأي.

فالحياة هي العمليات المادية التي تحمل البيضة الموروثة على أن تصبح كائناً حياً متشكّلاً ومتمايزاً، تتشكّل استجابة لتغيّر الظروف البيئية وتنصاع للتلاعب البشري. وهذه العمليات "كانت" الحياة في الظاهر بالنسبة إلى لوب. بيد أن قدرة عالم ما في مختبر على تغيير بعض المواد الكيميائية، والقيام ببعض التلاعبات، والتسبّب على الأقل ببعض العمليات التي تعتبر أنها تشكّل الحياة، تدعو إلى التساؤل عما نعنيه بالحياة. كانت التعريفات التقليدية بحاجة إلى بعض الضبط الدقيق ربما في مواجهة التوالد البكري الاصطناعي.

يقدّم بولي الحجة المقنعة على أن العلماء لم يشاركوا في دراسة الحياة عن طريق المراقبة والوصف وتسجيل التفاصيل فحسب، وإنما أيضاً في التفكير في طرق "هندسة" حياة أفضل، وكان ذلك رأي لوب. أحسّ آخرون بالشعور نفسه، مع أن قلّة من العاملين في بيولوجيا البشر ذهبوا إلى الحدّ الذي وصل إليه.

مع ذلك، بدأت ومضات احتمالات التدخل البشري في العمليات الطبيعية تلمع في فجر القرن العشرين، مثلما يبدو أنها تلمع اليوم. لكن في ذلك الوقت، كان الجانب المظلم للتلاعب أقل وضوحاً. تفوّقت الحركة التقدّمية التي جلبت آمال التقدّم للجميع من خلال العلم والتكنولوجيا، وفي صفوفها من كان يولي اهتماماً لمثل هذه الأسئلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق