إسلاميات

نبذة تعريفية عن “السُنة النبوية الشريفة” ومظاهر الاهتمام بها

2000 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الحادي عشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

السُنة النبوية الشريفة إسلاميات المخطوطات والكتب النادرة

السُّنَّةُ الشَّريفَةُ هِيَ طَرِيقَةُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم – وَسِيرَتُهُ الْمَحْمُودَةُ الْمُسْتَقيمَة.

وَتَشْمَلُ الْقَوْلَ، كَقَوْلِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم -: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولَ اللهِ، وإِقامِ الصَّلاةِ، وَإِيتاءِ الزَّكاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».

كَما تَشْمَلُ الفِعْلَ، مِثْلُ ما وَرَدَ عَنهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم – مِنْ «أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكوعِ، ثُمَّ يَقولُ – وَهُوَ قائِمٌ -: رَبَّنا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوي سَاجِداً، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ في الصَّلاةِ وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الجُلوسِ».

 

وَتَشْمَلُ أَيْضاً ما وَقَعَ مِنْ بَعْضِ أَصْحابِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ واطَّلَعَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم – عَلَيْهِ وَسَكَتَ، أَوْ أَبْدى مُوَافَقَةً، أَوْ أَظْهَرَ اسْتِحْساناً.

فَقَدْ قَالَ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم – لِأَصْحابِهِ حِينَ أَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِضَرُورَةِ غَزْوِ بَنِي قُرَيْظَةَ لِنَقْضِهِمْ الْعَهْدَ مَعَهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم – يَوْمَ الخَنْدَقِ: «لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ في بَنِي قُرَيْظَةَ».

وَفَهِمَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْ هَذا النَّهْيِ أَنَّهُ عَلَى حَقيقَتِهِ، وَأَنَّهُ تَحْرُمُ صَلاةُ الْعَصْرِ إلاّ في بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَخَّرَها حَتّى وَصَلَها، وَكانَ قَدْ خَرَجَ وَقْتَها، ثُمَّ صَلاّها هُناكَ، وَفَهِمَ الْبَعْضُ الآخَر مِنْ هَذا النَّهْيِ: أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الحَثُّ عَلى الإِسْراعِ، فَصَلاّها في وَقْتِها.

 

وَلَمَّا عَلِمَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم – بِما صَنَعَ الفَرِيقَانِ لَمْ يَعَنِّفْ واحِداً مِنْهُما – وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم – إِقْراراً بِصَوابِ صَنِيعِهِما، وصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً تَقْرِيريَّةً عَنْهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم.

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعاصِ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ: «احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ في غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلاسِلِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحابِي الصُّبْحَ، فَذَكَروا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم – فَقَالَ يا عَمْرُو: «صَلَّيْتَ بِأَصْحابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟

فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذي مَنَعَنِي مِنَ الاغْتِسالِ، وَقُلْتُ: إِنِّ سَمِعْتُ اللهُ يقول( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) (النساء:29). فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم – وَلَمْ يَقُلْ شَيْئاً».

 

وكَذَلِكَ تَشْتَمِلُ صِفَاتِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم – خَلْقاً وَخُلْقاً مِنْ كَوْنِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم – وكَانَ فَخْماً مُفَخَّماً، يَتَلأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، أَطْوَلَ مِنَ المَرْبُوعِ، وَأَقْصَرَ مِنَ المُشَذَّبِ، عَظِيمَ الْهَامَةِ رَجُلَ الشَّعْرِ… إلخ.

وَمِنْ كَوْنِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم – كَانَ دَائِمَ البشْرِ، سَهْلَ الخُلُقِ، لَيِّنَ الجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظٍّ، وَلاَ غَلِيظٍ وَلاَ صَخَّابٍ في الأَسْواقِ، وَلا فَاحِشٍ، وَلا عَيَّابٍ، وَلاَ مَدَّاحٍ، يَتَغَافَلُ عَمَّا لاَ يَشْتَهِي، ولا يُوئِسُ مِنْهُ، وَلاَ يُحَبِّبُ فيهِ، …. إلى آخِرِ هَذِهِ الصِّفاتِ.

 

ولِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ في التَّشْريعِ الإِسْلامِيِّ، إِذْ هِيَ مِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْحاها اللهُ – عَزَّ وَجَلَّ – إلى النَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم – كَمَا أَوْحَى إِلَيْهِ القُرْآنَ، وَأَعْطى أَحْكَامَها مِنَ الْقَدَاسَةِ والأَهَمِّيَّةِ مِثْلَ ما أَعْطَى الْقُرْآنَ.

قال تعالى(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) (النجم: 3-4).

 

وقال – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم -: «ألا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكَ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعانَ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فيهِ مِنْ حَلالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَما وَجَدْتُمْ فيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلاَ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الأَهْلِيِّ، وَلاَ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّباعِ، أَلاَ ولا تُعْطِهِ مِنْ مالِ مُعَاهِدٍ إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْها صَاحِبُها، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُقِرُّوهُمْ… الْحَدِيثَ».

كَمَا أَنَّ السُّنَّةُ عَلَيْها الْمُعَوَّلُ في تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَشَرْحِهِ، وَبَيانِهِ.

قال تعالى( بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل:44).

وقال تعالى(وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (النحل:64).

 

بَلْ قَدْ تَسْتَقِلُّ السُّنَّةُ بِتَشْرِيعِ أَحْكَامٍ جَدِيدَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى القُرْآنِ مِصْداقاً لِقَوْلِ اللهِ – عَزَّ وَجَلَّ(مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) (النساء:80).

وقوله سبحانه ( لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (النور:63).

وقوله – عز وجل( مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الحشر:7).

 

وَمِنَ الْأَحْكَامِ الَّتي اسْتَقَلَّتِ السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ بِتَشْرِيعِها زِيَادَةً عَلَى القُرْآنِ، قَوْلُهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم -: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلا – لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ – فَلَهُ سَلْبُهُ»، وَقَوْلُهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم -: «لا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِها، وَلاَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِها»، وَقَوْلُهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ». إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَحْكَامِ.

وَقَدْ لَقِيَتْ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ مُنْذُ العَهْدِ النَّبَوِيِّ حَتَّى يَوْمِنا هَذَا عِنايَةً فائِقَةً مِنَ العُلَمَاءِ تَمَثَّلَتْ في:

 

(1)الْحِفْظُ في الصُّدُورِ والصُّحُفِ، والْبَلاغُ للْآخَرِينَ:

إِذْ حَرَصَ الصَّحابَةُ عَلَى حِفْظِ هَذِهِ السُّنَّةِ في صُدُورِهِمْ، وَتَقْيِيدِهَا في كُتُبِهِمْ وَإِبْلاغِهَا لِلآخَرِينَ تارَةً بِالأُسْوَةِ وَالْقُدْوَةِ، وَتَارَةً بِالسُّؤالِ وَالْمُحَاوَرَةِ، وَتَارَةً بِالإِلْقاءِ والتَّلْقينِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَجْيالِ جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ إِلى يَوْمِنَا هَذَا.

 

(2)  التَّدْوِينُ وَالتَّصْنِيفُ:

أَيْ جَمْعُ مَا تَفَرَّقَ مِنْ هَذِهِ السُّنَّةِ فِي دِيوانٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ تَوَلَّى تَنْفِيذَ هَذِهِ الْمُهِمَّةِ الْعَالِمُ الْجَلِيلُ: مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيّ (ت 124هـ) وَغَيْرُهُ مِنْ فَطَاحِلِ الْعُلَمَاءِ بِأَمْرِ الْخَلِيفَةِ الْعِدْلِ: عُمَرُ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – ثَمَّ كَانَ التَّصْنِيفُ، وَهُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ مَعَ نَظِيرِهِ مَعَ الْاِقْتِصَارِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ السُّنَّةِ .

كَمَا صَنَعَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنِ أَنَسٍ (ت 179هـ) فِي: الْمُوطَّإِ، وَكَمَا فَعَلَ الشَّيْخَانِ: الْبُخَارِيُّ وَمُسَلَّمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا أَوْ مَعَ خِلْطِ الصَّحِيحِ بِغَيْرِهِ كَمَا صَنَعَ أَبو دَاوُدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وَالنِّسَائِيُّ، وَاِبْنُ ماجَه، فِي سُنَنِهِمْ تَارِكِينَ لِلْأَجْيالِ اللَّاحِقَةِ مُهمَّةَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَقْبُولِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ نَفَّذَتْ هَذِهِ الْأَجْيَالُ ذَلِكَ بِأَمَانَةٍ، وَصِدْقٍ، وَإِتْقَانٍ

أَوْ بِجَمْعِ مَرْوِيّاتِ كُلِّ صَحَابِيٍّ في مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، مُرَتِّبِينَ هَؤُلاءِ الصَّحَابَةَ حَسَبَ مُصْطَلَحَاتٍ مُعَيَّنَةٍ رَآها كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاءِ المُصَنِّفِينَ عَلَى نَحْوِ مَا فَعَلَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالَسِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْحَمِيدِيّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَعَيْرُهُمُ في مَسَانِيدِهِمْ.

 

(3)  إِقَامَةُ الْمَراكِزِ الْعِلْمِيَّةِ لِتَعْلِيمِ وَتَدْرِيسِ السُّنَّةِ:

إِذْ مَا مِنْ بَلَدٍ مِنْ بِلادِ الإِسْلامِ إِلاّ وَقَدْ أُقيمَ فِيها مَرْكَزٌ أَوْ مَدْرَسَةٌ لِتَعْلِيمِ السُّنَّةِ، وَتَدْرِيسِها، كَمَدْرَسَةِ الْحَدِيثِ في مَكَّةَ، وَمَدْرَسَةِ الْحَدِيثِ في الْمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَمَدْرَسَةِ الْحَدِيثِ في بِلادِ الشَّامِ، وَمَدْرَسَةِ الْحَدِيثِ في الْبَصْرَةِ، وَمَدْرَسَةِ الْحَدِيثِ في الْيَمَنِ، وَغَيْرِها مِنْ بِلادِ الْإِسْلامِ، وَكَانَ لِهَذِهِ الْمَرَاكِزِ الْأَثَرُ الْأَكْبَرُ في حِفْظِ السُّنَّةِ وَبَلاغِهَا لِلنَّاسِ دُونَ أَنْ يَضيعَ مِنْها شَيْءٌ.

 

(4)  وَضْعُ قَواعِدَ وَمَعايِيرَ لِمَعْرِفَةِ الْمَقْبُولِ مِنْ غَيْرِ الْمَقْبولِ:

وكَذَلِكَ وَضَعَ الْعُلَمَاءُ قَواعِدَ وَمَعايِيرَ لِمَعْرِفَةِ الْمَقْبُولِ فَيُعْمَلُ بِهِ وَيُحْتَجُّ، وَمَعْرِفَةِ غَيْرِ الْمَقْبُولِ فَلاَ يُعْمَلُ بِهِ، وَلاَ يُحْتَجُّ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْقَوَاعِدُ وَالْمَعاييرُ بِاسْمِ: مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ، أَوْ أُصُولِ الْحَدِيثِ، أَوْ عُلومِ الْحَديثِ، وَمِنْ أَبْرَزِها: اخْتِصارُ عُلُومِ الْحَدِيثِ لِلْحَافِظِ ابْنِ كَثِير الْقُرَشِيّ (ت 774هـ).

 

(5)  شَرْحُ الْأَحادِيثِ وَتَيْسيرِ فَهْمِها لِلنَّاسِ:

وَحَرَصَ الْعُلَماءُ أَيْضًا عَلَى شَرْحِ الْأَحادِيثِ، وَتَيْسيرِ فَهْمِها لِلنَّاسِ فَبَيَّنوا غَرِيبَ أَلْفَاظِها، وَبَلاَغَتِها، وَسَبَبِ وُرُودِها إِنْ وُجِدَ، وَوَقَّفُوا بَيْنَ الْمُتَعارِضِ مِنْها مَرَّةً بِالْجَمْعِ، وَمَرَّةً بِالتَّرْجِيحِ، وَذَكَروا ما يُؤَيِّدُها مِنْ آياتِ الْقُرْآنِ، واسْتَخْلَصوا الدُّرُوسَ وَالْعِبَرَ.

وَمِنْ أَهَمِّ هَذِهِ الشُّرُوحِ: الْمِنْهاجُ شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمِ بْنِ الحَجَّاجِ لِلْإِمَمِ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيّ (ت 676هـ) وَفَتْحُ البارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخارِي لِلْحَافِظِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِيِّ (ت 852هـ)، ونَيْلُ الْأَوْطَارِ شَرْحُ مُنْتَقَى الْأَخْبَارِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَعْرُوفِ بِالشُّوكانِيِّ (ت 1250هـ)، وَصَفْوَةُ صَحِيحِ الْبُخارِيّ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْجَلِيلِ عِيسًى وَغَيْرُها مِنَ الشُّرُوحِ.

 

(6) تيْسِيرُ سَبِيلِ اسْتِخْراجِ الأَحادِيثِ مِنَ الدَّواوِينَ وَالْمُصَنَّفاتِ:

وَاهْتَمَّ الْعُلَمَاءُ بِتَيْسيرِ سَبِيلِ اسْتِخْراجِ الْأَحادِيثِ مِنَ الدَّواوِينِ والْمُصَنَّفاتِ، فَوَضَعوا عِلْمًا يُسَمَّى: (تَخْرِيجَ الْأَحادِيثِ)، وَقَعَّدُوا لَهُ الْقَوَاعِدَ بِحَيْثُ أَمْكَنَ الوُصُولُ إِلَى الْحَدِيثِ بَعْدَ فَهْمِ هَذِهِ الْقَواعِدِ في أَقَلِّ وَقْتٍ مُمْكِنٍ، وَبِجَهْدٍ يَسيرٍ، وَكَانَ لِلتِّقْنِيَّاتِ دَوْرٌ بَارِزٌ في هَذَا الْمَجالِ.

 

(7)  رَدُّ الشُّبْهاتِ وَالطُّعونِ الْمُوَجَّهَةِ إِلى السُّنَّةِ:

وَلَمَّا رَأَى الْعُلَماءُ أَنَّ الْكارِهينَ لِهَذَا الدِّينِ، وَالْحَاقِدِينَ عَلَى الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم – قَدْ أَثارُوا الشُّبُهاتِ حَوْلَ السُّنَّةِ وَوَجَّهُوا لَهَا الطُّعونَ وَاحِداً بَعْدَ الآخَرِ قَامُوا بِعَمَلِ كُتُبٍ لِرَدِّ هَذِهِ الشُّبُهاتِ، والطُّعونَ، وَتَفْنِيدِها أَوَّلاً بِأَوَّلِ وَمِنْ أَبْرَزِها: دِفاعٌ عَنِ السُّنَّةِ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ أَبِي شَهْبَة.

 

(8)  التَّأْرِيخُ لِلسُّنَّةِ:

وَحَتّى يُدْرِكَ الْمُسْلِمُونَ الْيَوْمَ قِيمَةَ الْجُهودِ الَّتي بُذِلَتْ في حِفْظِ السُّنَّةِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْها عَمَلوا تَأْرِيخاً دَقِيقاً لَهَا في كُلِّ عَصْرٍ مِنَ الْعُصورِ مِنَ الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ إِلى الْيَوْمِ.

وَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُ: الْحَدِيثُ وَالْمُتَحَدِّثُونَ لِلشَّيْخِ مُحَمَّد مُحَمَّد أَبُو زَهْوٍ، وَبُحوثٌ في تَاريخِ السُّنَّةِ المُشَرَّفَةِ لِلدُّكْتُورِ أَكْرَمِ ضِياء العِمَري، وَغَيْرِهِما.

وَلَمْ يَعُدْ أَمَامَ الْمُسْلِمِ الْيَوْمَ إِلاَّ أَنْ يَثِقَ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَيَتَقَدَّمَ نَحْوَها فَيَفْهَمَها، ويَعْمَلَ بِها، وَيَحْرِصَ عَلى إِبْلاغِها غَيْرَهُ ما اسْتَطَاعَ إِلى ذَلِكَ سَبِيلا، وَيَعْمَلَ عَلَى حِمَايَتِها بِكُلِّ ما يُمْكِنُ، وَإِنَّ اللهَ لا يُضَيِّعُ أَجْرَ الْمُحْسِنينَ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق