
بقلم دانيال كوسينز
في العام 2025، أفاد علماء الكونيات العاملون على جهاز مطيافية الطاقة المعتمة Dark Energy Spectroscopic Instrument (اختصارا: الجهاز DESI) بظهور تلميحات توحي بأن الطاقة المعتمة الغامضة التي ظُنَّ أنها تدفع توسع الكون، ربما تتضاءل مع مرور الزمن. وإذا تأكدت هذه النتائج المذهلة، فلن تكون الطاقة المعتمة ثابتًا كونيًّا يمثل طاقة الفراغ كما افترضنا طويلًا. عندما نُشر هذا الاكتشاف الصادم، انصب معظم الاهتمام على ما قد يعنيه ذلك للنموذج القياسي لعلم الكونيات، المعروف باسم lambda-CDM، وهو أفضل إطار لدينا لتفسير تطور الكون [يرمز الحرف اليوناني lamda (λ) إلى الطاقة المعتمة التي تسبب تسارع تمدد الكون، وتعد ثابتًا كونيًّا، والاختصار CDM إلى Cold Dark Matter، أي المادة المعتمة الباردة، وهي مادة غير مرئية تتحرك ببطء نسبيًّا، وتُشكل معظم كتلة الكون].
إذا ثبتت هذه النتائج، فقد نحصل أخيرًا على الخيوط التي نحتاج إليها لبناء نظرية أفضل. وقد بدأ بعض الباحثين – بالفعل – في إعادة التفكير في الطاقة المعتمة، وربما في المادة المعتمة والجاذبية أيضًا.
لكن إذا كانت قوة الطاقة المعتمة تتضاءل فعلًا عبر الزمن الكوني؛ فقد تكون التداعيات أوسع وأعمق بكثير؛ أوسع لأنها قد تمنح دفعة جديدة لمؤيدي النماذج الكونية البديلة التي تعيد صياغة فهمنا لمصير الكون. وأعمق؛ لأنها قد تكشف عن شيء جوهري يتعلق بأعمق بنية للزمكان. يقول إريك ليندر Eric Linder، الفيزيائي وعالم الكونيات من جامعة كاليفورنيا بيركلي University of California, Berkeley: «هناك بالفعل احتمالات مثيرة جدا للاهتمام قد تحدث تغييرات كبيرة في علوم الفيزياء».
وفق النموذج lambda-CDM، مرَّ الكون في لحظاته الأولى بمرحلة وجيزة من التوسع الأسيExponential expansion ، تُعرَف بالتضخم الكوني، وهي فكرة تبدو كأنها تفسِّر لماذا الكون أملس ومُسطَّح ومتجانس على أكبر مقاييسه؛ لكن للتضخم منتقدين، أبرزهم الفيزيائي بول شتاينهارت Paul Steinhardt، من جامعة برينستون Princeton University، الذي يقول بصراحة: «نظرية التضخم غير صالحة»؛ لأنها تتطلب – في رأيه – توافر شروط أولية غير واقعية، وتتسم بمرونة مفرطة، وتقود إلى سيناريو الأكوان المتعددة الذي يراه كثيرون غير معقول.
يقول شتاينهارت: «الطاقة المعتمة يجب أن تكون من النوع المتلاشي الذي يوقف تسارع تمدد الكون، ويبدأ في إبطائه، ثم يؤدي – في النهاية – إلى انكماش يعقبه ارتداد ودورة جديدة». والجزء الأول من هذا السيناريو، أي تباطؤ تسارع التمدُّد، هو بالضبط ما يبدو أن بيانات الجهازDESI تلمح إليه.
ولا يعني هذا أن نتائج الجهاز DESI تقدم دليلًا على صحة النماذج الدورية للكون؛ فقد تظهر لاحقًا أخطاء منهجية في القياسات أو التحليل، ومن الممكن تمامًا أن تضعف الطاقة المعتمة من دون أن تقود إلى انكماش أو ارتداد. ومع ذلك، إذا تأكدت مؤشرات اضمحلال الطاقة المعتمة، فسوف يعزز ذلك الموقف الذي يدافع عنه شتاينهارت منذ مدة. ويقول: «أنا عادة أميل إلى التحفظ والصبر… ما يمكنني قوله هو إن اللعبة قد بدأت بالفعل».
إذا تأكدت هذه النتائج المذهلة، فلن تكون الطاقة المعتمة ثابتاً كونياً يمثل طاقة الفراغ كما افترضنا طويلاً
وينطبق الأمر نفسه على فكرة أخرى مثيرة للجدل تلقت دفعة قوية من نتائج الجهاز DESI؛ فوفقا لنظرية الأوتار String theory، يتكون كل شيء في النهاية من أوتار متناهية الصغر مضغوطة في أبعاد إضافية خفية، وتتجلى اهتزازاتها في صورة الجسيمات والقوى التي نستطيع تمييزها. وهي نظرية برزت في ثمانينيات القرن الماضي؛ لأنها بدت كأنها تقدم طريقًا نحو نظرية للجاذبية الكمومية Quantum gravity توفق بين ميكانيكا الكم Quantum theory والنسبية العامة General relativity في ما يسميه البعض نظرية كل شيء Theory of everything.
لكن علماء نظرية الأوتار عانوا طويلًا في بناء نماذج للكون بثابت كوني صغير موجب. وفي سلسلة من الأبحاث نُشرت في العامين 2018 و2019، بنى الفيزيائي النظري كومرون فافا Cumrun Vafa، من جامعة هارفاردHarvard University ، وزملاؤه على مجموعة من المقترحات المعروفة بتخمينات المستنقعات Swampland conjectures، وتهدف إلى التمييز بين نظريات الجسيمات والقوى والزمكان القادرة على النشوء من نظرية متسقة للجاذبية الكمومية وتلك التي لا يمكن أن تنشأ منها. وباستخدام هذا الإطار، اقترحوا أن الطاقة المعتمة لا يمكن أن تكون ثابتًا كونيًّا، بل يجب أن تكون نوعًا من المجالات المشابهة للمجال الذي يُعتقَد أنه حفَّز التضخم، وتتغير طاقته بمرور الزمن.
في ذلك الوقت، تعارض هذا الطرح مع الاعتقاد الراسخ بأن الطاقة المعتمة تبقى ثابتة عبر الزمن الكوني. يقول فافا: «كان الناس يقولون إن ’نظرية الأوتار مستبعدة لأن الطاقة المعتمة ثابتة’».
أبعاد خفية
لكن فافا وزملاءه واصلوا العمل؛ ففي العام 2022، اقترحوا نموذجًا يتضمن بُعدًا إضافيًّا خفيًّا كبيرًا في الزمكان، قد يصل حجمه إلى ميكرومتر، ويتغير حجمه تدريجيًّا عبر الزمن الكوني. ومع تغيّر هندسة هذا البعد، تتغير كمية الطاقة التي نرصدها في الكون أيضًا. ورأى الباحثون أن هذا سيظهر على شكل طاقة معتمة تضعف ببطء. يقول فافا: «لا يوجد في هذا أي غرابة من منظور نظرية الأوتار… البعد الإضافي يتغير، وكلٌّ من الطاقة المعتمة والمادة المعتمة تستجيبان لهذا التغير».
ومن السهل فهم لماذا استرعت نتائج الجهاز DESI اهتمام علماء نظرية الأوتار؛ فقد توقع فافا وزملاؤه أن الطاقة المعتمة ستتراجع تدريجيًّا، ويبدو أن هذا ما نشهد حاليًا. وبالفعل، عندما حلل فافا وفريقه بيانات الجهاز DESI، مع مجموعات بيانات كونية أخرى في العام 2025، وجدوا أن نموذجهم يتوافق بدرجة أفضل بكثير من نموذج lambda-CDM، وبمستوى مماثل لأفضل النماذج التقليدية التي تفترض أن الطاقة المعتمة غير ثابتة. ويقول إن الفارق هنا هو أن نموذجهم يقدم تفسيرًا فيزيائيًّا لما نرصده: «لهذا السبب أشعر بحماسة كبيرة، فهو أمر يشعرني بالرضا».
وللتوضيح، فإن نتائج الجهاز DESI لا تقدم دليلًا مباشرًا على صحة نظرية الأوتار؛ فمدى تفضيل هذه النتائج للطاقة المعتمة المتغيرة بدلًا من أن تكون ثابتًا كونيًّا مازال يعتمد على مجموعات البيانات الكونية الأخرى التي تُدمَج معها. فضلًا على أن النماذج غير القائمة على نظرية الأوتار، والتي لا تفترض وجود أبعاد إضافية خفية، تتوافق مع البيانات الحالية بالقدر نفسه.
لكن إذا افترضنا أن بيانات الجهاز DESI ستصمد، وأن دلالتها الإحصائية ستصل إلى مستوى الاكتشاف، فإن وجود دليل على هذا التضاؤل لن يزيل فقط عقبة تجريبية أمام نظرية الأوتار، بل سيُضعِف أيضًا الحجة القائلة بأنها لا تقدم تنبؤات قابلة للاختبار. يقول فافا: «وضعنا هذا النموذج قبل سنوات… وهو حاليا يُرصَد، ويبدو تمامًا كما توقعنا».
لكن لكي يتحول هذا الاحتمال إلى دليل رصدي يدعم نظرية الأوتار، سيحتاج منظّرون، مثل فافا، إلى بناء نموذج أحذق يخرج بتنبؤات أدق مميزة عن البدائل غير القائمة على نظرية الأوتار، وإظهار أنه يتوافق مع كامل نطاق البيانات الكونية بدرجة أفضل من الخيارات الأخرى. ومن اللافت أن هذا الإطار يشير – بالفعل – إلى مؤشرات إضافية قابلة للاختبار، من بينها انحرافات عن الصورة القياسية لتغيُّر المادة المعتمة، وانحرافات عن النسبية العامة على مقاييس الميكرومتر.
بعض علماء الكونيات غير مقتنعين بأن نتائج الجهاز DESI ستترك أثرًا في مفاهيم الفيزياء الأساسية، حتى لو تأكدت. يقول بيدرو فيريرا Pedro Ferreira، عالم الكونيات والفيزياء الفلكية من جامعة أكسفورد University of Oxford: «الطاقة المعتمة تعمل على مقاييس معينة، وهذا ما يمكننا الحديث عنه… ]أما[ ما يحدث على المستويات الكمومية فلا أظن أننا قادرون على الخوض فيه».
لكن يبدي آخرون انفتاحًا على احتمال أن تترك هذه المؤشرات تأثيرات تتجاوز علم الكونيات؛ لأنها قد تمنحنا أول لمحة عن البنية الكمومية العميقة للزمكان. يقول مايك تيرنر Mike Turner، عالم الكونيات من جامعة شيكاغو University of Chicago في ولاية إلينوي: «ما توصل إليه كومرون فافا أثار اهتمامي أكثر من أي شيء آخر رأيته… فهنا يلتقي علم الكونيات بفيزياء الجسيمات، ونحن نوغل في أمور جوهرية حقًّا، وقد تكون الآثار المترتبة على ذلك هائلة».
© 2026, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC