
بقلم أبريل ريس
بين تلال شمال البرتغال المتموجة؛ حيث تنتشر القلاع كما تنتشر الكنائس، تخوض مدينة غيمارايش Guimarães تجربة طموحًا قد يطال تأثيرها العالم بمجمله. وبحماس يذكّر بنضال المدينة في القرن الثاني عشر، والذي انتهى بحصول البرتغال على استقلالها عن مملكة ليون، يتعاون أعضاء مجلسها البلدي مع علماء الاستدامة لإحداث تحول جديد في المنطقة.
وفي وقت يشعر فيه كثيرون منا بأنهم مجرد متفرجين عاجزين أمام تفاقم الأزمات البيئية، يُظهر التحول الأخضر في غيمارايش كيف يمكن العيش ضمن حدود إمكانات الكوكب الأساسية، مع ضمان جودة الحياة للجميع، وعلى مستوى مريح. يقول عالم الأحياء كارلوس ريبيرو Carlos Ribeiro، رئيس مختبر المناظر الطبيعية Landscape Laboratory، وهو مركز بحثي وتعليمي أُنشئ لتعزيز هذه التحولات الواسعة في المدينة: «جوهر نهجنا هو ضمان العدالة الاجتماعية، ومبدأ عدم حرمان أحد من جودة الحياة».
قد تبدو مثل هذه التطلعات مثالية، لكن وراء خطط غيمارايش حسابات دقيقة تخالف الاعتقاد السائد، وتقترح إمكان أن يعيش سكان العالم جميعًا ضمن توازن دقيق بين رفاهيتهم ورفاهية الأرض. بل إن الأمرين مترابطان. غير أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب تحولات جذرية في النظم الاقتصادية، وفي نظرة كثيرين إلى ما يُعدّ كمالياتٍ، وما يُعدّ ضروراتٍ. فهل يمكن تحقيق ذلك من دون تقييد الحريات الشخصية؟ ومن يملك في النهاية تحديد ما يكفي للعيش الكريم؟
طُرحت فكرة توفير مساحة تشغيل آمنة يجب على البشرية أن تجد سبيلًا للعيش ضمنها، لأول مرة، في العام 2009، في ورقة بحثية رائدة أعدها عالم نظام الأرض يوهان روكستروم Johan Rockström، من جامعة بوتسدام University of Potsdam في ألمانيا، وزملاؤه. وقد حدد الباحثون تسعة حدود كوكبية – وهي حدود لظواهر مثل تغيُّر المناخ، وتحمض المحيطات، وتغيُّر النظام الأرضي – إذا تجاوزناها سنُحدث خللًا في الظروف المستقرة التي سمحت للبشرية بالازدهار طوال 12,000 (اثني عشر ألف) عام.
وقد تجاوزت البشرية الآن سبعة من هذه الحدود، ويعود ذلك – في أكثر الأحيان – إلى ما نستهلكه، وسرعة استهلاكنا له. مثلًا، ازداد إجمالي استهلاك المياه المنزلية ستة أضعاف خلال الخمسين عامًا الماضية، بمعدل أسرع من الزيادة المُسجَّلة في الزراعة أو الصناعة. كما تضاعف استخراج الموارد الطبيعية واستهلاك الطاقة ثلاث مرات خلال فترة مماثلة.
نحاول تصميم مدينة من أجل تحسين جودة الحياة فيها، ومن أجل أن يحصل الناس على عيش كريم.
ويمثل جزء من هذا الاستهلاك المتزايد عنصرًا حيويًّا لانتشال الدول ذات الدخل المنخفض، والمجتمعات الأشد فقرًا في الدول الأكثر ثراءً، من براثن الفقر، لكن هذا النمو لا يحدث في الأماكن التي تحتاج إليه لتحقيق هذا الهدف؛ ففي دراسة نُشِرت في العام 2025، حلّل عالم الاستدامة جول ميلوارد-هوبكنز Joel Millward-Hopkins، من جامعة لوزان University of Lausanne في سويسرا، وزملاؤه الاتجاهات الوطنية في استخدام الطاقة والمواد حول العالم. وقسَّم الفريق الدول إلى فئتين: دول تملك ما يكفي من الطاقة والموارد لتوفير «مستويات معيشية كريمة»، وهو حد أدنى للرفاه يعتمد على تلبية احتياجات أساسية، مثل: التغذية والسكن، مع هامش لمعالجة عدم المساواة؛ ودول تملك أكثر من ذلك بكثير.
وكما هو متوقع، تستهلك الدول ذات الدخل المرتفع موارد أكثر بكثير من الدول ذات الدخل المنخفض؛ لكن ما يثير القلق هو أن الفريق وجد أن هذا الاتجاه يتفاقم؛ فقد كان معدل نمو الاستهلاك أعلى بأربع مرات في الدول التي تعاني فائضًا في الاستهلاك. وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فلن تتحقق مستويات المعيشة الكريمة في الدول ذات الدخل المنخفض قبل نهاية القرن، وفي الوقت نفسه ستتفاقم الضغوط البيئية الناجمة عن الإفراط في الاستهلاك. ومن ثم، يقول ميلوارد-هوبكنز: «إننا نخاطر بتدمير كوكب الأرض».
في مواجهة هذه الحقائق المادية، وسَّع علماء الاستدامة – في السنوات الأخيرة – نطاق عملهم ليشمل مبادئ العدالة والاكتفاء. تقوم الفكرة على أنه فوق مستوى معين، حين تُلبَّى الاحتياجات الأساسية، ويملك الفرد ما يكفي للعيش المريح، يتضاءل تأثير الثروة الإضافية في الرفاه؛ ما يؤدي إلى ما يسميه ميلوارد-هوبكنز «الإفراط غير الضروري في الاستهلاك»؛ لذلك – من خلال وضع سقف معقول للاستهلاك – يُؤمَل أن نسير جميعًا ضمن «ممر استهلاكي» Consumption corridor يضمن مستوى معيشيًّا لائقا للجميع، من دون تجاوز حدود إمكانات الكوكب.
العيش ضمن حدود الكوكب
في أوروبا، وبفضل رئيس بلديتها المهتم بالبيئة، صارت غيمارايش، نموذجًا رائدًا في هذا المسار. يقول ريبيرو: «نحاول تصميم مدينة من أجل تحسين جودة الحياة فيها، ومن أجل أن يحصل الناس على عيش كريم». قبل نحو عشر سنوات أجرت عالمة الاستدامة سارة بيريس Sara Pires، من جامعة أفيرو University of Aveiro بالبرتغال، وزملاؤها تحليلًا محوريًّا لبصمة غيمارايش البيئية؛ فأظهر التقييم أنه لو عاش جميع سكان العالم كما يعيش سكان المدينة، لاحتجنا إلى موارد تعادل نحو 2.3 ضعف ما يمكن أن يوفره كوكب الأرض، وهو رقم يفوق بكثير متوسط الاستهلاك العالمي البالغ 1.7 مرة موارد الأرض. وقد دفعت هذه النتائج قادة المدينة إلى السعي لجعل غيمارايش، بحلول العام 2050 «مدينة الكوكب الواحد» One Planet City، وهو تصنيف رسمي وضعته شركة الاستشارات البيئية بيوريجيونال Bioregional ، والصندوق العالمي للطبيعة World Wildlife Fund. ومنذ ذلك الحين، أدمج المجلس مبدأي الاكتفاء والاستدامة في جميع قراراته. وتعرب بيريس عن إعجابها بقولها: «لديهم قدرة مذهلة على التغيير».
يستثمر المجلس ملايين اليوروات في جهود تقليل استهلاك موارد المدينة. بعض هذه التغييرات بسيط، بدءًا من شاحنات جمع النفايات القابلة لإعادة التدوير التي تجوب الشوارع المرصوفة بالحصى، وقد كُتبت عليها عبارة «إعادة التدوير توفر المال»، في إشارة إلى نظام جمع النفايات الذي يحمل اسم «ادفع بقدر ما ترمي»، ويفرض رسومًا على السكان متناسبة مع وزن مخلفاتهم. كما تُقام معارض دورية لتصليح الأجهزة لتشجيع الناس على إطالة عمر الأجهزة الإلكترونية وغيرها من السلع، بدلًا من التخلص منها. ولدى غيمارايش حاليًا مؤشر دائري للنفايات Waste circularity index يقيس مدى فعالية الاقتصاد في إعادة استخدام المواد وتدويرها واستعادتها، يفوق متوسط ما هو عليه في عموم البرتغال 2.5 مرة.
إضافة إلى ذلك، تُجرى تغييرات جوهرية لدمج اقتصاد المدينة في ممر استهلاكي. كما تعمل غيمارايش على تطوير اقتصاد دائري Circular economy، وهو نموذج اقتصادي مُصمَّم لإعادة استخدام الموارد باستمرار، انطلاقًا من صناعة النسيج التي اشتهرت بها تاريخيًّا، تعود إلى العصور الوسطى؛ لكنها تراجعت في العقود الأخيرة بسبب المنافسة الخارجية. وتعيد شركات، مثل شركة النسيج RDD Textiles، وشركة الأحذية Zouri shoes، تنظيم هذه الصناعة في قالب أكثر استدامة، من خلال استخدام مواد مُعَاد تدويرها، وأصباغ طبيعية لإنتاج منتجات عالية الجودة، يقبل بعض المستهلكين دفع ثمن أعلى مقابلها. ويُستعاد أكثر من 20 طنًّا من المنسوجات سنويًّا في جميع أنحاء المدينة عبر هذا النهج.

ويقع مختبر غيمارايش للمناظر الطبيعية في قلب هذه الصناعة نفسها، في مبنى داخل مصنع قديم للنسيج وأدوات المائدة، بجوار مجرى مائي رُمِم جزئيًّا، وتسبح في مياهه الصافية أسماك الشوب الأيبيري Iberian chub، وسمك الناز الشمالي ذو الفم المستقيم Northern Straight-mouth nase، وأنواع أخرى من الأسماك المحلية. أنشأت المدينة هذا المختبر في العام 2014، بالتعاون مع جامعة مينيو University of Minho، وجامعة تراس أوس مونتيس إي ألتو دورو University of Trás-os-Montes e Alto Douro، لإجراء أبحاث تهدف إلى تحسين جودة حياة السكان، مع تقليل الأثر البيئي للمدينة. مثلًا، رمَّمَ المختبر، بالتعاون مع المدينة وشركات محلية، نحو 95 هكتارًا من المساحات الخضراء منذ العام 2012. أما المرج الشاسع المحيط بقلعة غيمارايش التي بُنِيت في القرن العاشر لحماية دير للرهبان من النورمان والمور، فقد تحول الآن إلى مرج ترويه مياه الأمطار، فيما تربط شبكة من الممرات الخضراء أجزاء متباعدة من المدينة.
إلى جانب الفوائد الصحية التي توفرها المساحات الخضراء الطبيعية في أنحاء المدينة، وقيمة توفير موائل للحياة البرية، تهدف هذه التغييرات أيضًا إلى الحد من الاستهلاك؛ فقد وجدت دراسة نُشرت في العام 2020، بقيادة عالم النفس البيئي يانيك جوي Yannick Joye من جامعة فيلنيوس Vilnius University في ليتوانيا، أنه عندما وُجَّه انتباه المشاركين نحو العناصر الطبيعية في بيئتهم، تراجعت أهمية القيم المادية لديهم. كما أن تبريد الجزر الحرارية الحضرية، من خلال الترميم البيئي، يقلل مباشرة من الحاجة إلى أجهزة تكييف الهواء المستهلِكة للطاقة، في حين تشجع الممرات الخضراء على المشي وركوب الدراجات، وهو ما يدعم بدوره الاقتصادات المحلية الدائرية.
والأهم من ذلك أن هذه الاستراتيجيات المستندة إلى الطبيعة توفر أيضًا حماية من موجات الحر الشديدة، والفيضانات التي ازدادت حدة وتواترًا في المدينة بسبب تغيُّر المناخ. وقد أُنشئت أحواض لاحتجاز مياه الفيضانات، تجمع بين الأراضي الرطبة والمروج والجدران الاستنادية، قبل بضع سنوات. وفي يناير 2026، ضربت سلسلة من العواصف العنيفة البرتغال، وأسفرت الفيضانات عن قتل 16 شخصًا على الأقل، وأجبرت الآلاف على إخلاء منازلهم، لكن في غيمارايش تمكنت هذه الأحواض من احتواء المياه.
ولكن حجم وسرعة التغييرات المطلوبة للحد من تجاوزنا حدود الكوكب قد يواجهان مقاومة من المجتمعات المحلية. وللتخفيف من ذلك، يستعين المختبر بمشاركة المجتمع، مانحًا السكان حرية اختيار الإجراءات التي يرغبون في تنفيذها. ويقول ريبيرو إن دعوة حديثة لتقديم أفكار لمشاريع وأنشطة حصدت 200 اقتراح، يجري تنفيذ 150 منها حاليًا، مثل إنشاء مسارات جديدة، وعروض واحتفالات في المساحات المفتوحة. ويضيف أن الوعي البيئي يمثل أيضًا جوهر عمل المختبر؛ إذ يُلهم «فرقًا خضراء» من المتطوعين الذين ينظمون حملات تنظيف، ويزرعون الأشجار، ويجرون مسوحات للتنوع البيولوجي.
وخلال أسبوع البيئة، في شهر يونيو 2026، الذي أُقيم في ساحة ظليلة بوسط المدينة، يتذكر ريبيرو سروره لرؤية آلاف السكان، من الجدات إلى الأطفال الصغار، يبدعون أعمالًا فنية مستوحاة من الطبيعة، ويتعرفون على طرق الترميم البيئي التي تعزز الأمان في المدينة. ويصف شعور الفخر المجتمعي الذي تبلور حول التحول الأخضر للمدينة. يقول: «مهم جدًّا تعزيز هذا الشعور بالانتماء، والشعور بالهوية. إنه نهج مختلف لتغيير بعض طرق التفكير».
يمكن توفير كل هذه الأمور للجميع من دون تجاوز الحدود البيئية، إذا استطعنا توجيه جهودنا نحو الأمور المهمة، لا نحو ما يحقق الربح فقط.
نقاط تحوُّل
يصف عالم أنظمة الأرض تيم لينتون Tim Lenton، من جامعة إكستر University of Exeter بالمملكة المتحدة، تحولات كهذه بأنها نقاط تحول اجتماعية Social tipping points: عندما تُحفِّز التغيرات في المواقف والسلوكيات تحولًا أكبر بكثير، يكون في أكثر الأحيان سريعًا، ويتسم بالاستدامة الذاتية، في المجتمع أو النظام.
وعندما يتعلق الأمر بوضع سقف للاستهلاك، فإن أحد التحولات الحيوية، في مواقف المجتمع، هو ما يصنفه كماليات، وما يعدّه ضرورات. وتشير الجهود المبذولة في غيمارايش إلى إمكان تحقيق بعض هذه التحولات بصورة طبيعية، بدلًا من اللجوء إلى سياسات قسرية. تقول ساندرا فريتاس Sandra Freitas، وهي من سكان غيمارايش، وتدير مقهى نباتيًّا في المدينة: «لسنا في حاجة إلى كميات كبيرة من الطعام في مجمداتنا، أو كثير من المال في جيوبنا، ولسنا في حاجة إلى امتلاك عشر سيارات». وتضيف أنها لاحظت كيف ازداد شعور سكان المدينة بالفخر على مر السنين، قائلة: «نعمل على تحسين الوضع عامًا بعد عام».
ومع ذلك، تشير الأدلة إلى أن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي؛ فحتى التمسك بالقيم البيئية لا يبدو أنه يُحدِث فرقًا يُذكَر في البصمة البيئية لأصحاب الثروات الكبيرة. وقد وجدت دراسة حديثة، خلافًا للتوقعات، أن أكبر الأثرياء الذين يمثلون %30 من السكان، والذين هم من أكثر المهتمين بالبيئة، لديهم بصمة بيئية أكبر من غيرهم.
ويقول ميلوارد-هوبكنز إن الثروة الطائلة تعزل الناس عن الضغوط الاقتصادية التي قد تُغيِّر سلوكهم. ويتذكر أنه شهد ذلك بنفسه خلال رحلة بالدراجة، بعد فترة وجيزة من بدء الحرب الروسية – الأوكرانية، والارتفاع الكبير في أسعار الوقود. يقول: «تجاوزني موكب من السيارات الفارهة، يقود كل منها رجل واحد في منتصف العمر… أسعار الوقود قلما تكون عاملًا في تغيير سلوك الأثرياء، بمعنى أنهم، على عكس الفقراء، لا يتأثر استهلاكهم بارتفاع أسعار الوقود».
ومع ذلك، يرى ميلوارد-هوبكنز أن لدى المستويات المتوسطة من أصحاب الثروة، يمكن بسهولة معالجة أي شعور بالخسارة ناتج عن تقييد الاستهلاك المادي. ويقول: «يمكن تعويض أي تخفيضات في الاستهلاك يضطر الناس العاديون في أوروبا أو أمريكا الشمالية إليها، بل وأكثر من ذلك، من خلال توفير ما يُحسّن حياتهم فعلًا، مثل مجانية الرعاية الصحية والتعليم؛ والأسعار المقبولة للأغذية الصحية؛ والرضا عن العمل؛ والسكن الآمن من دون خطر الإخلاء أو ارتفاع أقساط الرهن العقاري… يمكن توفير كل هذه الأمور للجميع من دون تجاوز الحدود البيئية، إذا استطعنا توجيه جهودنا نحو الأمور المهمة، وليس فقط ما يحقق الربح».
قد يبدو هذا ضربًا من الخيال، لكن الحسابات الحديثة تُظهر أن في استطاعتنا جميعًا، من حيث المبدأ، أن نعيش حياة كريمة ضمن حدود موارد الأرض؛ ففي يونيو 2026، نشر مختبر عدم المساواة العالمي World Inequality Lab تقريره عن العدالة العالمية Global Justice Report الذي يجادل بأنه من خلال تبني مبدأ الاكتفاء، وإعادة هيكلة اقتصاداتنا، بما يتماشى مع المصادر الحقيقية لرفاهية الإنسان، يمكننا تجنب الانهيار المناخي.
ويرتكز التقرير على فرض ضريبة عالمية على ثروة أصحاب المليارات، تُسهم في تمويل التحول إلى مصادر طاقة أنظف، وزيادة الإنفاق بشكل كبير على التعليم والرعاية الصحية، بما يحوِّل الاستثمارات بعيدًا عن الأنشطة التي تتطلب استهلاكًا كثيفًا للموارد. تقول كورنيليا مورين Cornelia Mohren، المنسقة البيئية من مختبر عدم المساواة العالمي: «أزمة المناخ وعدم المساواة مرتبطان ارتباطًا وثيقًا… ونحن على اقتناع بضرورة محاسبة من تسببوا في أزمة المناخ، وهم أثرياء العالم».
ويدعو تقرير العدالة العالمية أيضًا إلى تقليل ساعات العمل، وإجراء تغييرات في الأنظمة الغذائية لخفض الاستهلاك. وعلى الرغم من هذه التعديلات الكبيرة، يشير التقرير إلى إمكان رفع متوسط دخل الفرد في جميع البلدان إلى نحو 5,000 (خمسة آلاف) يورو شهريًّا بحلول نهاية القرن. وتقرُّ مورين بأن التقرير يتسم بشيء من المثالية، فهو أقرب إلى رؤية منه إلى وصفة للعمل. وتقول: «تمثلت الفكرة في نسج قصة جديدة عن مستقبل ممكن».
كما أن مسيرة غيمارايش ذاتها نحو العيش ضمن حدود الكوكب قد تعثرت، ولو جزئيًّا بسبب الثراء؛ فالمدينة من بين أغنى مدن البرتغال. وعلى الرغم من المسارات الخضراء الجديدة، وأسطول الحافلات الكهربائية، لايزال كثير من سكانها يفضلون القيادة، حتى في ظل ارتفاع أسعار الوقود؛ فقيادة السيارة – ببساطة – أسهل لكثيرين. يقول ريبيرو: «يكمن التحدي الحقيقي في تغيير السلوكيات».
ومع ذلك، شهدت المدينة، خلال العقد الماضي، تغييرات ملحوظة في مستويات استهلاكها. فخلافًا للاتجاهات العالمية، خفَّضت غيمارايش، منذ العام 2018، متوسط كمية النفايات التي ينتجها الفرد بنسبة %18. وقد طُبِّقت أنظمة إعادة التدوير وتقليل النفايات المدعومة بحوافز نقدية، إضافة إلى جمع النفايات العضوية، في معظم منازل المدينة. كما حوَّل المجلس حيَّ بايرو سي Bairro C في المدينة، وهو موقع مُدرَج على قائمة التراث العالمي لليونسكو UNESCO، إلى ساحة تجريبية لسياسات وتقنيات خالية من الكربون تتيح فرصًا اقتصادية.
وتقديرًا لهذا التقدم، منح الاتحاد الأوروبي غيمارايش لقب العاصمة الأوروبية الخضراء للعام 2026، وزارها مسؤولون من مدن في بلجيكا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا للاستفادة من تجربتها في التحول الأخضر خلال العقد الماضي. أما مختبر المناظر الطبيعية فيشارك خبراته مع صانعي السياسات في البرازيل وبلدان أخرى.
وبغض النظر عن التوجهات السياسية، تبدو الاستدامة والاكتفاء راسخَين مثل جدران المدينة الحجرية التي تعود إلى العصور الوسطى وجسورها الرومانية. وقد أدى رئيس بلدية جديد اليمين في العام 2025، لكن من غير المرجح أن يؤثر هذا التغيير في القيادة في مسار المدينة نحو الاستدامة؛ فقد أعلن المسؤول الجديد دعمه الكامل لهذا العمل، بعد أن دوَّنت الإدارة السابقة التزامات المدينة بالاستدامة في القانون ترسيخًا لمستقبل غيمارايش الأخضر. تقول بيريس: «يكاد يكون من المستحيل أن يأتي رئيس بلدية جديد ويقوِّض ذلك».
© 2026, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC