Oloomعلوم اجتماعية

هل يمكن أن نستعين بالخوارزميات في عملية الإبداع؟ نعم ولكن باعتدال

أظهرت تجربة حديثة أن أكثر الأفكار إبداعًا توصَّل إليها من استخدموا الذكاء الاصطناعي باعتدال، بعيدًا عن كل إفراط أو تفريط. الكاتب ديفيد روبسون يختبر هذه النتيجة، ويستكشف ما نخسره حين نفرط في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي.

بقلم  ديفيد روبسون

أردت أن أضع – خلال 30 دقيقة – مخططا موجزا لحبكة فيلم سينمائي. ومن ثم طلبت من النموذج ChatGPT أن يقترح مجموعة أفكار لمثل هذا الفيلم، وأرسلت له جملة مُحفِّزة للكتابة الإبداعية، تقول: «تجمّدت قسمات وجهها واتسعت عيناها وهي تتابع الكأس تتحطم وتتناثر شطاياها على الأرض». وكانت الفقرة التالية واحدة من أفضل مقترحاته:
«يستضيف والدا ميشا حفل خطوبة ابنتهما في قصرهما الريفي. وبينما رفعت يدها لتعبر عن شعورها بالمناسبة، انزلقت الكأس من يدها لتكشف عن شيء لُفَّ حول قاعدتها. إنها بطاقة ذاكرة صغيرة. يفضي هذا إلى الكشف عن فضيحة فساد تورطت فيها عائلتها قبل عقود، وهذا يحتم عليها أن تختار بين العدالة والولاء».
محاولة لا بأس بها، على ما أظن.
لا، ليست لدي طموحات جدية للدخول إلى عالم السينما في هوليوود. لكنني أردت اختبار نتائج دراسة حديثة أجراها سوان-تشه براد هوانغ Hsuan-Che Brad Huang، خلال دراسته الدكتوراه في جامعة كولومبيا البريطانية University of British Columbia في كندا. لقد دار كثير من النقاش عبر الإنترنت حول ما إذا كانت الخوارزميات ستسيطر على كل ما يتطلب عملًا ذهنيًّا على نحو قد يؤدي إلى الاستغناء عن المبدعين البشر، لكن هوانغ سعى إلى معرفة إن كان الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز عملية الإبداع لدينا، وكانت الإجابة تعتمد على مقدار استخدامنا له. فالقليل جدًّا، أو الكثير جدًّا، يضعف تفكيرنا. أما في منطقة التوازن الوسطى، فيمكن لهذه النماذج أن تُلهمنا أفكارًا جديدة قد لا نصل إليها بمفردنا، مع الإبقاء على شعور مُرضٍ بأننا نمتلك العمل الذي ننتجه.
للأسف، من غير المرجح أن تفضي تجربتي إلى كتابة فيلم ضخم يحقق أرقامًا قياسية، لكنها ساعدتني على توضيح أفكاري حول طبيعة الإبداع.
أولًا: النظرية. استندت فرضية هوانغ إلى أن الإبداع البشري تُقيده – في أكثر الأحيان – خبراتنا وتجاربنا؛ فنحن نحمل افتراضات معينة توجه تفكيرنا في اتجاه بعينه، ولذلك قد يكون من المفيد الاطلاع على طرائق أخرى نرى من خلالها العالم. وتشير الأدلة إلى أن هذا أحد أسباب كون الفريق يتفوق في الإبداع على من يعملون بمفردهم في أكثر الأحيان. ويمكن للذكاء الاصطناعي AI أيضًا أن يكون أداة للحصول على منظور مختلف.
غير أن لهذه التقنية حدودها. فالنماذج اللغوية الكبيرة Large language models (اختصارًا: النماذج LLMs)، وهي في جوهرها أدوات إحصائية، تقدم في أكثر الأحيان «استجابة متوسطة» للأسئلة، من دون السمات الفردية المدهشة للدماغ البشري، كما أنها تمتص التحيزات والأحكام المسبقة من بيانات تدريبها. والأسوأ أنها قد تقوض شعورنا بالكفاءة، فتفضي إلى نوع من اللامبالاة وفقدان الحافز والاهتمام.
ولهذه الأسباب، افترض هوانغ أن الاعتدال هو الأساس. فكما كان على الفتاة ذات الشعر الذهبي أن تعثر في بيت الدببة على طعام ليس شديد السخونة ولا شديد البرودة، قال إنه ينبغي لنا أن نسعى إلى مستوى متوسط من التفاعل يكون «مناسبا»، وقد اختبر هذه الفكرة عبر سلسلة من التجارب.
تضمنت التجربة الأولى اختبارًا مألوفًا للإبداع، طُلب فيه من نحو 150 مشاركًا مساعدة طالب يُدعى مايك على ابتكار مشروع تجاري ارتجالي، اعتمادًا على تمويل أولي قدره 10 دولارات فقط. وشُجِّع المشاركون أولًا على توليد أفكار متعددة، ثم إرسال رسالة بريد إلكتروني إلى مايك يعرضون فيها أفضل مقترح بالتفصيل.

 

في كل مرحلة ساعدني الذكاء الاصطناعي على توسيع نطاق الأحداث التي أفكر فيها، لكن كان عليَّ أن أستعين بحكمي البشري للحفاظ على تماسك القصة وبناء حبكة محكمة.

 

خلال هذه العملية، شُجِّع بعض المشاركين على استخدام ChatGPT مرة واحدة فقط، بينما نُصح آخرون باستخدامه ما بين 4 و6 مرات. أما البقية، فقد طُلب منهم استخدام الذكاء الاصطناعي 9 مرات على الأقل، وهو مستوى مرتفع جدًّا من التفاعل لمهمة مدتها 15 دقيقة. وقد استخدم جميع المشاركين الذكاء الاصطناعي في مرحلة ما. ثم قيَّم أفكارهم النهائية محكّمون خبراء من البشر وفق معايير الجِدة والفائدة والقيمة التجارية.
جاءت النتائج مطابقة لتوقعات هوانغ، إذ حقق المشاركون في المجموعة المتوسطة أعلى متوسط للدرجات. ولتأكيد ذلك، أجرى تجربة ثانية شملت 319 مشاركًا إضافيًا، وتوصل إلى النتيجة ذاتها.
أخيرًا، عرض الفكرة على مبدعين محترفين من خلال استطلاع شمل مصممي أزياء وفنانين تشكيليين ومؤلفين ورسامي رسوم متحركة وتقنيين ومؤثرين. وفي الاستبيان، طُلب من المشاركين تقييم عبارات مثل «سأستخدم الذكاء الاصطناعي لأداء معظم مهام عملي» على مقياس من 1 «أرفض بشدة»«إلى 7 » أوافق بشدة”. وبالاستناد إلى تقييمات رؤسائهم، تبيَّن أن الذين أفادوا باستخدام الذكاء الاصطناعي باعتدال، أي نحو 4 أو 5 على المقياس، كانوا الأكثر إبداعًا. وهذا يتسق مع نتائج تجاربه السابقة.
خلال تجربتي البسيطة، لمستُ بوضوح مزايا استخدام الذكاء الاصطناعي؛ فقد طلبتُ أولا من برنامج الدردشة أن يقترح 10 أفكار مختلفة في مجالات متنوعة، ثم اخترت فكرتي المفضلة: بطاقة الذاكرة المخفية التي تنكشف عندما تتحطم كأس ميشا. وطوّرتُ هذه الفكرة بأن وصفتُ ما قد تحتويه البطاقة، وهي سلسلة من الصور الثابتة من حفل زفاف جدّي ميشا، ثم طلبت من الذكاء الاصطناعي اقتراح مسار لاحق للحبكة. فجاء باقتراح أن الصور تظهر شابة أنيقة أُزيلت من صور الزفاف الأخرى.
وبفضل المحفزات أو الأسئلة الأربعة المتبقية، استكشفنا هوية هذه المرأة، وهي عمّة والد ميشا، وسبب «اختفائها» أنها شهدت شقيقها، جدَّ ميشا، وهو يرتكب جريمة. وقررنا أن تبلغ المواجهة ذروتها في حفل زفاف ميشا.
في كل مرحلة ساعدني الذكاء الاصطناعي على توسيع نطاق الأحداث التي أفكر فيها، لكن كان عليَّ أن أستعين بحكمي البشري للحفاظ على تماسك القصة وبناء حبكة محكمة. وقد أتاح لي ذلك – بلا شك – ابتكار حبكة أكثر تعقيدًا مما كان في وسعي إنجازه بمفردي ضمن الوقت المتاح. ومع ذلك، مازالت لدي بعض التحفظات؛
فالأمر لا يقتصر على الإشكالات الأخلاقية المرتبطة بأنني سأنسب إلى نفسي عملا تعاونيًّا مع الذكاء الاصطناعي، أو مخاطر النقل عن أعمال آخرين عبر الاقتراحات التي تطرحها الخوارزمية، بل يتعداه إلى ما أرى أننا نفقده حين نفوِّض لمصدر خارجي مهمة التفكير بدلا منا. فقد بدأتُ أخيرًا تجربة كتابة القصص القصيرة، واستمتع بإحساس ذهني وهو يتدفق بحثًا عن روابط جديدة، وبدهشة حقيقية عندما تنبثق موضوعات وأفكار غير متوقعة، مرتبطة بطريقة ما بتجاربي الشخصية ومشاعري. كل ذلك كان غائبًا في تلك التجربة.
ولعل أكثر ما يثير قلقي هو أثر استخدام الذكاء الاصطناعي في تنمية قدراتي الفكرية على المدى الطويل؛ ففي دراسة حديثة، مازالت قيد مراجعة الأقران، أظهرت غريس ليو Grace Liu، من جامعة كارنيغي ميلون Carnegie Mellon University في بنسلفانيا، وزملاؤها أن الناس سرعان ما يعتمدون على الذكاء الاصطناعي، وتقلّ مثابرتهم في غيابه. لا أظن أن هذا التحول دائم، لكنني أكره فكرة أن أدرّب نفسي، من حيث لا أدري، على نوع من التفكير الكسول في المستقبل؛ فالكتابة، من منظوري، ينبغي أن تظل رحلة تعلم مستمرة.
ولا أقصد بذلك إصدار حكم على من يختار الإبداع بمساعدة الذكاء الاصطناعي، فأنا على يقين بأن كثيرين قادرون على استخدامه من دون أن يحدّ ذلك من قدراتهم الفكرية، لكن إذا كانت العبقرية، كما يقول المثل الشائع، تعتمد على قليل من الإلهام وكثير من الجهد، فإنني أفضل أن أبذل هذا الجهد بنفسي.

© 2026, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى