يعود تاريخ ثروة الكويت – من النفط والغاز – إلى ما بين 100 و150 مليون عام، حينها كانت المنطقة مغمورةً ببحرٍ دافئ ضحلٍ زاخرٍ بالحياة البحرية. ومع موت الكائنات الحية وغرقها، تراكمت بقاياها في طبقاتٍ ثخينةٍ على قاع البحر. وعلى مدى ملايين الأعوام، حوّلت الحرارة والضغط تلك المواد العضوية إلى وقودٍ أحفوري. وقد حفظت هذه العملية ما يمكن اعتباره نوعًا من الذاكرة الكيميائية للمحيط القديم فوقها؛ فتلك المياه، مثل مياه البحر الحديثة، احتوت كمياتٍ وفيرةً من الكبريتات Sulfate الذائبة، ولأن الظروف السائدة في قاع البحر ساعدت على حفظها، صار النفط والغاز المتكونان غنيَين بمركبات الكبريت.
لدى الكويت الآن ما يزيد قليلًا على 100 مليار برميل من احتياطيات النفط المؤكَّدة، أي ما يعادل 6% من الإجمالي العالمي، ويضعها هذا في مصاف الدول الرائدة عالميًّا في هذا المجال، إلى جانب فنزويلا، والمملكة العربية السعودية، وإيران، والعراق، والإمارات العربية المتحدة، وكندا. كان الغاز الطبيعي المتصاعد مع النفط الخام يُحرَق سابقًا في كثيرٍ من الأحيان عند فوهة البئر، أما الآن فيُنظَر إليه بصورةٍ متزايدةٍ، بوصفه موردًا قيِّمًا في حد ذاته؛ فعندما يُعالَج ويُكَرَّر بصورةٍ سليمةٍ، يمكن استخدامه لتشغيل محطات توليد الطاقة وأنظمة التدفئة، أو بيعه تجاريًّا، أو إعادة استخدامه في العمليات الصناعية.
لكن إرث محيط عصور ما قبل التاريخ يُشكّل تعقيداتٍ لغاز الكويت. فإضافةً إلى مركب الكبريت الذي يحتويه، المعروف باسم كبريتيد الهيدروجين Hydrogen sulfide، فإنه يحتوي أيضًا على كمياتٍ ملحوظةٍ من ثاني أكسيد الكربون Carbon dioxide. وكلا الغازين حمضيين؛ إذ يتفاعلان مع الماء لتكوين أحماض تسبب التآكل Corrosive؛ ما يُنتِج ما يُسميه المهندسون «الغاز الحامض» Sour gas. وإذا تُركت هذه الشوائب من دون معالجة، فإنها تُسبب تآكل الأنابيب. ونظرًا إلى سُميته، يُشكل كبريتيد الهيدروجين – أيضًا – مخاطر على العمال، كما قد يُلوِّث الهواء.
أمضى الدكتور يوسف القهيم، الباحث العلمي في معهد الكويت للأبحاث العلمية Kuwait Institute for Scientific Research (اختصارًا: المعهد KISR)، أكثر من عقد من الزمن في تطوير حلٍّ لهذا التحدي. وانصبّ تركيزه على الأغشية البوليمرية Polymeric membrane: وهي صفائح رقيقةٌ ومرنةٌ من مواد هندسيةٍ تعمل كمرشحاتٍ جزيئيةٍ. يقول: «تسمح هذه الأغشية بمرور بعض الغازات وتمنع مرور أخرى». وباختيار مادة الغشاء المناسبة، وتكوينها بالشكل الصحيح، يستطيع المهندسون فصل كبريتيد الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون عن الغاز الطبيعي، مع السماح بمرور مكوناته المفيدة، ولا سيما الميثان Methane، والهيدروكربونات Hydrocarbons الخفيفة الأخرى التي نستخدمها في التدفئة وتوليد الطاقة. ونال الدكتور القهيم جائزة جابر الأحمد Jaber Al-Ahmad للعام 2025 تقديرًا لأبحاثه.
بدأ مسارُه في هذا العمل نتيجة شغفه بالكيمياء الذي نما في المرحلة الثانوية، ودفعه قُدمًا خلال دراسته الجامعية؛ حيث حصل على شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في الهندسة الكيميائية. انضم إلى المعهد (KISR) في العام 2010، وشجعه المعهد على متابعة دراسة الدكتوراه في جامعة نيوكاسل Newcastle University في المملكة المتحدة؛ حيث ركز على فصل الغازات باستخدام الأغشية. بعد عودته إلى الكويت، أنشأ مختبرًا في المعهد (KISR) لتطوير هذه التكنولوجيا، وإجراء عمليات محاكاةٍ. تُستخدَم وحدات الأغشية التي أسهم في اختبارها – حاليًا – في مصافي النفط الكويتية؛ حيث تستخلص الهيدروجين من الغازات المتدفقة. يطمح الدكتور القهيم – مستقبلًا – إلى دفع هذه التكنولوجيا إلى مراحل الإنتاج الأولية، أي إلى فوهة البئر، ولحظة خروج الغاز من باطن الأرض.
صُمِّمَت أغشيته لتحل محل عمليات المعالجة التقليدية التي تعتمد عليها مراكز تجميع الغاز في الكويت، أو لتكمّلَها. والآن، تُعالِج هذه المراكز الغاز الحامض عادةً، من خلال عملية تنقية الأمينات Amine scrubbing، وهي عمليةٌ كيميائيةٌ يُغسَل فيها الغاز بمذيبٍ يمتص كبريتيد الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون. إضافةً إلى ذلك، يُمرَّر الغاز عبر مجففٍ حاوٍ لمواد كيميائية تلتصق بجزيئات الماء – كأنه إسفنجٌ جزيئي – مما يُزيل الرطوبة من الغاز قبل أن يُكوِّن أحماضًا أكَّالةً في الأنابيب.
تستهلك هذه العمليات مقدارًا كبيرًا من الطاقة، وتتطلب منشآتٍ ضخمةً، وتنتج تياراتٍ من النفايات السامة السائلة والصلبة التي تجب إدارتُها والتخلُّص منها بعنايةٍ. كما أنها تستغرق وقتًا طويلًا ورأس مالٍ كبيرًا لإنشائها.
في المقابل، تتميز الأغشية بصغر حجمها، ويمكن إدماجها بسهولةٍ في المنشآت القائمة، ولا تتطلب الأغشية – في حد ذاتها – إلا قدرًا صغيرًا من الصيانة، كما تعمل هذه الأغشية دون استخدام مذيباتٍ كيميائيةٍ، ومن ثَمَّ فهي لا تنتج أي نفاياتٍ سامة سائلةٍ أو صلبةٍ. وقال الدكتور القهيم: «إنها صديقةٌ للبيئة، ولا تسبب الأغشية أي ضررٍ». وتوصل القهيم إلى أن استخدام الأغشية يمكن أن يكون مربحًا للمصفاة من خلال إعادة تدوير الهيدروجين من وحدة المعالجة الهيدروجينية بدلًا من إنتاج تيار هيدروجين جديد، وقد بلغت فترة استرداد تكلفة الأغشية أربعة أشهر فقط، ولهذا السبب، تم تركيب وحدة الأغشية بالفعل في الكويت.
على الرغم من الفوائد التي يوفرها الغشاء، لا تزال هناك بعض التحديات؛ فبسبب تصنيعها من مواد بوليمرية – وهي في الأساس بلاستيك – لا تتحمل درجات حرارة تتجاوز 80°س تقريبًا. كما أنها تواجه صعوبةً بالعمل تحت ضغط عالٍ جدًّا (أعلى من 170 ضغط جوي)، لذلك يتطلب – في بعض الحالات – تبريد تيار الغاز أو/و تقليل الضغط مسبقًا قبل وصوله إلى الغشاء. لكن فريقه يعمل على براءة اختراعٍ لرفع حدود تحملها.
بفضل قدراتها على الترشيح الجزيئي، قد تُسهم هذه الأغشية في الحد من التغيُّر المُناخي Climate change. وقد تعهدت الكويت بتحقيق هدف صافي انبعاثات كربون صفرية Zero carbon emission، بحلول العام 2050، مع سعيها إلى رفع طاقتها الإنتاجية من النفط إلى نحو 4 ملايين برميل يوميًّا بحلول منتصف العقد القادم، وزيادة إنتاج الغاز زيادةً كبيرةً بحلول العام 2040. وأوضح الدكتور القهيم أن الأساليب التقليدية لا تكفي وحدها لتحقيق هدف الكويت المتمثل في صافي انبعاثات صفري بحلول العام 2050، مضيفًا: «علينا توظيف التكنولوجيا الحديثة».
سعى جاهدًا إلى تطوير هذه الأغشية لالتقاط ثاني أكسيد الكربون، وهذا الغاز هو المسؤول الأكبر عن التغيُّر المُناخي. تقنيًّا، صار التقاط ثاني أكسيد الكربون باستخدام الأغشية ممكنًا بالفعل، لكنه أقرّ بأن التكاليف لا تزال باهظةً بدرجةٍ تحول دون تطبيقها. وأضاف: «هذا أحد التحديات التي نسعى إلى التغلب عليها».
يختبر فريقه حاليًا تجارب على بدائل مستدامةٍ لإنتاج الأغشية؛ فبدلًا من تصنيعها من البوليمرات المشتقة من البترول – وهو المصدر المُعتمَد حاليًا – يدرس الدكتور القهيم، على سبيل المثال، استخدام قشور جوز الهند وقصب السكر التي يمكن طحنها إلى مسحوقٍ ومن ثم تسخينها لصنع الأغشية، توفر هذه الأغشية الكربونية الحيوية أداءً أفضل في الفصل وعمرًا أطول، مما سيقلل من التكلفة التشغيلة.
إذا نجحت هذه التقنية، فقد تُواجَه في نهاية المطاف العمليةُ الكيميائية القديمة التي ملأت نفط الكويت بالكبريت باستخدام غشاءٍ مصنوعٍ من نباتٍ ينمو في الحرارة الاستوائية نفسها التي كانت تُدفئ بحر الكويت في عصور ما قبل التاريخ. لكن الدكتور القهيم يُدرك أن هذه التكنولوجيا يجب أن تكون مُجديةً اقتصاديًا، وإلا فلن يتقدم هذا القطاع.