Oloomصحة

ما الذي تفعله الجزيئات البلاستيكية الدقيقة داخل أجسامنا: بين الحقائق العلمية والمبالغات الشائعة

تتسلل الجزيئات البلاستيكية الدقيقة إلى كل زاوية من عالمنا، من مياه الشرب إلى الهواء الذي نتنفسه، بل وحتى إلى أنسجة أجسامنا. ومع تزايد الدراسات التي تكشف عن وجودها في أماكن لم نتخيلها، يتصاعد القلق من تأثيرها المحتمل على صحتنا. لكن هذه المخاوف تخضع حاليًا لتدقيق علمي صارم. وتستعرض تشيلسي وايت أحدث ما توصّل إليه الباحثون لتبيان ما إذا كانت هذه الجزيئات تمثل خطرًا حقيقيًّا أم أن الذعر المحيط بها أكبر من حجمها.

بقلم  تشيلسي وايت

لنبدأ من حقيقة بسيطة لا لبس فيها: نحن لا نبتلع ما يعادل بطاقة ائتمان من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة كل أسبوع، مهما قيل. على الأقل، لا يحدث هذا ضمن نظام غذائي بشري عادي. لكن هذا الادعاء الشائع أثار موجة من القلق، خصوصًا بعد توالي الدراسات التي وجدت جزيئات بلاستيكية دقيقة في كل مكان، من أعلى الجبال إلى أعمق خنادق المحيطات، وفي أبعد المناطق القطبية، وكذلك في أنسجة القلب والكبد والكلى، وفي حليب الأم، وفي مجرى الدم؛ فإذا كانت موجودة في كل مكان، وتُظهر بعض الدراسات أنها قد تُحدث شكلًا من أشكال الضرر، فهل يعني ذلك أننا أمام خطر كبير؟ لا، ليس بالضرورة.
السبب في انتشار الجزيئات البلاستيكية الدقيقة على هذا النطاق الواسع هو أن البلاستيك نفسه ابتكار ثوري أحدث تغييرًا في علم المواد؛ فقد أدّى ظهور أول بلاستيك صناعي، وهو الباكليت Bakelite، في أوائل القرن العشرين، إلى عصر جديد من المواد المصنَّعة وفق الحاجة، بدلًا من الاعتماد على الموارد الطبيعية. ومع تطور البلاستيك ليصير أرق وأرخص، انتشر في كل مكان، مُحدِثًا ثورة في تغليف الطعام والإلكترونيات والأجهزة الطبية… وغيرها. لكن مقاومته للتحلل لها ثمن؛ فجزيئاته الدقيقة تتسرب إلى البيئة منذ أكثر من مائة عام، وتبقى فيها فترات طويلة، ولهذا نجدها تتسلل إلى أنسجة الحيوانات، ومجرى دمها عبر السلسلة الغذائية، وهذا لا يستثني الإنسان، وفي كثير من المواد التي نستهلكها مثل الملح والبيرة ومياه الشرب.
نعم، من المرجَّح أن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة موجودة في جسم كل فرد منا، لكن لا داعي للذعر. فعند التفكير في أي ملوث داخل الجسم، يجب النظر إلى عدة عوامل. أولها الحجم، وهو متباين جدًّا في حالة الجزيئات البلاستيكية الدقيقة. ثم الجرعة التي يمكن أن تُظهر أي تأثير. وأخيرًا، إن كان هذا التأثير ضارًا بالفعل. وبما أن كثيرًا من الدراسات تُجرى على الحيوانات، علينا أيضًا أن نتساءل إذا كانت نتائجها تنطبق على الإنسان العادي.

 

ادعاء بطاقة الائتمان

فيما يتعلق بالجزيئات البلاستيكية الدقيقة، اعتمدت كثير من العناوين المثيرة للقلق، خلال السنوات الماضية، على دراسات لم تحدِّد حجم الجزيئات بوضوح، أو استخدمت جرعات ضخمة لا تعكس الواقع اليومي.
أما الادعاء الأكثر انتشارًا فهو أن الشخص العادي يبتلع ما يصل إلى خمسة غرامات من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة أسبوعيًّا، أي ما يعادل الكمية اللازمة لصنع بطاقة ائتمان. وقد استند هذا الادعاء إلى دراسة نُشرت في العام 2019، اعتمدت حسابات غير دقيقة، وهو ادعاء غير صحيح إلا إذا كان أحد ما يتبع طريقة غريبة جدًّا في الحد من إنفاقه.

 

أظهرت إحدى الدراسات أن معظم سكان العالم يبتلعون 0.0041 ملليغرام فقط أسبوعيًّا، وهي كمية تقل عن حبة ملح واحدة

موّل الصندوق العالمي للطبيعة World Wildlife Fund، بالتعاون مع جامعة نيوكاسل University of Newcastle، هذه الدراسة التي جمعت نتائج تسع وخمسين دراسة سابقة تناولت الجزيئات البلاستيكية الدقيقة في الطعام والماء. وكانت المشكلة أن بعض تلك الدراسات قاس عدد الجزيئات فقط، بينما قاس بعضها الآخر كتلتها، وهو ما اضطر الباحثين إلى الاعتماد على التقدير للمقارنة بين النوعين؛ فهم مثلًا قدّروا كتلة الجزيئات الموجودة في مياه الشرب؛ باستخدام قياسات مأخوذة من مياه المحيط مع عدد الجزيئات في كل لتر من مياه الشرب. لكن الجزيئات الموجودة في المحيط ليست بالضرورة مماثلة لتلك الموجودة في المياه التي نشربها؛ فإذا كان متوسط حجم الجزيئات في المحيط أكبر بكثير فإن الحساب النهائي سيبدو أعلى مما هو عليه في الواقع. وقد أكدت دراسات لاحقة حللت البيانات ذاتها أن التقديرات كان مبالغًا فيها.
لذلك، فنحن لا نستهلك خمسة غرامات من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة أسبوعيًّا، بل من المرجح أن الكمية التي تدخل إلى أجسامنا أقل من ذلك بكثير؛ فقد وجدت إحدى الدراسات أن معظم سكان العالم يبتلعون 0.0041 ملليغرام فقط أسبوعيًّا، وهي كمية تقل عن حبة ملح. وبهذا المعدل سيحتاج الإنسان إلى أكثر من 1.2 مليون أسبوع، أي أكثر من 23,000 عام ليصل إلى ما يعادل كتلة بطاقة ائتمان من البلاستيك. ومن ثم، لا يدعو هذا الرقم وحده إلى القلق.
وأجرى الباحثون أنفسهم محاكاة تشير إلى أن متوسط ما يتراكم لدى كل شخص، طوال حياته، يبلغ 12.2 ملليغرام من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة، لكن الجسم لا يمتص منها سوى 41 نانوغرامًا فقط.
وقد نُشرت، في مطلع العام 2026، معلومات مثيرة للقلق، تتعلق بجودة الدراسات التي تقيس كمية الجزيئات البلاستيكية الدقيقة في الجسم؛ فبعض الدراسات تعتمد على تبخير عينات الأنسجة، ثم تحليل الأبخرة؛ للكشف عن وجود الجزيئات، لكن تبخير الدهون قد ينتج جزيئات مشابهة؛ ما يؤدي إلى نتائج إيجابية خاطئة.

 

ماذا تفعل الجزيئات البلاستيكية الدقيقة داخل الجسم؟

كل ما سبق يتعلق بالكمية التي نستهلكها من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة، أما تأثيرها الفعلي فيبقى سؤالًا آخر لا نملك إجابات حاسمة بعد عنه؛ فبعض الأدلة تشير إلى تغيرات سلوكية والتهابات لدى الفئران التي تعرضت للجزيئات البلاستيكية الدقيقة، لكن أعلى جرعة أُعطِيت لتلك الفئران بلغت غرامًا واحدًا يوميًّا، وهي جرعة هائلة نسبيًّا قياسًا إلى جسم الإنسان، فضلًا على الفأر. وفي دراسة على الخنازير استُخدم فيها غرام واحد أسبوعيًّا، وجد الباحثون أن التعرض للجزيئات أثَّر في التعبير الجيني لستة وثمانين جينًا، وأدى إلى إجهاد تأكسدي في البنكرياس، يحدث عندما لا تتوافر مضادات أكسدة كافية للتخلص من الجزيئات غير المستقرة التي تسبب تلف الخلايا. لكن هذه الجرعات بعيدة تماما عن الواقع؛
ففي العام 2022، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن معظم الدراسات على الحيوانات تستخدم تركيزات أعلى بكثير مما يتعرض له البشر عادة، أو تستخدم جزيئات أكبر من أن يمتصها الجسم البشري. كما لاحظ التقرير أن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة تنتقل بين أعضاء الإنسان بطريقة تختلف عن انتقالها في القوارض، وهو ما يجعل تعميم النتائج على البشر أمرًا صعبًا.
توجد دراسات أولية على البشر، وقد أظهرت دراسة حديثة أن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة يمكن أن تتراكم في اللويحات مع الدهون والكوليسترول وخلايا الدم. وقد لاحظ الباحثون ارتفاعًا في معدلات النوبات القلبية والسكتات الدماغية لدى الأشخاص الذين وُجدت لديهم هذه اللويحات المشبعة بالبلاستيك، لكن ما يمكن قوله هو وجود ارتباط فقط، وليس أن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة هي السبب المباشر لهذه النتائج.
إن فهم ما تفعله الجزيئات البلاستيكية الدقيقة داخل أجسامنا مسألة معقدة؛ فهي تحتوي على مواد كيميائية قد تعطِّل بعض العمليات الحيوية، لكن عند تقييم المخاطر لا يمكن افتراض أن هذه المواد تتسرب بالكامل إلى الجسم فور دخولها؛ فقد أظهرت الأبحاث أن افتراض معدل تسرب متوسط في الأمعاء يؤدي إلى زيادات ضئيلة جدًّا في تركيز المواد الكيميائية في الأنسجة المحيطة. وهذه المواد الكيميائية لا تتراكم بالضرورة مع مرور الوقت؛ إذ يمكن أن تتسرب من الأنسجة وتُطرَح خارج الجسم مع الفضلات.
عدا عن ذلك، أُثيرت مخاوف من احتمال دخول سموم أخرى مرتبطة بالجزيئات البلاستيكية الدقيقة إلى الجسم، أو تأثيرها في الاستجابات المناعية، أو تسببها في تلف الخلايا أو حدوث التهاب. لكن هل تُحدث هذه التأثيرات بدرجة تفوق ما تسببه أنواع أخرى من تلوث الهواء، أو التعرض للشمس، أو الإفراط في تناول السكر، أو الإصابة بنزلة برد؟ نحن ببساطة لا نعرف بعد.
من الطبيعي أن يبدو احتمال خطورة الجزيئات البلاستيكية الدقيقة على صحتنا أمرًا مقلقَا. ومن المهم معرفة إذا كانت تشكل خطرًا حقيقيًّا؛ فهذا الموضوع يعزز شعورنا المتزايد بالتشاؤم بشأن التلوث المحيط بنا. وعدم تناول كمية تعادل بطاقة ائتمان أسبوعيًّا لا يعني أن المخاوف الأساسية غير مبررة. لكن هذا المجال البحثي مازال في بداياته، ولا نملك حتى الآن بيانات صارمة عن تأثير الجزيئات البلاستيكية الدقيقة في الجسم، ولهذا فإن القلق بشأن أمور أخرى قد يكون أجدى إلى أن تتوافر نتائج بحثية حاسمة بشأن تأثير هذه الجزيئات.

© 2026, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى