
غواصات بلا بحّارة
انغمِسْ في عالم الغواصات ذاتية القيادة واكتشِفْ المهمة التي ستجعل إحداها تُبحر حول العالم
بقلم: سكوت داتفيلد
مع تواصل ظهور السيارات ذاتية القيادة والطائرات ذاتية التحليق على الطرقات وفي الأجواء، يأتي الدور الآن على البِحار لاستقبال المركبات المستقلة. تُعَدّ المَركبات ذاتية القيادة تحت الماء Autonomous Underwater Vehicles (اختصارًا: المركبات Auvs) فئةً من الغواصات القادرة على المناورة في المياه من دون الحاجة إلى قائد بشري. وتُستخدَم في المراقبة العسكرية، ورصد المحيطات، ونقل الشحنات تحت الماء، إذ يمكنها التوغُّل في أعماق البحار لجمع البيانات أو توصيل البضائع إلى مناطق خطرة يصعب على البحّارة الوصول إليها.
سيف تحت الماء

سُمِّيت «إكس في إكسكاليبر» (Xv Excalibur) تيمُّنًا بأسطورة الملك آرثر، وهي مركبة تحت مائية غير مأهولة فائقة الحجم Extra-Large Uncrewed Underwater Vehicle (اختصارًا: المركبة xluuv) عدَّلتها وزارة الدفاع البريطانية، وتُعَد أكبر غواصة ذاتية القيادة خضعت للتجارب لدى الوزارة، إذ يبلغ طولها 12 م، وتزيح نحو 19 طنًا من المياه. تنضم «إكسكاليبر» إلى سرب تجارب الأسطول Fleet Experimentation Squadron، وستعمل كمنصة اختبار للتقنيات البحرية المتقدمة، مستفيدةً من قدراتها الطبيعية في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، إضافةً إلى خصائص التخفي التي توفرها فئة Xluuv، فضلًا عن قدرتها على حمل حمولات مخصصة، وفقًا للبحرية الملكية البريطانية. وعلى خلاف عديد من السفن الأخرى، لا تستطيع الغواصات الاعتماد على نظام تحديد المواقع العالمي (Gps) للملاحة تحت سطح الماء. وبدلًا من ذلك، ستستخدم «إكسكاليبر» نوعًا من التقنيات الكمية يُعرَف باسم «تيكِر» Tiqker لتوفير توقيتات دقيقة وملاحة مستقلة. ومن المقرر أن تُمضي المركبة العامين المقبلين في إجراء تجارب بحرية مكثفة لتطوير قدراتها الذاتية.
لكي تتحرك هذه المركبات بنحو مستقل وتتجنب العوائق البحرية العائمة، يعتمد عديد منها على تقنية تُعرَف باسم «مسجل السرعة الدوبلري» (Doppler Velocity Logger – Dvl). تعمل هذه التقنية بطريقة مشابهة لنظام الليدار (الكشف عن الضوء وتحديد المدى) Light Detection And Ranging
(Lidar) المستخدم في السيارات ذاتية القيادة، والذي يقيس الزمن الذي تستغرقه حِزم الضوء للارتداد عن الأجسام لتحديد المسافة بينها، غير أن مسجل السرعة الدوبلري يستخدم الموجات الصوتية بدلًا من الضوء. يُطلَق نظام الصوت في المركبة ذاتية القيادة تحت الماء Auv موجاتٍ في البيئة المحيطة، ويقيس الحاسوب الداخلي الزمن الذي تستغرقه للعودة بعد ارتدادها، ليحدد سرعة المركبة واتجاه حركتها، ويكشف أيَّ عائق في مسارها.
ظهر مفهوم المركبات ذاتية القيادة تحت الماء لأول مرة في العام 1957 مع ابتكار «المركبة البحثية ذاتية الدفع تحت الماء» (Self-Propelled Underwater Research Vehicle – Spurv). وقد طُوِّرت في جامعة واشنطن بالولايات المتحدة بهدف جمع معلومات عن المحيطات، مثل انتقال الموجات الصوتية، ورسم أثر الاضطراب (الدوامة Turbulence) الذي تخلّفه الغواصات. وباعتبارها أول تجربة من نوعها، أرست المركبة Spurv الأساس للتطورات اللاحقة في هذا المجال.

يرجح أن يكون أحد أبرز الإنجازات في عالم السفن البحرية ذاتية القيادة قيدَ التنفيذ حاليًّا، ويتمثل في مركبة شراعية بحرية ذاتية الإبحار في رحلة باتجاه واحد حول العالم. تعاونت شركة «تيليداين مارين» Teledyne Marine للتقنيات البحرية مع جامعة روتجرز في ولاية نيوجيرسي تعاونت الشركتان لإنتاج «الغواصة الجوالة البحثية والتعليمية دوغ ويب الدولية» Research And Education Doug Webb Inter-National Glider، المعروفة باسم «ريد وينغ» Redwing. يبلغ طول هذه المركبة ذاتية القيادة الغاطسة 2.57 م، وهي مزوَّدة بعدد كبير من المجسات المتطورة لجمع كمٍّ هائل من البيانات حول محيطات العالم، بما في ذلك معلومات عن درجات حرارة المياه وأعماقها وكثافتها. يقول أوسكار سكوفيلد Oscar Schofield، المسؤول العلمي عن البعثة: «تنظِّم المحيطات جميع أنماط الطقس والمناخ. وستمنحنا هذه البعثة أداة إضافية نحتاج إليها لتحقيق فَهم حقيقي لها».
وعلى خلاف عديد من المركبات الغاطسة الأخرى، تعتمد «ريد وينغ» على قوتي الجاذبية والطفو للتحرك في الماء. إذ تُبحر في نمط يشبه «أسنان المنشار» Sawtooth، مستخدمةً مضخةَ زيت ومنظومةَ بطاريات لضبط كثافته. عندما تضغط مضخة هيدروليكية داخلية كمية من الزيت، تصبح كثافة المركبة أعلى من كثافة الماء المحيط بها، مما يمكنها من الهبوط إلى أعماق تصل إلى 1,000م. وعند إتمام مرحلة النزول، تتمدَّد كمية الزيت مرة أخرى، فتنخفض الكثافة وتبدأ المركبة في الصعود عبر عمود الماء إلى السطح. وخلال هذه الحركة المتعرجة، تجمع «ريد وينغ» طيفًا واسعًا من البيانات عبْر مجساتها المتعددة. وتُنقل البيانات التي تجمعها عبْر وصلة للأقمار الاصطناعية كل 8 إلى 12 ساعة عند صعودها إلى السطح.

أُطلِقت بعثة «ريد وينغ» في 11 أكتوبر 2025 في المحيط الأطلسي قُبالةَ سواحل ولاية ماساتشوستس. ومن المقرر أن تمضي السنوات الخمس التالية في الإبحار حول العالم، قاطعةً أكثر من 45,000 ميل بحري، في إنجازٍ لم يسبق أن حققته غواصة منزلقية ذاتية القيادة. قال براين ماغواير Brian Maguire، الرئيس التنفيذي للعمليات بشركة تيليداين مارين: «ستمهد هذه البعثة الطريق إلى مستقبل يعمل فيه أسطول عالمي من الغواصات ذاتية القيادة الغاطسة على جمع بيانات مستمرة من المحيطات. وستوفر هذه البيانات إنذارات مبكرة بالظواهر الجوية المتطرفة، وتُتابع تأثير تغيُّر التيارات البحرية، مما يتيح لنا تحسين توقعات المناخ بعيدة المدى بطريقة حلم بها العلماء على مدى عقود».
”ستجمع ريد وينغ كمًّا هائلًا من المعلومات عن المحيط“
داخل ريد وينغ
المكوِّنات التي تُبقي هذه الغواصة الجوّالة حول العالم قادرة على الإبحار الذاتي تحت الأمواج![]()
1 الدافع Thruster
الغواصة الجوالة Glider مزوّدة بدافعٍ احتياطي يعمل بمروحة في حال تعطل نظام الدفع بالطفو.
2 الدفَّة Rudder
تُوفر دفَّة يُتحكَّم فيها مغناطيسيًّا توجيهًا ذاتيًّا للغواصة.
3 تخفيف الوزن Weight Loss
في حالات الطوارئ، يمكن التخلص من أثقال الاتزان Ballast من مؤخرة الغواصة لتقليل وزنها الإجمالي بقدر كبير، مما يؤدي إلى صعودها نحو السطح.
4 الزعنفة Fin
تحتوي زعنفة الغواصة على هوائيات الاتصال اللاسلكي ونظام تحديد المواقع العالمي (Gps) .
5 الهيكل Hull
يُصنع هيكل الغواصة الجوالة من ألياف الكربون، وهي مادة يمكنها الانحناء والتكيُّف مع تغيُّر ضغوط أعماق المحيط.
6 بطارية ليثيوم Lithium Battery
جميع المجسات والأنظمة الداخلية تعمل ببطارية ليثيوم-أيون.
7 بطارية ضبط الميل Pitch Battery
يمكن لبطارية ضبط الميل أن تتحرك إلى الأمام أو الخلف داخل الغواصة الجوالة لضبط زاوية الميل (ارتفاع المقدمة
أو انخفاضها) في أثناء حركتها بالنمط المتعرِّج الشبيه بأسنان المنشار.
8 مضخة الطفو Buoyancy Pump
يُضَخ الزيت إلى الداخل والخارج لضبط الكثافة الداخلية، مما يسمح للغواصة بالهبوط في الماء.
9 مقياس الارتفاع Altimeter
يُستخدَم مجس يُعرَف بمقياس الارتفاع Altimeter لقياس المسافة بين الغواصة وقاع البحر، لمساعدتها على تجنُّب العوائق.
10 كيس هوائي Air Bladder
عند صعود الغواصة إلى السطح، ينتفخ كيس هوائي لرفع الهوائيات خارج الماء.
11 مجسات علمية Scientific Sensors
تُدمَج مجموعة من المجسّات داخل حمولة الغواصة، بما في ذلك تلك التي تقيس الملوحة ودرجة الحرارة، بل حتى جهازُ تتبُّع للأسماك.
الأضخم تحت الأمواج

بعد أن ركزت اهتمامَها طويلًا على الأجواء، وجَّهت شركة بوينغ Boeing لصناعة الطائرات، اهتمامها أيضًا إلى البحار، حيث طوَّرت على مدى سنواتٍ أنظمةَ مركبات بحرية مأهولة وغير مأهولة. ومن بين أكبر المركبات الذاتية في سجلها مركبة تُدعى «أوركا» Orca، وهي مركبة تحت مائية غير مأهولة فائقة الحجم (Xluuv) سُلِّمت إلى البحرية الأمريكية في العام 2023. يبلغ طول هذه المركبة تحت المائية الضخمة 15.5 م، ويمكنها الإبحار مسافة تصل إلى 6,500 ميل بحري، وتُعَد الأكبر من نوعها في العالم. وتضم داخل هيكلها قسمًا معياريًّا Modular Section بطول 10.4 م يمكنه حمل حمولة تصل إلى 8 أطنان، وهو ما يعادل تقريبًا وزن 9 مركبات تحت مائية غير مأهولة متوسطة الحجم يبلغ قطر كل منها نحو 53سم. كما تعمل بنظام دفع يعمل بالديزل والكهرباء يتيح لها الإبحار في صمت تحت الماء بسرعات تتجاوز 3 أميال في الساعة، مما يوفر قدرة عالية على التخفي.