بقلم مايكل مارشال
ستختبر دراسةٌ تُعد الأولى من نوعها عالميًّا ما إذا كان تقليل الوقت الذي يقضيه المراهقون على وسائل التواصل الاجتماعي يُحسِّن فعليًّا صحتهم النفسية. لكن النتائج لن تصدر قبل منتصف العام 2027، في حين قد تتجه مزيد من الحكومات، بحلول ذلك الوقت، إلى فرض حظر كامل على استخدام المراهقين وسائل التواصل الاجتماعي.
لن تُبيِّن التجربة ما إذا كانت هذه القيود مجدية. ومع أنه لا تتوافر أدلة قوية على ذلك بعد، طبّقت أستراليا حظرًا على من هم دون السادسة عشرة. وتُجري حكومة المملكة المتحدة مشاورات بشأن خطوة مماثلة.
هناك أدلة تشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تُلحق الضرر ببعض الأطفال والمراهقين
تركّز التجربة على إشراك الشباب أنفسهم، بما في ذلك استشارتهم بشأن التدخل الذي ستختبره، لا سيما أن الأطفال والمراهقين ظلوا مستبعدين من تصميم منصات التواصل الاجتماعي، ومن النقاشات المتعلقة بتنظيمها.
يقول بيت إيتشيلز Pete Etchells، من جامعة باث سبا Bath Spa University في المملكة المتحدة، وهو غير مشارك في الدراسة: «لا بد من أن يكون الأطفال جزءًا من هذا النقاش».
وتقول إيمي أوربنAmy Orben ، من جامعة كامبريدج University of Cambridge، والمشاركة في قيادة التجربة: «هناك أدلة تشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تُلحق الضرر ببعض الأطفال والمراهقين، وحتى أضرارًا شديدة… لكن ليس واضحًا بعد إذا كان الوقت الذي يقضيه الشباب على هذه المنصات يؤثر في شريحة أوسع من المراهقين».
وللإجابة عن هذا السؤال، تُطلق أوربن وزملاؤها تجربة آي آر إل The IRL Trial في مدينة برادفورد في المملكة المتحدة. وتهدف التجربة إلى إشراك نحو أربعة آلاف مراهق، تتراوح أعمارهم بين اثنتي عشرة وخمس عشرة سنة من عشر مدارس. وسيُثبِّت جميع المشاركين تطبيقًا خاصًّا على هواتفهم لتتبع استخدامهم وسائل التواصل الاجتماعي.
وسيُقيِّد التطبيق لدى نصف المشاركين الوقت الذي يقضونه على تطبيقات مُحدَّدة، مثل: تيك توك TikTok وإنستغرام Instagram ويوتيوب YouTube، من دون أن يشمل ذلك تطبيقات المراسلة، مثل: واتساب WhatsApp. ويقول دان لويرDan Lewer ، من مركز برادفورد لعلوم بيانات الصحة Bradford Centre for Health Data Science، وهو أحد قادة التجربة، إن المراهقين لن يُسمَح لهم باستخدام هذه التطبيقات مجتمعة إلا مدة ساعة واحدة يوميًّا، مع فرض حظر ليلي من التاسعة مساء حتى السابعة صباحًا. ويضيف أن هذا يُعد خفضًا كبيرًا؛ إذ يبلغ متوسط الوقت الذي تقضيه هذه الفئة العمرية على الشاشات يوميًّا نحو ثلاث ساعات. أما النصف الآخر فسيواصل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كالمعتاد.
وسيُوزَّع المشاركون عشوائيًّا وفق الصف الدراسي، ويكون أحد الصفوف مجموعة ضابطة؛ بينما يخضع الصف الآخر للقيود. والهدف هو ضمان خضوع مجموعات الأطفال لظروف متشابهة قدر الإمكان. وتقول أوربن: «إذا خُفِّض استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لطفل واحد بينما بقي أصدقاؤه متصلين بعد التاسعة مساء؛ فقد يشعر بأنه مُستبعَد، وبأن ما يفوته كثير».
ويقول لوير إن تصميم الدراسة جرى بالتعاون مع المراهقين أنفسهم، مضيفًا أنهم لم يرغبوا في اختبار حظر كامل.
ستستمر الدراسة الشاملة ستة أسابيع تقريبًا في شهر أكتوبر 2026، ويتوقع الباحثون نشر نتائجهم الأولية في منتصف العام 2027.
وتقول أوربن إن التجربة ستوفر بيانات أدق مما هو متاح حاليًا حول مقدار استخدام المراهقين وسائل التواصل الاجتماعي وتوقيته؛ لأن التطبيق سيتولى رصد ذلك بدلًا من الاعتماد على الإبلاغ الذاتي. وسيجمع الفريق أيضًا بيانات عن القلق وجودة النوم والوقت الذي يقضيه المراهقون مع الأصدقاء والعائلة والرفاهية وصورة الجسد والمقارنة الاجتماعية والتغيب عن المدرسة والتنمر.
ويقول إيتشيلز إن من الضروري معرفة ما إذا كان تقييد وسائل التواصل الاجتماعي، أو حظرها، يفيد الشباب أم يضرهم: «الحقيقة هي أننا لا نعرف، ولهذا تُعد دراسات كهذه مهمة جدًّا».
يُبرز النقص الكبير في الأبحاث عالية الجودة أهمية هذه التجربة، وهو ما أكده تقرير حديث صادر عن وزارة العلوم والابتكار والتكنولوجيا في المملكة المتحدة أشار إلى «نقص الأدلة السببية الموثوقة التي تربط بين الصحة النفسية للأطفال ورفاهيتهم، وبين استخدامهم التقنيات الرقمية، لا سيما وسائل التواصل الاجتماعي، والهواتف الذكية، وبرامج الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي».
وتقول مارغريتا بانايوتوMargarita Panayiotou ، من جامعة مانشستر University of Manchester في المملكة المتحدة، إن إشراك الشباب في أبحاث وسائل التواصل الاجتماعي أمر أساسي. وترى أن اختبار القيود، بدلًا من الحظر الكامل، أكثر قابلية للتطبيق؛ لأن المراهقين في الدراسات التي أجرتها أوضحوا كيف يمكنهم التحايل بسهولة على الحظر. وتضيف أن هذا النهج قد يكون على درجة أكبر من الأخلاقية أيضًا؛ لأننا لا نعرف ما إذا كانت عمليات الحظر قد تُسبب ضررًا.
تقول بانايوتو إن المراهقين «يجدون في وسائل التواصل الاجتماعي مساحة مفيدة لفهم ذواتهم»، لكن ذلك لا يعني أنهم لا يدركون أيضًا سلبياتها: «فهم يتحدثون عن عدم ثقتهم بالمنصات نفسها، وعن فقدان السيطرة… إذ يجدون أنفسهم يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي من دون أن ينتبهوا». كما أبلغ المراهقون عن مشكلات، مثل: الخوف من التعرّض لحكم الآخرين عليهم، أو للانتقاد عبر الإنترنت، والمقارنات المتعلقة بالجسد والتنمر الإلكتروني.
ويقول إيتشيلز وبانايوتو إن التحدي الذي يواجه الحكومات هو إلزام شركات التكنولوجيا بجعل وسائل التواصل الاجتماعي أكثر أمانًا وصحة للشباب.
يتضمن قانون السلامة على الإنترنت Online Safety Act 2023 بنودًا تُلزم شركات التكنولوجيا، مثل: تيك توك وميتا Meta الشركة الأم لفيسبوك وواتساب وإنستغرام وغوغل التي تملك يوتيوب، بتحمّل مسؤولية أكبر تجاه سلامة المستخدمين. ويقول إيتشيلز: «لو جرى تطبيق متطلبات الامتثال في هذا القانون بصرامة، فسيُسهم ذلك في معالجة جانب من المشكلات التي نواجهها بالفعل».
© 2025, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC