HIWأحياءعلوم

علم السعادة

كيف ولماذا تُنتج أدمغتُنا الشعور بالفرح؟

بقلم: سكوت داتفيلد

ما السعادة؟ إنه سؤال ظل المجتمع العلمي يتأمله قرونًا. وقد وصف الفيلسوف اليوناني الكبير أرسطو Aristotle مفهوم السعادة بأنه حالة من اليودايمونيا (القيمة) Eudaimonia. أما اليوم، فتُصنَّف بوصفها شعورًا إيجابيًا بالفرح والرضا. وهي تسير أيضًا جنبًا إلى جنب مع الشعور بالمتعة، الذي يشير إليه علماء النفس باسم الهيدونيا (المتعة) Hedonia. غير أن العلم الكامن وراء سعادتك العامة ليس مفهومًا بالكامل. لا يبدو أن هناك تفسيرًا تطوريًا واحدًا يوضح سبب شعورنا بالسعادة. فهناك عواطف أخرى، مثل الخوف، تؤدي غرضًا يتمثل في حمايتنا، ومساعدتنا على استكشاف المواقف التي قد تكون ضارة ومن ثم تجنبها.

أما السعادة، من ناحية أخرى، فليست بهذه البساطة. ما اقترحه العلماء هو أن السعادة وسيلة لتحفيزنا على الانخراط في أفعال قد تكون مفيدة لحياتنا. فالمتعة المرتبطة بتناول وجبة لذيذة، مثلًا، تُعلمنا أن الأكل ضروري للبقاء. وبالمثل، فإن السعادة الناتجة عن التواصل الاجتماعي متجذرة في تكوين الجماعة، وهو أمر كان أسلافنا في عصور ما قبل التاريخ يعتمدون عليه للبقاء. ويبدو أن السعادة وسيلة عاطفية للسلوكيات التي تمنحنا أفضل فرصة للبقاء.

هل كنت تعلم؟ يضحك الشخص البالغ العادي نحو 17 مرة في اليوم.
علم السعادة
رسم توضيحي لعملية إطلاق الدوبامين في الدماغ

قد يختلف ما يسبب ذلك الشعور المبهج من شخص إلى آخر. فما يكون يومًا مشمسًا جميلًا لشخص قد يكون عذابًا لآخر، على الرغم من أنه من الصعوبة بمكان أن ينظر الناس إلى صورة صغير قضاعة Otter ولا يجدونها مبهجة. ما يوحدنا هو التفاعلات الكيميائية في الدماغ عندما يحدث محفز للسعادة. كثيرًا ما يُروَّج للدوبامين Dopamine بوصفه «هرمون السعادة»، وهو السفير الكيميائي للسعادة. أما الجزيء المحب للفرح فهو نوع من الرسل الكيميائية يُسمى ناقلًا عصبيًا Neurotransmitter. يصنع الدماغ الدوبامين ويستخدمه ليسمح للخلايا العصبية بالتواصل بعضها مع بعض. وعندما يحدث محفز للسعادة، مثل الطعام، يُفرَز الدوبامين في الدماغ ويخلق إحساسًا مؤقتًا بالنشوة والفرح. لكن احذر، فالدوبامين قد يسبب الإدمان. فالاندفاع نفسه من النشوة المدفوعة بالدوبامين الذي تختبره عندما تأخذ قضمة من كعكة شوكولاتة، ثم تضطر بعدها إلى أخذ قضمة أخرى، هو أيضًا الديناميكية نفسها القائمة على المكافأة مما قد يؤدي إلى الإدمان على مواد ضارة، مثل الكحول.

علم السعادة
عَد الضحك وسيلة رائعة لتخفيف التوتر

ثم هناك ابن عم كيميائي للدوبامين، هو السيروتونين Serotonin. ومثل الدوبامين، يُعَد السيروتونين نوعًا من النواقل العصبية. غير أن %10 فقط من السيروتونين لديك يُنتج في العصبونات داخل الجهاز العصبي المركزي Central nervous system؛ أما الباقي فيُصنع في الجهاز الهضمي Gastrointestinal tract. ومثل الدوبامين، يساهم إفرازه في الإحساس بالسعادة، إلى جانب أداء عدة وظائف، منها وظائف مرتبطة بالذاكرة والجوع والنوم.لا يمكن قياس المستويات التي نشعر عندها بالسعادة الناتجة عن إفراز الدوبامين كميًا. فلا يوجد اختبار موحد لقياس السعادة على مقياس محدد؛ إذ يعتمد التعرف على هذه العاطفة اعتمادًا كاملًا على حكمنا الشخصي. وبعضنا أكثر استعدادًا للشعور بالسعادة من غيره. فالوراثة ليست مجرد مخطط لتكويننا الجسدي، بل تشير بعض الدراسات إلى أنها تساهم أيضًا في تشكُّل عواطفنا.

في العام 2018، بحثت دراسة علمية تأثير الوراثة في جانبي الرفاه المرتبطين باليودايمونيا والهيدونيا. وجد الباحثون أن نحو 30 إلى %40 من الاختلاف بين مستويات الرضا والسعادة لدى الناس قد يرجع إلى تكوينهم الجيني الموروث. وتكهنت الدراسة نفسها أيضًا بأن سمات شخصية موروثة مختلفة، مثل العصابية Neuroticism

والانبساط Extraversion، تؤثر في سعادة الشخص، فذكرت: «يبدو أن الشخصية السعيدة، أو الراضية، تتميز بمستويات منخفضة من القلق والاكتئاب، ومستويات مرتفعة من العواطف الإيجابية والنشاط».

هل كنتَ تعلم؟ هناك 19 نوعًا من الابتسامة
قد يؤدي تغير مستويات الدوبامين لديك إلى انعدام الشعور بالتلذذ

حين تغيب البهجة

قد يعاني ما يصل إلى %70 من المصابين بالاكتئاب Depression أيضًا أعراضًا تُعرَف باسم انعدام التلذذ Anhedonia. وإلى جانب الشعور بالأعراض الشائعة للاكتئاب، مثل الإرهاق، وانخفاض المزاج، والإحساس باليأس، يتمثل انعدام التلذذ في عدم القدرة على الشعور بالمتعة أو الفرح من أنشطة كانت توفر عادة شيئًا من السعادة. لا يزال العلم غيرَ واضح بشأن السبب الدقيق لانعدام التلذذ. غير أنه يُعتقَد أن التغيرات في النواقل العصبية لدى الشخص، مثل الدوبامين، قد تكون عاملًا مساهمًا. وبالمثل أشارت بعض الدراسات إلى أن زيادة بروتين يُسمى البروتين المتفاعل سي C-reactive protein (اختصارًا: البروتين CRP)، الذي يُفرز استجابة للالتهاب في الجسم، قد تكون مرتبطة أيضًا بتطور انعدام التلذذ.


البكاء من الضحك

إذا سبق لك أن شاهدتَ فيلمًا من أفلام مونتي بايثون Monty Python، فربما تعرف معنى أن تبكي من شدة الضحك. لكن لماذا يجعل الفرح أجسادنا تستجيب بالطريقة نفسها التي تستجيب بها لنهاية فيلم المفكرة The Notebook؟ حسنًا، قد يساعد ذلك على إعادة الجسم إلى حالة متوازنة، تُعرَف باسم الاتزان الداخلي Homeostasis. والفكرة هي أن الجسم يطلق استجابة «سلبية» غير معتادة، مثل إفراز الدموع، لخفض الحالة العاطفية للجسم من ذروة السعادة الشديدة والضحك إلى المستوى الأساسي من السعادة. وفي العام 2015، قيَّم باحثون في جامعة ييل سبب إظهارنا بعضَ السلوكيات المتناقضة، مثل البكاء من الضحك والضحك العصبي. وصنَّف الفريق هذه السلوكيات على أنها «تعبيرات ثنائية الشكل» Dimorphous expressions، ويقترحون أنها تساعدنا على تنظيم عواطفنا.

هل كنتَ تعلم؟ ترتبط السعادة بانخفاض ضغط الدم ومعدل ضربات القلب.

مراكز الفرح

أين توجد السعادة في الدماغ؟

1 القشرة الجبهية الأمامية Prefrontal cortex

هنا تُعالَج عواطفنا وقراراتنا. وجدت دراسات أن الجانب الأيسر من القشرة الجبهية الأمامية يرتبط أكثر بالعواطف الإيجابية. وفي المقابل يرتبط الجانب الأيمن من الدماغ بالشعور بالحزن.

2 النواة المتكئة Nucleus accumbens

تُحَس الهيدونيا، أو المتعة، جزئيًّا في النواة المتكئة. وتُعد هذه المنطقة من الدماغ أيضًا نظام المكافأة في الدماغ. وعندما نختبر محفزًا ممتعًا، مثل تناول طعام لذيذ، تنشط هذه المنطقة.

3 اللوزة المخية Amygdala

قد تكون اللوزة الدماغية، وهي أيضًا منطقة لمعالجة العواطف، مشارِكة في شدة الفرح الذي نستشعره. وهي أيضًا الموضع الذي ترتبط فيه العواطف بالذكريات والتعلُّم، وحيث تحدث معالجة المكافآت الإيجابية المرتكزة على المحفزات.

هل كنتَ تعلم؟ يبدأ الأطفال في الابتسام من عمر 6 أسابيع
قد لا يكون البشر هم الحيواناتِ الوحيدة التي تستشعر المشاعر الإيجابية

السلوك الدارويني

هل نحن الحيواناتُ الوحيدة التي تستشعر الفرح والسعادة؟ إذا كان فهم السعادة البشرية مجالًا بحثيًّا بالغ التعقيد، فقد يبدو كشف الحقيقة عن السعادة في البرية شبه مستحيل. غير أن ذلك لم يمنع العلماء من المحاولة. ففي كتاب تشارلز داروين Charles Darwin الصادر في العام 1871، أصل الإنسان The Descent of Man، كتب: «إن الحيوانات الأدنى، مثل الإنسان، تشعر بوضوح بالمتعة والألم، والسعادة والبؤس». ويبدو أن اختصاصيي سلوك الحيوان اليوم يتفقون معه. ففي العام 2024، نشر باحثون دراسة استطلعوا فيها آراء 100 باحث آخر من مجموعة من المجالات، منها البيولوجيا التطورية Evolutionary biology وعلم الأعصاب Neuroscience، حول أفكارهم بشأن قدرة الحيوانات على الشعور بعواطف مثل السعادة. أظهرت نتائج الدراسة أن الباحثين المستطلعةَ آراؤهم نسبوا العواطف إلى «معظم» أو «كل تقريبًا» الرئيسات غير البشرية، إذ وافق %98 منهم، وكذلك إلى الطيور، بنسبة %79، وإلى الثدييات الأخرى، بنسبة %89.


فرحة العالم

بحسَب تقرير السعادة العالمي، فإن هذه الدول لديها أسعد السكان

1 فنلندا Finland

2 آيسلندا Iceland

3 الدنمارك Denmark

4 كوستاريكا Costa Rica

5 السويد Sweden

6 النرويج Norway

7 هولندا Netherlands

8 فلسطين Palestine

9 لوكسمبورغ Luxembourg

10 سويسرا Switzerland

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى