الكيمياء

نبذة تعريفية عن الصَابُون وكيفية تصنيعه

2000 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الحادي عشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الصَابُون كيفية تصنيع الصابون الكيمياء

لمْ يَكُنِ الصَّابونُ الذي نستعمِلُهُ اليومَ معروفًا لدَى القُدَماءِ، ولكنَّ بَعْضَ الحَضاراتِ القديمةِ، مثلِ حضارةِ المصريينَ القُدَماءِ والسُّوَرِيَّينَ والحِيثِيِّينَ، كانَتْ تستخدم بعضَ العُصاراتِ القَلَوِيَّةِ للنَّباتاتِ، أو الرَّمادَ القَلَوِيِّ المتبقِّيَ من حَرْقِ بعض هذهِ النباتاتِ، في تنظيفِ أيديهِم وغَسْل مَلابِسِهِمْ.

وفي عامِ 600 قبلَ الميلادِ بدأَ الفينيقِيُّونَ في تحضيرِ الصَّابونِ بتَسخينِ دُهْنِ الماعِزِ مع رَمادِ بعضِ الأَعْشابِ والأَخْشابِ القَلَوِيَّةِ التي تحتوِي علَى قليلٍ من كَرْبوناتِ البوتاسْيومِ، في وجودِ قَدْرٍ صَغيرٍ منَ الماءِ.

وكان هذا الخليطُ يتحوَّلُ إلى مادةٍ تشبهُ الشَّمْعَ عِنْدَمَا يَبْرُدُ ويُحْدِثُ رَغْوَةً جيِّدةً مع الماءِ. وتشبهُ هذه العمليَّةُ عمليةَ التَّصَبُّنِ التي نستخدمُها اليومَ في تحضيرِ الصَّابونِ.

 

وقد انتقلَتْ صناعةُ الصابونِ بعدَ ذلِكَ إلى بلادِ الإِغْريقِ والرُّومانِ بواسِطَةِ البَحَّارَةِ الفينيقيينَ، ثمَّ انتقلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إلى كثيرٍ من البلادِ الأُخْرَى.

وقد ازْدَهَرَتْ صناعةُ الصّابونِ في القَرْنِ الحادِي عَشَر في «فينسْيا»، وفرضَ عليها الحُكَّامُ ضرائِبَ عالِيَةً، مِمَّا جَعَلَ النَّاسَ يصنعونَ الصَّابونَ في منازِلِهِمْ.

ثم تَوَقَّفَتْ صناعةُ الصَّابونِ في خِلالِ العُصورِ الوُسْطَى في أوروبا لأنَّ السُّلُطَاتِ الدينيَّةَ في ذَلِكَ الحينِ كانَتْ تَرَى أنَّ تَعْرِيَةَ الجَسَدِ بهَدَفِ الاسْتِحمامِ أمرٌ مُحَرَّمٌ ومُنَافٍ للآدابِ.

 

وقد كانَ العربُ أوّلَ ما صَنَعوا الصابونَ الجامِدَ الذي انْتَقَلَتْ صناعتُهُ بعدَ ذلِكَ إلى أوروبا. وقد وَصَف «داودُ الأَنْطاكِيُّ» طريقَةَ صُنْعِ الصابونِ من زَيْتِ الزَّيْتونِ والقَليِ والكِلْسِ. 

كما ذكرَ «أبو بكر الرَّازِيُّ» طريقةَ صُنْعِ الجِلِيسْرين بِتَصَبُّنِ زَيْتِ الزَّيْتونِ. وانْتَشَرَتْ صِناعَةُ الصابونِ في نَابلسَ وفي حَلَبَ ودِمَشْقَ، وكان يُصَدَّرُ منها إلى كثيرٍ من الأقطارِ الأخرَى.

والصابونُ هو مِلْحٌ من أملاحِ الصُّوديومِ أو البُوتاسْيومِ لبعضِ الأحماضِ العُضْوِيَّةِ التي تَتَرَكَّبُ جُزَيْئاتُها من سَلاسِلَ طويلةٍ من ذَرَّاتِ الكربونِ وهي تُعرفُ باسمِ الأحماضِ الدُّهْنِيَّةِ لأنَّها توجدُ في الدُّهونِ على هَيْئَةِ إسْتَراتٍ مع الجِليسْرينَ.

 

ومن أمثِلَةِ هذهِ الأحماضِ حَمْضُ البيوتْريك الذي يوجدُ في الزُّبْدِ، وحَمْضِ الأولِيبك والبَلْميتك والإسْتياريك التي توجدُ في بعضِ الزُّيوتِ، مثلِ زَيْتِ بِذْرَةِ القُطْنِ وزَيْتِ السِّمْسِمِ وزيتِ عَبَّادِ الشَّمْسِ وغيرِها.

ويُحَضَّرُ الصابونُ حالِيًّا بالتحلُّلِ المائِيِّ لبعضِ الزُّيوتِ والدُّهُونِ بواسِطَةِ القَلَوِيَّاتِ، وهي عمليةٌ تُعْرَفُ باسمِ «التَّصَبُّنِ».

وتُستخدمُ في هذهِ العمليَّةِ أنواعٌ مختلِفَةٌ من الزيوتِ، مثلِ زَيْتِ الزَّيتونِ أو زَيْتِ جَوْزِ الهِنْدِ، أو زَيْتِ النَّخيلِ. ويحتوي كُلٌّ من هذهِ الزيوتِ علَى خليطٍ من جِليسْريَداتِ الأَحْماضِ الدُّهْنِيَّةِ، لكنّ هذا لا يؤثِّرُ كثيرًا على نَوْعِ الصَّابونِ النَّاتِجِ.

 

وتتمُّ عمليَّةُ التَّصَبُّنِ بوضعِ الزَّيْتِ أو الدُّهْنِ المُنْصَهِرِ في وعاءٍ كبيرِ الحجمِ، قد تَصِلُ سَعُتُهُ إلى نحو 30 طُنًّا من الزَّيتِ، ثم تُضَافُ إليهِ المادَّةُ القلويَّةُ مثلُ الصُّودا الكاوِيَةِ أو البوتَاسَا الكاوِيَةِ التي لا يزيدُ تركيزُها على 10% على الأكثرِ، ثم يُمَرَّرُ في هذا الخليطِ تيارٌ مِنَ البُخَارِ يَرْفَعُ درجَةَ حَرارَتِهِ إلى درجةِ الغَلَيانِ، ويساعدُ علَى خَلْطِ كُلٍّ من الزَّيْتِ والقَلَوِيِّ معًا.

 وعند انتهاءِ عَمَلِيَّةِ التَّصَبُّنِ، يُسْحَبُ المحلولُ المائِيُّ السَّاخِنُ ويُذابُ فيهِ قَدْرٌ محسوبٌ من مِلْحِ الطَّعَامِ (كلوريدِ الصُّوديومِ) لطَرْدِ الصَّابونِ من المَحْلولِ لأنَّهُ لا يذوبُ في محلولِ المِلْحِ.

 

وبذلِكَ ينفصلُ الصَّابونُ على هَيْئَةِ حُبَيْبَاتٍ تتجمَّعُ معًا فيما يشبِهُ الجُبْنَ، وتُفْصَلُ عَن المحلولِ الذي يحتوِي علَى المِلْحِ والجِلِيسْرين، ثُمَّ تُضافَ إليهِ الإضافاتُ المناسِبَةُ، ويُصَبُّ في قَوالِبَ أو يُقَطَّعُ بعد تَصَلُّبِهِ إلى قِطَعِ مُتَساوِيَةِ الحُجومِ.

وهناكَ نوعٌ من الصَّابونِ يُحَضَّر من مِلْحِ البوتاسيومِ لبَعْضِ الأَحْماضِ الدُّهْنِيَّةِ والجِلِيسْرين، ويُرَسَّبُ من الكُحُولِ الإثيلِيِّ على هَيْئَةِ كُتَلٍ شَفَّافَةٍ مَلْساءَ.

كذلِكَ هناكَ نوعٌ من الصَّابونِ يحتوِي في داخِلِهِ على بَعْضِ فقاقيعِ الهواءِ، ويُعْرَفُ باسمِ الصابونِ العائِمِ، وهو يطفُو على سَطحِ الماءِ ويُوَفِّرُ بذلِكَ عَلَى من يَسْتَخْدِمُه عَناءَ البحثِ عنهُ في قاعِ إِناءِ الغسيلِ أو في قاعِ حَوْضِ الاستحمامِ.

 

وهناكَ أيضًا أنواعٌ أخرَى من الصَّابونِ تستخدمُ في الحِلاقَةِ، وفي بَعْضِ مُسْتَحْضَراتِ التجميلِ، مثل بَلْميتَات واسْتِيارَات البُوتاسْيوم، أو ثلاثِيِّ مثيلامين، وهي تَتَّصِفُ بنعومَتِها وبأنها لا تَضُرُّ الجِلْدَ الحَسَّاسَ، وقَدْ تُضَافُ إليها بعضُ العُطُورِ.

وتُسْتَخْدَمُ في الصِّناعَةِ أنواعٌ من الصَّابونِ تُعْرَفُ باسمْ «الصَّابونِ الفِلِزِّيِّ». وهي تُحَضَّرُ بِصَهْرِ أُكسيدِ الفِلِزِّ مع الأَحْماضِ الدُّهْنِيَّةِ.

 

وهي لا تذوبُ في الماءِ، ويُستخدمُ بعضُها، مثل صابونِ المنجنيزِ في صُنْعِ الطِّلاءِ والوَرْنِيشَاتِ لأنَّها تساعدُ على سُرْعَةِ تَجْفيفِ الطِّلاءِ.

كذلك يُستخدمُ صابونُ النُّحاسِ في حِفْظِ الأخْشابِ، ويُستخدمُ صابونُ الألومِنيومِ والليثيومِ في صُنْعِ بعضِ المُزَلِّقَاتِ (موادِّ التَّشْحيمِ). ويُستخدمُ صابونُ الزِّئْبَقِ في عِلاجِ بَعْضِ أَمْراضِ الجِلْدِ، كما يُستخدمُ صابونُ المَغْنِسيومِ والألومنيومِ في صُنْعِ بَعْضِ أنواعِ قَاذِفَاتِ اللَّهَبِ.

 

والجليسرينُ ناتٌج ثانَوِيٌّ في عملِيَّاتِ التَّصَبُّنِ، وهو يوجدُ في المحلولِ المائِيِّ الناتِجِ من هذهِ العمليَّةِ بنسبةٍ لا تزيدُ على 5%، وهو يُفْصَلُ بتقطيرِ المحلولِ تحتَ ضغطٍ مُخَلْخَلٍ.

ويَكْمُنُ الفِعْلُ المنظِّفُ للصّابونِ في أنَّ السِّلْسِلَةَ الهِدروَرْبُونيَّةَ للحَمْضِ تُعَدُّ كارِهَةً للماءِ ولكنَّها تَنْغَمسُ بِسهولةٍ في بُقْعةِ الزَّيْتِ الموجودةِ بالملابِسِ.

أمّا مجموعةُ الحَمْضِ (مجموعةُ الكَرْبوكْسيل COOH) فهِيَ مُحِبَّةٌ للماءِ، وبذلِكَ تَنْغَمِسُ في ماءِ الغَسيلِ وتحيطُ نَفْسَها ببعضِ جُزَيْئَاتِ الماءِ.

 

ولذلِكَ فإنَّه عِنْدَ مُرورِ تَيَّارٍ من الماء فوقَ سَطْحِ النَّسيجِ تَذْهَبُ مَعَهُ المجموعاتُ الحَمْضِيَّةُ، وتَحْمِلُ السّلاسِلُ الهِدْروكَرْبونيةُ مَعَها بقعةَ الزَّيتِ، تارِكَةً سَطْحَ النَّسيجِ نظيفًا كما كَان.

ولا يُسْتَخْدَمُ الصَّابونُ في الماءِ العَسِرِ المحتوِي عَلَى أَيُونَاتِ الكالْسيومِ والمَغْنسيومِ، لأنَّ أملاحَ هَذَيْن الفِلِزَّيْن مع الأَحْماضِ الدُّهْنِيَّةِ لا تذوبُ في الماءِ، وتَنْفَصِلُ من المحلولِ على هَيْئَةِ راسبٍ أو نُدَفٍ مُعَلَّقَةٍ في الماءِ.

ولهذَا لا يُكوِّن الصابون رَغْوَةً مع الماءِ العَسِرِ، ولا يَصْلُحُ بذلِكَ للغسيلِ أو التَّنْظيفِ، ويمكنُ استبدالُه في هذه الحالَةِ بِبَعْضِ المُنَظِّفاتِ الصِّناعِيَّةِ الّتي لا يَتَأَثَّرُ عملُها بالمَاءِ العَسِرِ.

والناسُ يسَمُّون هذهِ المنظِّفاتِ «صابونًا سائِلاً»، وهي تَسْمِيَةٌ لَيْسَتْ صحيحة عِلميًّا، لأنها ليست من الصَّابونِ، كما شَرَحْناه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق