
بقلم هايلي بينيت
يرافق ماس سوبرامانيان Mas Subramanian زوجته راجيفي Rajeevi إلى متاحف الفنون في مختلف أنحاء العالم. لكنه، حتى وقت قريب، نادرًا ما كان يتوقف طويلًا أمام اللوحات؛ فبينما كانت زوجته تقضي ساعات تتأمل أعمال مونيه وبيكاسو، كان يفضِّل تمضية الوقت مع كتاب. كان يقول لها: «اذهبي وتفرَّجي على ما تشاءين، سأجلس في مكان ما وأقرأ».
وعلى الرغم من أن كليهما كيميائيان، كان مساراهما مختلفين تمامًا. كانت راجيفي سوبرامانيان Rajeevi Subramanian مبدعة عاشقة للفن، وترسم تخطيطات دقيقة، ولوحات بديعة بالألوان المائيةلوأ. أما زوجها فاتجه إلى علوم المواد في شركة دوبون DuPont الكيميائية، جامعًا الأبحاث وبراءات الاختراع. ولم تكن اللوحات تعنيه كثيرًا.
لكنَّ ذلك تبدَّل في العام 2008، حين التقت الفنون بالكيمياء داخل مختبره. في أثناء صنعه مواد جديدة لأجهزة الكمبيوتر، اكتشف سوبرامانيان صبغة زرقاء غريبة؛ كان اكتشافًا عَرضيًّا غيّر مسار حياته المهنية، ونظرته إلى اللوحات الفنية.
وبين ليلة وضحاها، أسَرته الكيمياء الخفية للألوان، وبدأ يدرك معاناة الفنانين منذ القدم: عبر التاريخ، كانت الألوان الزاهية المقاومة للبهتان نادرة، واكتُشفت عن طريق المصادفة لا بالتصميم. كان ذلك تحديًا علميًّا لا يُقاوَم في نظره.
انغمس في عالم الألوان، ساعيًا إلى تحديد البنى الذرية التي تنتجها. وخرجت من مختبره أصباغ تكاد تشمل كل الدرجات. ومع ذلك، مازال هدف واحد يراوغه: «الأحمر المثالي»، كما يسميه، وهو الأحمر الزاهي طويل العمر، القادر على جعل جدار أي متحف ينضح بالحياة.
الصخور الحمر
لم يكن العثور على الأحمر صعبًا يومًا؛ فقد طحن الفنانون الأوائل الصخور الغنية بأكسيد الحديد، وخلطوها بالدهون الحيوانية لصنع الدهانات الحمراء. كانت هذه الأصباغ المعدنية متينة ولكنها باهتة؛ فالبقرة الحمراء في رسومات كهف لاسكو Lascaux في فرنسا مازالت تبدو بلون بني محمر بعد نحو 20 ألف عام من رسمها.
لكن التحدي الدائم كان هو التوصل إلى لون أحمر يجمع بين اللمعان والثبات. تاريخيًّا، اعتمدت أكثر درجات الأحمر الزاهي غير العضوية على معادن سامة، مثل الكادميوم والزئـبق. ومع ازدياد صعوبة الحصول على هذه المواد حاليًا، صار إيجاد بديل لها مهمة أصعب بكثير مما قد يظن البعض. يقول سوبرامانيان: «من السهل تفسير اللون بعد العثور عليه… لكنني لا أستطيع أن أطلب من أي عالم نظري أن يحسب أي مركَّب سينتج اللون الأحمر».
من حيث المبدأ، تبدو المسألة بسيطة: تظهر المادة حمراء؛ لأنها تعكس الضوء الأحمر وتمتص الأزرق والأخضر. لكن عمليًّا، الأصباغ الأكثر تميُّزا هي التي تعكس اللون المطلوب وحده، من دون أي تسرب طيفي، وهذا يعتمد على ترتيب الذرات.
استُخدم معدن الزنجفر Cinnabar على نطاق واسع كصبغة في العصور القديمة، من الجداريات الرومانية إلى مصنوعات أسرة هان Han Dynasty المطلية بالورنيش. وعلى الرغم من لونه الزاهي، فإنه شديد السمية لاحتوائه على الزئبقولهذا تُنتج أكاسيد الحديد في رسومات الكهوف درجات مقبولة من الأحمر لكنها باهتة؛ إذ تسمح بنيتها الكيميائية بتسرّب أجزاء غير مرغوبة من الطيف. يقول غيرهارد فافGerhard Pfaff ، من جامعة دارمشتات التقنية Technical University of Darmstadt في ألمانيا: «الأمر يعتمد حقًّا على التفاعل مع الضوء».
اللون الأحمر القاني لسيارات فيراري يحتاج إلى طبقة واقية باهظة الثمن للحفاظ على بريقه
في العصور الوسطى، اتجه الفنانون إلى مسار آخر للحصول على الأحمر الزاهي عبر الأصباغ الحمراء اللاكيةRed lakes ، وهي دهانات عضوية مصنوعة من جزيئات كربونية بدلًا من البلورات المعدنية. استُخلصَت هذه المركبات العضوية من خنافس القرمز (المنّ) Cochineal beetles، أو من نباتات مثل الفوةRose madder ؛ لإنتاج أصباغ لامعة.
لكن على الرغم من بريقها، كانت الأصباغ العضوية هشة في تركيبتها الكيميائية وقصيرة العمر. عُرِفت الأصباغ الحمراء باسم الأصباغ العابرة؛ لأن ألوانها تتلاشى. ومازالت نقطة الضعف هذه ثمنًا ينبغي تحمله حتى في وقتنا الحاضر. يقول ديفيد بيغي David Peggie، الكيميائي ومحلل الدهانات من المعرض الوطني The National Gallery في لندن، إن الأصباغ العضوية يمكن مزجها لإنتاج معظم الدرجات اللونية، وهذا مناسب لطلاء المنازل، لكنه يتساءل: «ماذا عن سيارتك؟»؛ فاللون الأحمر القاني لسيارات فيراري Ferrari الحديثة، والمستخلص من مصادر عضوية، يحتاج إلى طبقة واقية باهظة الثمن من الأشعة فوق البنفسجية للحفاظ على بريقه؛ لأن الأصباغ العضوية تتلاشى.
كل ذلك يترك فجوة توضح الحاجة إلى تركيب صبغة حمراء آمنة وغير عضوية، تجمع بين اللمعان والديمومة. يقول سوبرامانيان: «أخبرتني شركات كثيرة أنني إذا حصلت على الصبغة الحمراء سأصير بليونيرًا». وتبلغ قيمة السوق العالمية للأصباغ غير العضوية حاليًا أكثر من 28 مليار دولار سنويًّا.
مسار أزرق
لم تبدأ قصة سوبرانيان مع اللون الأحمر، بل باللون الأزرق، وهو لون كان بمنزلة درسٍ عميق وصديقٍ خادع في الوقت نفسه.
على امتداد التاريخ، لم يحصل الفنانون إلا على عدد محدود من درجات الأزرق غير العضوية الموثوقة لإنجاز أعمالهم. كان الأزرق المصري Egyptian blue، وهو من سيليكات الكالسيوم والنحاس، وصُنع في العصور القديمة، ومعه قلة من المعادن الزرقاء الطبيعية، تشكل معظم ما هو متاح. والمدهش أن الكيمياء الحديثة، لم تُضف بعد ترسُّخها إلا اكتشافات قليلة على صلة بالألوان. يقول بيغي: «كان الأمر يعتمد على المصادفات، وعلى كثير من التجربة والخطأ».
إحدى تلك المصادفات حدثت في العام 1706، حين اكتشف صانع الأصباغ يوهان ياكوب فون ديسباخ Johann Jacob von Diesbach اللون الأزرق البروسي Prussian blue، بعد أن استخدم بوتاسًا ملوثًا من دون علمه في أثناء تحضير صبغة حمراء لاكية عضوية للبنفسجي. وبعد قرن من ذلك، طوّر الكيميائيون الأزرق الكوبالتي Cobalt blue الذي اشتُهر في الخزف الصيني، ومازال ركيزة أساسية حتى اليوم. لكن الخلاصة الأوسع كانت أن درجات الأزرق الجيدة نادرة، واكتُشفت في معظم الأحيان عن طريق المصادفة.
ولم يكن الأزرق الذي اكتشفه سوبرامانيان استثناء. وهو يجلس في مكتبه مرتديًا قميصًا بلون قريب من الصبغة التي اكتشفها ويسميها الأزرق ينمن YInMn blue، وهو مزيج من الإيتريوم والإنديوم والمنغنيز. وعلى الرغم من أنه روى قصة اكتشافه مائة مرة، فإنه مازال يرويها وعيناه تلمعان.
بعد عشرين عامًا من العمل في شركة دوبون، انتقل سوبرامانيان، في العام 2006، إلى جامعة ولاية أوريغون Oregon State University ؛ ليتفرغ لأبحاثه. كان اهتمامه آنذاك مُنصبًّا على الموصلات الفائقة والمواد الإلكترونية، لا على الألوان؛ لذلك كان الأمر مجرد مصادفة حين أخرج – ذات يوم – من فرنه مادة زرقاء زاهية. كانت منحته البحثية مُخصَّصة لاكتشاف مواد لتخزين البيانات. ويقول ضاحكا: «لو أنني كتبتُ في مقترحي أنني سأكتشف صبغة زرقاء، لما حصلت على المال».
كان يعمل مع طالب الدراسات العليا أندرو سميث Andrew Smith على تحضير بلورات تتخذ فيها ذرات المنغنيز ترتيبًا غير مألوف، محاطة بذرات الأكسجين، في شكل يشبه هرمين مثلثين متصلين عند القاعدة. كان الشكل الهندسي غريبًا، واللون مفاجئًا. لكن سوبرامانيان الذي اكتسب معرفة واسعة بالألوان من زملائه في قسم الأصباغ في دوبون، أدرك قيمة ما بين يديه؛ فدرجات الأزرق الحقيقية والمستقرة نادرة وثمينة.
وسرعان ما وجدت هذه الدرجة اللافتة من الأزرق معجبين؛ تبناها مصنعو الدهانات، واستخدمها الفنانون، ومنهم راجيفي، لرسم أشجار الجاكاراندا الزرقاء، وطيور البلشون الكبيرة زرقاء اللون. كما وجدت اهتمامَا كبيرًا بها كطلاء عاكس لتبريد المباني.
يقول فاف: «هذا اللون الأزرق ممتاز بلا شك»، لكنه لم يكن مًرشَّحًا ليكون منتجًا تجاريًّا يحظى بإقبال كبير؛ لأن العناصر المكوِّنة له «ليست رخيصة».
أما سوبرامانيان، فقد كان للاكتشاف تأثير آخر عليه؛ لأنه دفعه إلى مجال كيمياء الأصباغ، وكشف له مدى ارتباط اللون بالبنية الذرية. وعلى مدى العقد التالي، أخذ يستبدل عناصر الأزرق YInMn بالإضافة أو النقصان؛ ليبتكر درجات جديدة من الأخضر والبنفسجي والأصفر.
لكن الأزرق، كما اكتُشف لاحقًا، كان بمنزلة فوز سهل. أما الأساليب التي مكّنته من تركيب معظم ألوان الطيف، فقد بدأت تتعثر عندما وجَّه اهتمامه نحو اللون الأكثر تطلبًا على الإطلاق.
![]()
رحلة البحث عن الأحمر
أدرك سوبرامانيان أن الأحمر سيكون تحديًا حقيقيًّا، تحديًا لا يمكن تجاوزه بمجرد اختيار العناصر المناسبة؛ فالكيميائيون يعرفون منذ زمن أن الذرة نفسها قد تُنتج ألوانًا مختلفة تمامًا تبعًا لطريقة ارتباطها. الكروم Chromium، مثلًا، ينتج اللون الأخضر في الزمرد والأحمر في الياقوت، وكل ذلك نتيجة اختلاف ترتيب الذرات داخل كل بلورة.
في جوهر الأمر، يتحكم الضوء في اللون، من خلال تأثيره في الإلكترونات؛ فعندما يصطدم الضوء بصبغة ما، قد تدفع طاقته الإلكترونات إلى «القفز» نحو مستوى طاقة أعلى. وتُحدِّد بنية المادة على المستوى الذري، أي القفزات المسموح بها، وأي أطوال موجية تُمتص أو تُعكس. يمكن للإلكترونات أن تقفز بين الذرات، أو بين مستويات الطاقة داخل الذرة نفسها. وفي لونه الأزرق، اكتشف سوبرامانيان أن شدّة اللون تنشأ من انتقال الإلكترونات بين مناطق مُحدَّدة حول ذرات المنغنيز، تُعرف بالمدارات d d orbitals؛ مما يزيل تمامًا الضوء الأحمر والأخضر من الطيف.
لكن التنبؤ بهذه القفزات ليس أمرًا يسيرًا؛ فهي تعتمد على عوامل دقيقة جدًّا: المسافات بين الذرات، ومدى امتلائها بالإلكترونات، وقواعد فيزياء الكم. وفي كثير من البنى البلورية، تمنع هذه القواعد تمامًا الانتقالات التي تُنتج ألوانًا زاهية. بدلًا من التصدي لهذا التعقيد على نحو مباشر، بدأ سوبرامانيان يبحث عن طرق للتحايل عليه، مستفيدًا من خصائص هندسية ذرية تسمح بثني قواعد الكم.
قاد هذا النهج سوبرامانيان إلى الكروم، ولكن في صورة تختلف عن تلك الموجودة في بعض الأحجار الكريمة؛ ففي العام 2024، قادته أبحاثه إلى مركَّبات تحتوي على الكروم في حالة Cr2+ النادرة، وهي حالة تتشابه فيها المدارات الإلكترونية مع مدارات المنغنيز في الأزرق YInMn. لكن Cr2+ أكثر شيوعًا على القمر منه على الأرض؛ حيث يكون غير مستقر عادة. يقول سوبرامانيان: «قيل لي إن الروس والأمريكيين عندما جلبوا عينات من صخور القمر، وجدوا فيها Cr2+ بسبب انخفاض مستويات الأكسجين هناك».
استلهم سوبرامانيان الفكرة، وخفَّض تركيز الأكسجين في فرنه إلى مستوياته على القمر، فتمكن من تثبيت Cr+2 داخل هياكل بلورية غير مألوفة، تستقر فيها ذرات الكروم داخل مربعات مُسطَّحة. لم يكن اللون الناتج هو الأحمر المنشود، لكنه قريب منه؛ فقد ظهرت مُركَّبات بدرجات «الأحمر الأرجواني» Reddish-magenta، وهو ما دلَّه إلى أنه يسير في الاتجاه الصحيح.
ما يجمع بين هذه المحاولات القريبة من النجاح وبين الأزرق YInMn هو كسر التناظر؛ فالقواعد الكمومية تمنع عادة الإلكترونات من الانتقال بين المدارات d في البيئات عالية التناظر، لكن في أزرق سوبرامانيان، تستقر ذرات المنغنيز داخل ترتيب هرمي مزدوج مشوّه يخفف تلك القيود. أما في المركبات التي تشبه صخور القمر، فينشأ عدم التناظر من اهتزازات جزيئية مستمرة تشوّه المربعات المحيطة بذرات الكروم. وعندما ينكسر التناظر، تصير القفزات الإلكترونية ممكنة. وهذه الحيلة نفسها هي التي تمنح الأزرق المصري لونه المميز.
يتحكم الضوء في اللون من خلال تأثيره في الإلكترونات
انطلاقًا من هذا الفهم، واصل سوبرامانيان إدخال عدم التناظر عمدًا في أصباغه، مشجعًا تلك القفزات الإلكترونية التي تُعد ممنوعة في العادة. وقبل فترة، أعاد استخدام البنية الهرمية المزدوجة مع النيكل، لكنه يشتكي من أنه لم يحصل «إلا على لون برتقالي».
ولأن الانتقالات بين المدارات d نادرًا ما تُنتج أحمر نقيًّا ساطعًا، قرر أن يتبع استراتيجية موازية أيضًا؛ فبدلًا من الاعتماد على القفزات الإلكترونية الدقيقة داخل الذرات، يُجري تجارب على مواد أشباه الموصلات التي تمتص الضوء عندما تقفز الإلكترونات خارج مداراتها بالكامل، كما يحدث في كبريتيد الكادميوم السام ذي اللون الأصفر الكناري.
ومع ذلك، يبقى التقدم غير مضمون. يعترف سوبرامانيان بأنه مازال «يجرب حظه». ويقول: «لهذا أقول لطلابي: جرِّبوا. يمكننا أن نتحدث عن الأمر طوال اليوم، لكن… جربوه. إن نجح فذلك رائع، وإن لم ينجح ننتقل إلى ما يلي».
يقول فاف إن نهج سوبرامانيان الذري متين و«جيد من الناحية النظرية»، لكنه يضيف أن اللون الأحمر الناجح حقًّا يجب أن يصمد أمام الرطوبة وأشعة الشمس وعمليات التصنيع واسعة النطاق، وهي معايير أطاحت سابقًا بمركبات بدت واعدة.
وقد يتطلب الأمر تدخل المصادفة. لكن مهما كانت النتيجة، فقد غيّرت هذه التجارب سوبرامانيان نفسه. وهو عندما يزور متاحف الفنون، لم يعد ينزوي ليقرأ، بل يرافق زوجته لمشاهدة الأعمال الفنية. يقول: «لقد غيّرتُ نظرتي تمامًا إلى هذه الألوان الفنية». ربما سلك طريقًا غير مألوف، لكنه وجد أخيرًا سببًا يجعله شغوفًا باللوحات الفنية.
© 2026, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC