شخصيّات

نبذة عن حياة المخترع “تُومَاس إِديسُون”

1997 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الثاني

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

توماس إديسون شخصيّات المخطوطات والكتب النادرة

توماس إِدِيسون مخترعٌ أمريكيٌّ عظيمٌ، يعيشُ بينَنَا بمخترعاتِه مُعْظَمَ ساعاتِ اللّيلِ والنهارِ.

وقصةُ حياتهِ مثالٌ للمثابرةِ والجِدِّ والاعتمادِ على النفسِ والرغبةِ الشديدةِ في إتقان عملهِ والإِحسان والإبداع فيه، وخدمةِ الوطنِ والإنسانيةِ.

وُلد إدِيسون عام 1847 في بَلدةِ ميلان بولاية أوهايو من الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية، ولكنَّه أمضَـى صِبَاهُ في إِحدى مُدُنِ ولايةِ متشيجان حينَ انتقلتْ أسرتهُ إليها.

 

وكان إديسون هو الأصغر من سَبْعَةِ إِخوةٍ. جَمَّ النشاطِ يُريدُ أن يعرفَ كُلَّ شيءٍ. وضاقَ به مدرّسُوه لكثرةِ أسئلتهِ وظنُّوه غَبِياً، فَتَركَ المدرسة، وقامتْ أمُّه بتعليمهِ الأَوَلِيِّ، فلَمّا دَرَّسَتْه مبادئَ الفيزياءِ، لم يَكُنْ يتركُ في درسه جملةً واحدةً لا يتحقَّقُ من صحتِّها بنفسهِ، 

ولا شَكَّ أن هذا كان أَحَدَ أسبابِ نُبُوغِهِ. كذلك شجَّعه أبوه على القراءةِ، فاستمرَّ إديسون يُعَلِّمُ نفسهَ بنفسِه، ويقرأُ كلَّ ما يرغبُ فيه من كتب المكتبةِ العامّةِ بالمدينةِ. وكان يُحِبُّ على الأَخَصِّ قراءةَ تاريخِ العُلَمَاءِ.

ولم يكنْ أبو إديسون غَنِيًّا، فكانَ يبذُلُ جُهْدَه لكَسْبِ رِزْق أُسْرَتِه، ولذلك ساعدَ إديسون، وهو في الثامنةِ من عمرهِ، أباه في إِقامةِ برجٍ خشبيٍّ مرتفعٍ، يصعدُ إليه الناسُ لمشاهدةِ المدينةِ لِقَاءَ أَجْرٍ زهيدٍ.

وأحبَّ إديسون دراسةَ الكيمياءِ فتعلَّمَها بنفسه، وأقامَ لنفسهِ، وهو في العاشرةِ، مُخْتَبَراً في غُرْفَةِ الخَزِينِ بسـردابِ المنزل.

 

ولكيْ يستطيعَ الإِنفاقَ على دراستهِ وهواياتهِ العِلْمِيَّة، اضْطُّرَ إديسون، وهو في الثانيةِ عشـرةَ، إلى بيعِ الصُحُفِ والخُضَـرِ والحَلْوَى والفاكهةِ في القطار وأنشأَ إديسون مختبراً ومطبعةً في الجزء المخصَّصِ للبضائعِ في القِطَارِ.

وأصدرَ إِديسون صحيفته الخاصَّة به، ونَجَحَتْ الصحيفةُ، ولكنَّ حريقاً شَبَّ في مختبرِ إِديسون، فرمَى حارسُ القطار بزجاجاتهِ ومطبعتهِ، فنقلَها إلى المنزلِ، ولكنَّه استمرَّ يعملُ بائعاً بالقطار.

ثم اشتغلَ إِديسون عاملاً بالبَرْقِ (التِلِغْراف)، ففتحَ له هذا باباً جديداً للرزقِ والاختراعِ.

 

وكان على إِديسون أن يبعثَ في اللَّيلِ برسالةٍ بَرْقِيَّةٍ كلَّ ساعةٍ ليثبتَ أنه يقظانُ يتلقَّى الرسائلَ. فلمَّا ضاق ِإديسون بهذا، ابتكرَ وسيلةً لتوصيلِ الساعةِ بجهَاز الإِرسالِ، حتَّى يقومَ الجهازُ بِبَعْثِ رِسالةٍ كلَّ سَاعةٍ بطريقةٍ آلية، وإِديسون يتمتعُ بنومٍ عميقٍ. ولكنَّ المفتشَ اكتشفَ حيلتهَ فَفَصَلَهُ !

وأخذ إِديسون يَتَنقَّلُ بين مُدُنٍ كثيرةٍ ومكاتبِ برقٍ متعددةٍ، وكان دائباً على إدخالِ التحسيناتِ المتواليةِ على أجهزةِ البرقِ وطرائقِ استخدامِها.

 

وأخيراً قرَّر أنْ يرحلَ إلى نيويورك، وهو في الثانيةِ والعشـرينَ من عمرهِ. وتصادفَ وجودهُ في شَرِكَةٍ كُبْرَى، وفَسَدَ جهازٌ مُعَقَّدٌ فيها وعَجَزَ المسئولون عن إصلاحِه، فأصلَحَةُ إِديسون.

وأُعْجِبَ به مديرُ الشركةِ فعيَّنَه فيها براتبٍ طَيِّبٍ، وأسَّسَ إديسون مع زميلين شركةً للبرْقِ والهندسةِ والكَهْرُبَاءِ، واخترع آلةً مُبْرِقَةً طابعةً باعَها بأربعين ألف دولار، أَنْفَقَها كلَّها في العملِ على ابتكارِ اختراعاتٍ جديدة.

 

وتَطَوَّرَتْ أعمالُ إديسون بسـرعةٍ حتى أصبحَ يستخدمُ 250 عاملاً في مختبراتِه ومصانِعه، وتوالَتْ مخترعاتُ إديسون حتى أنَّه سَجَّلَ أكثرَ من أَلْفِ براءةِ اختراعٍ في حياتِه.

وكان من أعمالهِ أنَّه حَسَّنَ فكرةَ الآلةِ الكاتبةِ حتى أصبحتْ حقيقةً عمليِّةً يمكنُ الإفادةُ مِنْهَا.

ولكنَّ إِديسون انتقل بعد سِنِّ الثلاثين مِنْ مَرْحَلَةِ التحسينِ والتطوير لمِاَ هو موجودٌ من قّبْلُ إلى مَرْحَلَةِ الاختراعِ الأصيل. وأخذَ في العملِ على اختراعِ جَهَازٍ للتخَاطُبِ المباشرِ عن بُعْدٍ (الذي عرف باسم التليفون أو الهاتف).

 

ولكنَّ "جراهَامْ بل" سبقَه إلى إِعلان اختراعهِ هاتفاً ضعيفاً ينقل الكلامَ من غُرْفَةٍ إلى غَرْفَةٍ.

ولم يُصَبْ إديسون بإحباطٍ بل استمرَّ في عملهِ حتَّى تمكَّن من اختراعِ جَهَازِ إرسالٍ قويٍّ ينقلُ كلامَ الإنسانِ إلى أيِّ مَكَانٍ في الأَرضِ وتصالَحَتْ شركةُ إديسون وشركةُ بل، فأصبحَ الهاتفُ مُكَوَّناً من جَهَاز إرسالِ إِديسون (وهي الجزءُ الذي نَتَكَلَّم أمَامَه) وجهازِ استقبالِ "بِلْ" (وهو الجزءُ الذي نضعُهُ عَلَى الأذن).

وكان نصيبُ إديسون مئةَ ألفِ دولار على اختراعهِ، ثم باعَه في انجلترا بثلاثين ألفِ جُنَيْه استرلينيِّ. وكان إِديسون أَوَّلَ من قال "هَالُو ..!" مُسْتَخدِماً جَهَازَه الرَّائِعَ.

 

وعَمَلُ إِديسون في أجهزةِ البَرْق والهاتفِ قد هداه إلى أَحَبِّ مخترعاتهِ إليه وهو الحاكِي أو "الجْرَامُوفُون"، وكان ذلك عام 1877.

وفي أجهزةِ إِديسون الأصليَّةِ كانتْ تَسَجَّلُ الأصواتُ على أسطواناتٍ معدِنِيَّةٍ مُغَطَّاةٍ بوَرَقِ القَصْدِيرِ (وما زِلْنَا في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ نُسَمِّي "أقراصَ" الموسيقَى أسطواناتٍ)

وكانتْ الأصواتُ تنبعثُ من بُوقٍ كبير، وحملَ إديسون جهازَه الذي جعل المَعْدِنَ يَنْطِقُ ويُغَنِّي إِلى إدارةِ مَجَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ ذَائِعَةٍ، ثم إلى رئيسِ الولايات المتحدةِ نفسهِ.

 

وأصبحَ الناسُ كُلُّهم يتحدثون عن "إِديسون الساحرِ". وأَدخلَ إديسون على جهازهِ العجيب، حتى عامَ 1888م، خمسةً وستِّين تحسيناً، ثم عُرِضَ في لندن وبرلين فَذُهِلَ الناسُ مِنْه عَجَباً.

ولكنَّ إِديسون بدأَ عام 1878 العملَ بِجِدٍّ في أشهرِ مخترعاتِه، وهو الإضاءةُ بالكَهْرَبَاء. وقد تَوَصَّلَ آخرون إلى اختراعِ مصابيحَ تُضَاءُ بالكهرُباءِ قبلَ إديسون، ولكنَّها لم تَكُنْ عَمَلِيَّةً.

أما إديسون فقدْ ابتكرَ، بعدَ إجراءِ آلافٍ من التجارب، مِصْبَاحاً فيه خَيْطٌ دقيقٌ من أليافِ الخَيْزُرَانِ مُغَلَّفٍ بالكربونِ يَتَوَهَّجُ عند مُرُور الكهرُباء فيه.

 

ولكنْ أهمُّ من ذلكَ أنَّه استطاعَ إِقامة نظامٍ كاملٍ لتوليدِ الكهرُباءِ وتوزيعِها وتوصيلِها بالمصابيح. وقد عرض إديسون أَوَّلَ مصابيحَهُ لَيْلَة رأسِ السنة (1879/1880)، وباتَ المصباحُ مضيئاً حتَّى الفجرِ.

وأقامَ إِديسون عامَ 1882 أَوَّلَ محطةٍ لتوزيعِ الكَهْرُباء، فكانتْ هذه هي بدايةَ ثورةٍ كبيرةٍ في عالَمِ الإضاءة. وأَهَمُّ تَطَوُّرٍ بعد ذلك هو  ما فَعَلَه "نيكولا تِسْلا" و"جورج وسْتنْجهَاوْس"، اللذان أدخلاَ استخدامَ التَيَّارِ المُتَرَدِّدِ.

وأفادَ إديسون من تَقَدُّم التَصْوِير الضَّوئيِّ في عصـرهِ واخترعَ فيلمَ آلةِ التصويرِ، فابتكرَ عامَ 1889 كاميرَا الصُّور المتحرِكَة، ثم ابتكرَ عام 1891 آلةَ عَرْضِ الصُّوَرِ المتحركةِ.

 

وهكذا نَشَأَتْ صناعةُ السينَما بكلِّ ما فيها من خَيْرٍ وشَرٍّ. وقدْ حاوَلَ إِديسون أن يخترعَ الطائرةَ ولكنَّه لمْ يُوَفَّقْ. ومعَ ذلكَ كانَ لكثيرٍ من اختراعاتهِ الفضلُ في صناعةِ الطائراتِ.

أمَّا في صناعةِ السَيَّاراتِ، فقد تَوَصَّل – بناءً على طَلَبِ صانع السيّارات الشهيرِ هِنْري فُورْد- إلى ابتكارِ "بَطَّارية" قَوِيَّةٍ خفيفةِ الوَزنِ نِسْبيًّا وصالحَةٍ لاستخدامِها في السيّارات. وتمَّ له ذلكَ بَعْدَ نَحْوٍ من خمسين أَلْفِ تجريةٍ امتدَّتْ عَشْرَ سنواتٍ.

ولما دخلتْ الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ الحربَ العالميِّةَ الأولَى عامَ 1917، تَطَوَّعَ إِديسون ضابطاً بَحْرِياً، وهو في السبعينَ من عُمْرِه، وأخذ يَتَنَقَّلُ مع السفنِ الحربيةِ لحَلِّ مشاكِلِها الفَنِّيَةِ أَوَّلاً بأَوَّلٍ، وقدَّمَ للحكومةِ الأمريكيةِ 45 اختراعاً في تلك الفَتْرَةِ.

 

واستمرَّ إديسون في عَمَلِه، رَغْمَ تَقَدُّمِ سِنِّه، حتَّى تُوُفِّيَ عامَ 1931. وبعد وفاتهِ بثلاثةِ أيام أقيمَ احتفالٌ بمناسبةِ مرورِ خمسين عاما على اختراعِه الباهرِ المصباحِ الكهرُبائي. وقد خَلَّدَتْ الولاياتُ المتحدةُ اسمَ إديسون في قائمةِ مَشَاهِيرها، واتخذتْ بيتَه ومختبرَه متحفاً يَؤُمُّهُ الزائرون مِنْ كلِّ مكان.

ولم يكن إِديسون قَويَّ البِنْيَةَ، وكان فقيراً، ولكنَّ إرادتهَ القويَّةَ، وجَلَدَهُ على العَمَلِ، وطُمُوحَهُ العظيمَ ورَغْبَتَهُ في الإحسانِ والابداعِ، قد هَيَّأَتْ له ذلكَ المجدَ. وكثيراً ما كانَ إديسون يعملُ نحواً من 18 ساعة في اليوم، وهو يقولُ إن الحياة قصيرةٌ، وعنده الكثيرُ من الأعمالِ والأفكارِ.

وهذه هي حياةُ إدِيسون، ذلكَ الرجلِ الذي يعيشُ بينَنَا اليَوْمَ، في نَهَارِنَا ولَيْلِنَا، ضَياءً وتَوَاصُلاً وعِلْماً ومُتْعَةً وأَنْغَاماً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق