Oloomفيزياء

نهاية لغزٍ دام خمسين عامًا: هل عُثِر على سائل الغزل الكمومي في الطبيعة؟

بعد عقود من المحاولات المخبرية لتكوين سائل الغزل الكمومي، تشير بلورات نادرة مدفونة في أعماق الأرض إلى أن الطبيعة ربما سبقت العلماء إليه. ويقول أحد الباحثين إنه يملك الدليل على أن هذا الطور الكمومي الغامض يتكوّن بصورة طبيعية داخل المعادن.

بقلم  كارميلا بادافيتش-كالاغان

يمثل المنجم في نظر علماء المعادن دعوة إلى الاستكشاف؛ فالمنجم فتحة انشقت فيها الأرض وكُشفت عروقها، ويأمل من يدخله في العثور على عجائب مجهولة. في سبعينيات القرن الماضي، بعث منجم كالي كافي (قرب بلدة أنارك الإيرانية الصغيرة) مثل هذا الأمل. هناك، بين صخور الصحراء المغبّرة، رأى يواكيم أوتيمان Joachim Otteman، وداريوس أديب Darius Adib توهجًا أزرق يميل إلى الخضرة.
أخذا عينات من المعدن الزجاجي، وحلّلا بنيته في المختبر. ما كانا يعرفانه هو أن هذا النوع الجيولوجي لم يُصنَّف من قبل، فأطلقا عليه اسم أناراكيت Anarakite، وبقي منسيًّا عقودًا. ما لم يكونا يعرفانه هو أن التوهج الزمردي الذي اكتشفاه ربما كان يخفي سرًّا كموميًّا على درجة كبيرة من الأهمية.

 

يحتوي الهيربرتسميثيت على طبقات مسطحة من ذرات النحاس المغناطيسية، تفصل بينها ذرات الزنك غير المغناطيسية

 

لم يكن ما اكتُشف صخرًا عاديًّا؛ فالأناراكيت الذي أُعيدت تسميته لاحقًا هيربرتسميثيت Herbertsmithite، قد يكون نوعًا نادرًا من المادة يُعرف باسم السائل المغزلي الكمومي Quantum spin liquid (اختصارا: السائل QSL). ويُعدّ حدوث هذه الظواهر – على نحو طبيعي – مثار جدل، لكن إن كان الفيزيائيون الذين يفترضون إمكان حدوثها على صواب، فهذا يعني أن الطبيعة تُنشئ حالات بدرجة عالية من التشابك. يعرف الفيزيائيون كيف يولَّد التشابك أيضًا، ولكن بطرق محدودة، مثل تشابك جسيمات الضوء، أو الذرات فائقة البرودة. أما جعل الجسيمات تتشابك داخل كتلة من المادة، فمازال مُتعذَّرًا.
يقترح نشوء معادن، مثل الهيربرتسميثيت، أن التشابك الكمومي قد لا يكون شيئًا نصنعه، بل مكوَّن ينشأ على نحو طبيعي، ويمكننا الاستفادة منه لتحقيق نقلة نوعية في تحسين فاعلية الحواسيب الكمومية.
يقول مايكل نورمان Michael Norman،  من مختبر أرغون الوطني Argonne National Laboratory في إلينوي: «المنظومة كلها تعمل كشبكة متشابكة، كعقل جمعي، وهذا هو السائل المغزلي. وإن كانت الطبيعة تُجيد فعل ذلك أفضل منا، فذلك رائع».
لمن لم يزوروا ذلك المنجم الإيراني، يمكن أن نقول إن قصة السوائل الكمومية المغزلية بدأت في العام 1973، مع عالم فيزياء المادة المكثفة فيليب دبليو أندرسون Philip W. Anderson. لم يكن أندرسون مهتمًا بالمعادن اللامعة، بل كان جالسًا إلى مكتبه، ممسكًا بالقلم والورقة، يدرس المعادلة الرياضية للغزل الكمومي، وهي خاصية لدى الجسيمات الكمومية تجعلها تتصرف كمغناطيسات صغيرة. فالمغناطيسات الكبيرة، مثل تلك التي تلتصق بالثلاجة، تفعل ذلك لأن مغازلها الذرية مقيَّدة وفق نمط محدد. ظنَّ أندرسون أنه ابتكر حالة لا يمكن فيها للمغازل الكمومية أن تُقيَّد بهذا الشكل، وهي حتى عندما تُبرَّد بشدة وتُفرَّغ من الطاقة، تُبقيها التأثيرات الكمومية متذبذبة بين اتجاهات مختلفة. كان أندرسون واضحًا بشأن هذه الحالة الجديدة من المادة، فكتب: «لا بد من الإشارة إلى أننا لا نعرف عنها إلا القليل جدًّا». لم يصل أندرسون إلى الوصفة الرياضية الصحيحة تمامًا لها، لكن المغناطيس المتذبذب – باستمرار – الذي تخيله كان، في الواقع، سائلًا مغزليًّا كموميًّا.

 

استخدام التشابك طبيعي النشوء

ما يميّز السوائل ذات اللف المغزلي الكمومي QSLs هو طريقة ترابط لفّاتها المغزلية عبر التشابك الكمومي. يتشارك جسيمان متشابكان حالة كمومية حساسة لما يحدث لأي منهما. يمكن لتعظيم التشابك أن يدفع المادة إلى طور مختلف؛ يتحول المغناطيس إلى سائل QSL عندما تصير جميع لفّاته غير قابلة للفصل بعضها عن بعض. والعثور على هذا القدر من التشابك، في معدن تكوَّن على نحو طبيعي، أشبه بالعثور على ذهب كمومي.
ذلك لأنه قد يحل إحدى أكبر مشكلات الحواسيب الكمومية؛ فكل حاسوب كمومي يعاني حاليًا أخطاءً متسلسلة. ويمكننا التغلب على ذلك بتوزيع المعلومات التي يعالجها على العديد من مكوِّناته. وهذا يعني عادة إضافة مكونات جديدة، ثم إيجاد طريقة إلى تشبيكها مع أجزاء أخرى من الجهاز؛ لكن إن بدأنا بالسائل QSL فلن نحتاج إلى هندسة التشابك، بل سنتمكن من تسخيره.
هناك العديد من التفاصيل العملية التي يتعين تحديدها لنعرف كيف يمكن تحقيق ذلك، لكن مجرد إمكان تحقيقه ألهم علماءً لاقتراح دراسات نظرية. ومع ذلك، تبقى هناك مشكلة أكبر: هل تتكوَّن السوائل QSLs على نحو طبيعي؟ لقد كان هذا موضع خلاف حاد بين الفيزيائيين. يقول أحد العلماء إن الهيربرتسميثيت جزء أساسي من إثبات وجود هذه السوائل في الطبيعة.
أمضى يونغ لي Young Lee، من مختبر التسارع الوطني في كاليفورنياSLAC National Accelerator Laboratory، حياته المهنية في دراسة الهيربرتسميثيت والمعادن القريبة منه. وهو يقول حاليًا إن فريقه توصّل إلى دليل قاطع على خصائصها الكمومية التي يجري البحث عنها منذ زمن طويل.
يحتوي الهيربرتسميثيت على طبقات مسطحة من ذرات النحاس المغناطيسية، تفصل بينها ذرات الزنك غير المغناطيسية. تشكّل ذرات النحاس نمطًا يُسمى نمط كاغومي Kagome pattern، وهو صفوف من نجوم سداسية مترابطة. في الظروف العادية، تُقلب ذرات النحاس دوران الذرة المجاورة، لكن نمط كاغومي يجعل من المستحيل على الدوران المقلوب أن يستقر؛ إذ لا يمكن للدورانات أن تُثبِّت بعضها في ترتيب ساكن. تُظهر النمذجات الرياضية للدوران في أنماط كاغومي أن بعض مجموعات الدوران يمكن أن تتحرك من دون الحاجة إلى طاقة إضافية، وهو ما يشبه – إلى حد كبير – الاهتزاز المستمر للسائل QSL.
ومن ثَمَّ، وللوهلة الأولى، تبدو احتمالية أن يكون الهيربرتسميثيت سائلًا كموميًّا مغزليًّا يتكوَّن في الطبيعة، وعالي التشابك تحت سطحه الزجاجي، احتمالية جيدة جدًّا. لكن إثبات ذلك – على نحو قاطع، وهو ما أمضى لي سنوات يحاول تحقيقه – مسألة بالغة الصعوبة.
منذ البدايات، مثَّل إثبات أن نمط كاغومي يؤدي دائمًا إلى السائل QSL تحديًا رياضيًّا، وقد أثارت البراهين التقريبية المختلفة خلافات بين المنظّرين، وفق هيتيش تشانغلاني Hitesh Changlani ، من جامعة ولاية فلوريدا Florida State University. وكانت الطريقة الوحيدة لحسم الأمر نهائيًّا هي في المختبر.

 

تصنيع معدن كمومي

هذا ما حققه لي في العام 2007، حين مكّنه إنجاز كيميائي هو وزميل له من تصنيع معدن الهيربرتسميثيت من الصفر. هذا المعدن نادر في الطبيعة، والقدرة على تصنيعه زادت من قدرتهما على التحكم في درجة نقائه. يقول تشانغلاني إن التقارير الأولى عن هذه التجارب أحدثت ضجة كبيرة بين الفيزيائيين. ويقول زي يانغ مينغ Zi Yang Meng، من جامعة هونغ كونغ University of Hong Kong، إنه صار لديهم أخيرا شيء ملموس يقارنون به نظرياتهم.
لكن ظهر نوع جديد من الإشكالات: ما الذي يُقاس تحديدًا لإثبات أن معدنًا ما يحتوي على النوع المناسب من الغرابة الكمومية ليكون سائلًا كموميًّا مغزليًّا؟
أولًا: لا يعرف الفيزيائيون كيف يقيسون التشابك الكمومي مباشرة في قطعة من المادة؛ لذا يستحيل حاليًا رصد إحدى الخصائص المميزة للسائل QSL. تُعدّ التجارب التي تستكشف اتجاه اللف المغزلي خيارَا واعدًا، لكن للوصول إلى نتائج قاطعة، يجب إجراؤها عند درجات حرارة قريبة جدًّا من الصفر المطلق، وهو أمر ممكن، لكنه قد لا يعطي نتائج لا تقبل الشك. يمكننا تبريد المواد إلى درجات منخفضة جدًّا، لكن هناك احتمالًا أن تتخذ اللفات المغزلية ترتيبًا غير متوقع إذا انخفضت حرارتها، ولو قليلًا.

 

كي يُعلن أحدهم أنه وجد، على نحوٍ مؤكد، أول مثالٍ للسائل QSL، فهو يحتاج إلى دليلٍ محكمٍ لا تشوبه شائبة… وفي حال أول اكتشاف من نوعه، فمن الطبيعي أن نضع معايير عاليةً جدًّا

 

تفترض النماذج النظرية أن السوائل QSLs يجب أن تدعم نوعين من الجسيمات الناشئة، هما: السبينونات Spinons، والفيزونات Visons. إذا أمكن التقاط أحدهما أو تصويره، فقد يُثبت ذلك أيضًا حالة المادة كسائل QSL. لكن يبدو أن هذا أيضًا يتجاوز قدرات التجارب الحالية؛ فالسبينونات والفيزونات لا تحمل شحنة كهربائية؛ لذا تعجز التقنيات الإلكترونية التقليدية عن رصدها. ولهذه الأسباب، يصل العديد من الاختبارات التجريبية للسوائل QSLs التي قد تكون موجودة في المادة إلى طريق مسدود.
لكن لي وزملاءه ركّزوا على مسار بحثي واحد قد يكون حاسمًا: تشتت النيوترونات غير المرن Inelastic neutron scattering. في هذه التقنية، يطلق الباحثون نيوترونات على عينات معدنية، ومن خلال طاقة الجسيمات المرتدة عنها وزخمها، يحددون إذا كانت العينة تحتوي على أي سبينونات. في العام 2025، استخدم لي وزملاؤه هذه التقنية على معدن الهيربرتسميثيت ومعدن آخر وثيق الصلة به، يُسمى بارلويت الزنك Zinc barlowite، وهو بلورة لامعة خضراء لها البنية كاغومي. ما توصلوا إليه أقنع لي بأن البحث عن السوائل QSLs وصل إلى مبتغاه.
كان إنجاز هذا العمل رحلة تجريبية شاقة نظرًا إلى أن تصنيع معدن الهيربرتسميثيت في المختبر يستغرق شهورًا؛ فبعد خلط المواد الكيميائية اللازمة، وتسخينها في أنابيب اختبار كوارتزية، كان عليهم الانتظار ما يصل إلى 10 أشهر حتى تنجح التفاعلات الكيميائية في «تنمية» المعدن ببطء. فشلت أكثر من نصف أنابيب الاختبار في إنتاجه، أما تلك التي نجحت فلم تُنتج إلا كميات ضئيلة. واستغرقت عملية تنمية معدن بارلويت الزنك وقتًا مماثلًا، مع صعوبة إضافية تتمثل في أن الخليط الكيميائي الأولي كان يلتهم جدران أنابيب الاختبار، ما اضطر الباحثين إلى ابتكار طريقة لتبطينها بالتفلون Teflon.
كانت البلورات النهائية صغيرة بما يكفي لتوضع على طرف الإصبع. يقول لي: «لا نعرف مدى جودة المادة إلا عندما نوقف النمو، ونكسر أنبوب الكوارتز، ونجمع القطع… ننمّي عددا كبيرًا من القطع الصغيرة التي قد يصل وزنها إلى عشرات الملليغرامات أو أقل، ثم نرتّب العديد منها، مثل قطع الأحجية، ونجمعها معًا لتكوين بلورة واحدة أكبر».
أخذ الباحثون العيّنات إلى مختبر أوك ريدج الوطنيOak Ridge National Laboratory في ولاية تينيسي، موطن أفضل منشأة لتشتيت النيوترونات في العالم، ليروا ما صنعوه. في حجرة معدنية محكمة الإغلاق، على بعد 2 كلفن فقط فوق الصفر المطلق، تعرّض الهيربرتسميثيت وبارلويت الزنك لوابل من النيوترونات التي تتحرك بسرعة مئات الأمتار في الثانية.
كان الأمر – في نظر لي وفريقه – يستحق كل هذا العناء؛ فقد حلّلوا بياناتهم وتوصّلوا إلى نتيجة: يبدو أن كلا المعدنين سائلان كموميان مغزليان. يقول لي: «أنا متحيِّز بالتأكيد، لكنني أتوقع أن هذا كافٍ لإقناع العقول المنطقية».

 

خلاف

ومع ذلك، مازالت الخلافات قائمة. يقول ستيفن كيفيلسون Steven Kivelson، من جامعة ستانفورد Stanford University في كاليفورنيا: «كي يُعلن أحدهم أنه وجد، على نحو مؤكد، أول مثال للسائل QSL، فهو يحتاج إلى دليل محكم لا تشوبه شائبة… وفي حال أول اكتشاف من نوعه، من الطبيعي أن نضع معايير عالية جدًّا».
يقول نورمان إن ما يجعل حالة الهيربرتسميثيت وبارلويت الزنك غير مقنعة تمامًا هو مشكلة عيوب المادة؛ فكلاهما يحتوي على ذرات نحاس تُسمى أحيانًا اللفّات المغزلية اليتيمة Orphan spins، ولا تنتمي إلى أي مستوى منتظم، وتتحول إلى شوائب مغناطيسية غير مرغوب فيها داخل كل معدن. يمكن أن ينتج عن تفاعل نيوترون مع إحدى هذه اللفات اليتيمة إشارة تشبه – إلى حد كبير – إشارة تفاعل نيوترون مع زوج من السبينونات؛ مما يخلط بين العلامات الدالة على السائل QSL واحتمال أقل أهمية بكثير، وهو أن النتيجة ليست سوى مغناطيس غير منتظم. يقول نورمان: «قد يسأل البعض: هل الشوائب هي السبب في كل ما نراه؟ هذه مشكلة معقدة».
لهذا السبب، انصبّ جزء كبير من عمل لي على ابتكار معادن أقل اضطرابًا، وفهم تفاصيل الاضطراب داخلها على نحو أفضل. يقول كيفيلسون: «يُعدّ يونغ لي بطلًا في هذا المجال. لقد تميّز بالتركيز والمثابرة على نحو جدير بالإعجاب».
نظرًا إلى اختلاف بنية معدن بارلويت الزنك قليلًا عن معدن الهيربرتسميثيت، تتوزع ذراته غير المنتظمة على نحو مختلف ضمن النمط كاغومي. ويؤكد كل من كيفيلسون ونورمان أن تشابه خصائص السائل QSL، على الرغم من هذا الاختلاف، يعزز فرضية أن هذه الخصائص ليست مجرد سراب ناتج عن عدم الانتظام. ويقول كيفيلسون: «هذه في نظري حجة قوية جدًّا. يزداد يقيننا بأن ما يراه لي هو السائل QSL».
لا يستند هذا التفاؤل المتزايد فقط إلى هذين المعدنين الزمرديَّين؛ فقد كان مينغ جزءًا من فريق اكتشف مؤشرات دقيقة جدًّا للسبينونات في مادة مصنوعة من الإيتريوم والنحاس والبروم، تصطف أيضًا وفق النمط كاغومي. ويقول إنه ليس من المستحيل أن تخلص في المستقبل تجربة إلى نتائج تناقض ما توصل إليه فريقه، لكنه متفائل بأنه رأى دلائل على وجود السائل QSL: «في رأيي أن الأدلة المتوافرة (حاليًا) كافية».
كما لاحظ تشانغلاني وزملاؤه مؤشرات مماثلة. تناول الباحثون مشكلة السوائل QSLs في المواد التي لا يمكن تقسيمها إلى مستويات مسطحة، وتترتب اللفات المغزلية فيها وفق نمط يستخدم الأبعاد المكانية الثلاثة جميعها. وفي واحدة من هذه المواد المصنّعة مخبريًّا من السيريوم والزركونيوم والأكسجين، بحثوا عن مؤشرات على سلوك السائل QSL في بيانات تشتيت النيوترونات، وفي الكيفية التي يؤثر وفقها التشابك وتذبذب اللفات المغزلية في استجابتها للحرارة. وتتطابق نتائج هذه التجارب مع نموذج نظري للسائل QSL ثلاثي الأبعاد 3D quantum spin liquid، بمايكفي لإقناعهم بوجود هذه السوائل في الطبيعة، وفي العديد من البنى المادية المختلفة. يقول تشانغلاني: «هناك حاليًا أدلة متزايدة على أن هذه الأشياء (السوائل QSLs) حقيقية».
يقول كيفيلسون: «هناك مفهوم شائع عن التجربة الحاسمة، تجربة واحدة تثبت كل شيء. لكن في كثير من الأحيان، ينتهي بنا المطاف بشبكة من الأدلة، تصل إلى حد أن الأدلة الداعمة لشيء ما تأتي من جهات عديدة، وتكون قوية لدرجة أنه حتى لو تبيّن أن أحد فروع هذه الشبكة معيب، فإن ذلك لا يغيّر فهمنا للحقيقة». ويرى كيفيلسون أن الباحثين قد أحرزوا تقدمًا حقيقيًّا في نسج هذه الشبكة للسوائل QSLs.
ويرغب نورمان في رؤية تلك التجربة الحاسمة قبل حسم مسألة السوائل QSLs الطبيعية.

 

 

أملنا هو إقناع المجتمع العلمي بأن لدينا، على الأقل، سوائل QSLs في الهيربرتسميثيت وبارلويت الزنك

 

ويريد – بشكل أساسي – أن يتمكن الفيزيائيون من اكتشاف السبينونات أو الفيزونات، ومعالجتها مباشرة؛ فالسبينونات قادرة على نقل الحرارة، وهو أمر يمكن اكتشافه. وثمة خيار آخر يتمثل في إجبار جسيمين داخل سائل QSL محتمل على الدوران كل منهما حول الآخر؛ مما سيغيّر خصائصهما بطرق يمكن التنبؤ بها بدقة بناء على النمذجات الرياضية. يقول نورمان: «ذاك النوع من التجارب سيكون إنجازًا علميًّا باهرًا، وهو ما يلزم لإثبات وجود السائل QSL حقًّا في الطبيعة».
كما أن التحكم في حركة الجسيمات، بهذه الطريقة، سيكون بالغ الأهمية لأي حاسوب كمومي قائم على السائل QSL؛ إذ ستتألف العديد من الخطوات الحسابية من سبينونات وفيزونات تدور بعضها حول بعض.
قد تُفيد الحواسيب الكمومية أيضًا في بناء بدائل قائمة على السائل QSL في المستقبل؛ فمثلًا، بدلًا من التعامل مع ذرات النحاس في مختبر الكيمياء، يمكن محاكاة كل دوران بواسطة كيوبت Qubit، وهو الوحدة الأساسية للحاسوب الكمومي، وهذا يُنشئ سائل QSL اصطناعيًّا داخل الجهاز. ويضيف نورمان أن الحواسيب الكمومية الحالية ليست كبيرة وموثوقة بما يكفي لهذه المهمة، لكنها قد تصل إلى ذلك في المستقبل القريب. ويتوافق العدد الذي يقدره من الكيوبتات الخالية من الأخطاء مع خطط بعض شركات الحوسبة الكمومية للسنوات الخمس القادمة.
أما يونغ لي، فهو مُنهمك في علم المواد والكيمياء في الوقت الحاضر. وإن كان هذا المجال يحظى بقدر أقل بكثير من البريق والضجة، فإن لدى لي رؤية واضحة لما يجب على فريقه الاستمرار في فعله: «أملنا هو إقناع المجتمع العلمي بأن لدينا على الأقل سوائل QSLs في الهيربرتسميثيت وبارلويت الزنك».
وإذا نجحوا في كسب ثقة مجتمع فيزياء المواد، فهل سيؤدي ذلك إلى إقبال كبير على المناجم التي تحتوي على هذه المعادن حول العالم؟ حتى لو أمكن جمعها، فإن لي متخوّف من انتظار الأرض لإنتاج بلورة مثالية، خاصة أن مثل هذه البلورات تكون – في أكثر الأحيان – صغيرة جدًّا، وتحتوي على شوائب غير متوقعة.
من ناحية أخرى، يقول نورمان إنه يمكن العثور في الطبيعة على العديد من المعادن المشابهة للهيربرتسميثيت، والتي قد تكون واعدة إذا احتوت على قدر أقل من الشوائب.
في أعقاب اكتشاف أنارك، ظهر الهيربرتسميثيت في بعض مناجم تشيلي، ويقول نورمان إنه سمع أخيرًا عن فيزيائيين يزورون المنطقة لجمع عينات جديدة، على أمل تأكيد أن التشابك الكمومي ينتظر منَّا أن نستخرجه.

 

© 2026, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى