البيولوجيا وعلوم الحياة

كيفية اكتشاف العالم فلمنغ لـ”البنسلين” واستخداماته

2016 عصر الذرة

جون كلارك مع مايكل ألابي وإيمي جان بيير

KFAS

البيولوجيا وعلوم الحياة

مات الملايين من البشر في بدايات القرن العشرين بسبب الالتهابات الجرثومية المختلفة مثل الدفتريا والالتهابات الرئوية أو السبتيسيميا (تعفن الجروح). لكن اكتشاف فطر العفن القادر على تدمير الجراثيم غيّر ذلك كله.

بفضل الأعمال الجليلة للكيميائي الفرنسي لوي باستور (١٨٢٢- ١٨٩٥) وآخرين من العلماء والأطباء الممارسين في نهايات القرن التاسع عشر توصل الإنسان إلى معرفة عدو جديد –البكتيريا أو «الجراثيم».

فبفضل هؤلاء تم التعرف على أنواع عديدة من البكتيريا، كما توصل إلى فهم أعمق للحالات التي تسببها. فعلى سبيل المثال عرف الإنسان أن بكتيريا ستافيليوكوكاي (المكورات العنقودية) تسبب تقرح البثور وأمراض جلدية أخرى، وكذلك تسمم الغذاء وفطر العفن والالتهابات الرئوية.

كما أن بكتيريا ستريبتوكوكاي (العقديات) تسبب التهابات الحلق وعدداً كبيراً من حالات الحمى. أما بكتيريا الباسيل (العصيات) بأنواعه المختلفة فمسؤول عن الإصابة بمرض التيتانوس والأنثراكس والدفتريا والتسمم الغذائي.

 

علاوة على ذلك تسبب هذه الأنواع من البكتيريا معاناة مهولة للإنسان عند تلويثها للجروح المختلفة. كان مجال التخصص الرئيس لعالم الجراثيم الإسكتلندي ألكساندر فلمنغ (١٨٨١- ١٩٥٥) هو الجروح.

وعلى نقيض ممارسات الباحثين في عصره، اعتنق فلمنغ فكرة تطبيب الجروح باستغلال الطبيعة للقيام بهذا العمل، بدلاً من حقن المريض بالعقاقير الكيميائية.

وبينما كان الكيميائي الألماني بول إهرلخ (١٨٥٤- ١٩١٥) منهمكاً في عزل المواد الكيميائية العلاجية، عكف فلمنغ على البحث عن عقاقير علاجية حيوية. بحلول أواسط العقد الثاني من القرن العشرين حفر فلمنغ لنفسه مكاناً في التاريخ باكتشافه أنزيم لايسوزايم (١٩٢١) الذي تنتجه الخلايا الحية لتحطيم مواد عضوية أخرى. استيقن فلمنغ أن المواد الطبيعية ، مثل اللايسوزايم، تمثل مفتاح الحرب ضد الالتهابات البكتيرية.

بعد عودة فلمنغ من إجازته عام ١٩٢٨ إلى مختبره في مستشفى سانت ماري في لندن استرعى انتباهه أمر غير معهود في مزرعة لبكتيريا ستافيليوكوكس تركها في صحن زجاجي صغير. فخلال فترة غيابه نمت فطريات العفن في الصحن ويبدو أنها تمكنت من القضاء على ستافيليوكوكس.

 

تمكن فلمنغ من تحديد هوية فطر العفن كنوع من أنواع البنيسيليوم، كما اكتشف أن السوائل التي نتجت (البنسلين) له المفعول نفسه بتدمير أعداد هائلة من أنواع مختلفة من البكتيريا.

لكن الموضوع الأكثر إثارة كان عدم تأثر الخلايا الحية السليمة. لذلك اعتقد فلمنغ أن بالإمكان استخدام السائل الحيوي في تطبيب البشر. بيد أن المسألة لم تخلو من بعض المعوقات. أولى المعوقات عدم تأثر البكتيريا المسببة للعديد من الأمراض بالبنسلين – وبالتحديد البكتيريات المسببة لوباء الطاعون والكوليرا (البنسلين فعال ضد الجراثيم المعروفة بالبكتيريا الموجبة فقط وتحتوي الأسطح الداخلية لخلاياه على طبقة سميكة من مركب الببتيدغلايكان – المادة التي تعطي البكتيريا هيئتة وقوته.

يقوم البنسلين بإعاقة عملية بناء طبقة الببتيدغلايكان مؤديا إلى إضعاف سطح الخلية). لكن الأمر الأكثر تثبيطاً للهمم هو الصعوبة البالغة في إنتاج البنسلين. فلكل مليللتر من السائل المفروز من فطر البنسيليوم يمكن إنتاج ٠.٠٠٠٠٠٢ مليللترا من البنسلين الفعال، بالاضافة إلى سرعة فساد هذه الكمية الضئيلة.

بدت المشاكل غير قابلة للحل في البداية، لكن مجموعة من العلماء بجامعة أكسفورد بإنجلترا بدأت عام ١٩٣٩ تتبع خطى اكتشاف فلمنغ. قاد الفريق عالم الأمراض الأسترالي هوارد فلوري (١٨٩٨-١٩٦٨) وعالم الكيمياء الحيوية الألماني أرنست تشين (١٩٠٦- ٧٩) ، وهو لاجىء هرب من استبداد نظام هتلر.

 

تمكن الفريق عام ١٩٤٠ من استخلاص البنسلين وتركزت أبحاثهه على مفعوله على فئران التجارب. كانت النتائج مبهرة للغاية. باعطاء الفئران جرعة من البنسلين تمكنت من مقاومة التهاباتٍ كانت حتما ستؤدي إلى هلاكها.

حفزت النتائج فلوري لاستخدام البنسلين لعلاج شخص مريض للغاية بسبب إصابته ببكتيريا ستافيليوكوكال سبتيسيميا (تسمم الدم بالبكتيريا العنقودية). تحسنت صحة المريض بعض الشىء بيد أن كمية الجرعات اللازمة لشفائه كانت كبيرة للغاية ولم يكن بمقدور مختبر فلوري إنتاج هذه الكمية لمتابعة العلاج.

ورغم وفاة المريض كانت النتائج مشجعة لدرجة كافية لإقناع عددٍ من شركات الأدوية بأهمية البنسلين. وبفضل التكنولوجيا التي طورها عالم الكيمياء الحيوية الإنجليزي نورمان هيتلي (١٩١١-٢٠٠٤) أصبح الإنتاج التجاري للعقار «السحري» ممكناً في الولايات المتحدة وبريطانيا عام ١٩٤٣.

 

جاء التطور في أكثر مراحل التاريخ حرجا. فقد بدات رحى الحرب العالمية بالدوران وكان المصابون من المتحاربين أول من استفادوا من العقار الجديد. وبذلك يعود الفضل للبنسلين في نجاة الألوف من موت محقق، على أقل تقدير على جبهات قوات التحالف.

كما قلت نسبة الوفيات بشكل كبير من أمرض الأنثراكس (الجمرة الخبيثة) والالتهابات الرئوية والتيتانوس وتسمم الدم.

حصل فلمنغ وفلوري وتشين على جائزة نوبل للطب عام ١٩٤٥. لكن هيتلي بقى بطلاً في الظل حتى عام ١٩٩٠ عندما منحته جامعة أكسفورد الدكتوراه الفخرية تقديراً لإنجازاته في الحفاظ على حياة البشر بناءً على الأبحاث التي قام بها في مختبرات الجامعة قبل ٥٠ سنة من ذلك التاريخ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق