العلوم الإنسانية والإجتماعية

نتائج قضية شركة “مونسانتو” ضد المزارع “شمايزير”

2014 البذور والعلم والصراع

أبي ج . كينشي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العلوم الإنسانية والإجتماعية البيولوجيا وعلوم الحياة

في حين قد بدأت شكوى شركة مونسانتو ضد شمايزير على أساس جهود شركة متخصّصة بالتكنولوجيا الحيوية لممارسة حقوقها للملكية الفكرية، أصبحت [تلك القضية] في ما بعد فرصة للنشطاء للإعلان عن العواقب البيئية لإطلاق المحاصيل المهندسة وراثياً في البيئة، وبقيت [تلك الدعوى] نقطة مرجعية للحركة المناهضة للتكنولوجيا الحيوية اليوم.

وفي الحين الذي تمكّنت شركة مونسانتو بالتأكيد أن تُأثّر تأثيراً كبيراً، في دعوتها ضد شمايزير، وفي تعزيز حقوق أصحاب براءات الاختراع للجين، كانت التدقيق نتيجة إضافية [لتلك القضية] أنها أثارت تساؤلات حول تدفّق التحوير الجيني [والحاجة] إلى مستوى جديد من التدقيق والمراقبة العامة.

فقبل الدعوى القضائية ولفترة محدودة، كان علمييو النبات يدرسون الآثار البيئية المحتملة لإطلاق المحاصيل المهندسة وراثياً في البيئة. والجماعات المناصرة [للبيئة] القلقة حيال المحاصيل المهندسة وراثياً، كان همها الأول موجّهٌ إلى موضوع تدفّق التحوّر الجيني، والتخوّف من خلق نبات «أعشاب ضارة عظمى» (Superweeds) – على افتراض أن يكون نتيجة للتهجين بين المحاصيل المهندسة وراثياً ذات الفصيلة النباتية البرية المتقاربة.

بعض المنظمات غير الحكومية، مثل منظمة السلام الأخضر، أثارت إنذاراً من احتمال تلوّث إمدادات المواد الغذائية، من خِلال التمازج الذي سيحصل ما بين الأغذية المهندسة وراثياً والأغذية غير المهندسة وراثياً (التقليدية).

ولكن عندما ادّعى شمايزير أن الكانولا المقاومة للمبيد الموجودة في حقوله، لا بدّ أنها كانت نتيجة لتلقيح البذور وانتقالتها بواسطة الرياح، أخذت الجينات الناشزة عند منتقدي التكنولوجيا الحيوية مكانة أو معنىً جديداً. فليست الحقول وحدها يمكن أن تصبح ملوّثة فحسب، بل إن مثل هذا التلوّث يمكن أن يؤدّي إلى نزاعات تتعلّق ببراءات الاختراع، وتداعيات قانونية وخيمة على المزارعين.

الحكم في الدعوى القضائية لمونسانتو ضدّ شمايزير، دفع المزارع ذا الشخصية اللامعة (Charismatic Farmer) وحلفاؤه النشطاء عبر الوطن ووسائل الإعلام الدولية إلى التكفّل بقدر من الجدل العام المستمر حول القضية، بدلاً من إغلاق النشاط حول براءات اختراع النبات وتدفّق التحوير الوراثي.

فالاستجابة لقضية شمايزير وما حدث لاحقاً، جعل بعض المنظمات المناصرة [لشمايزير] تجادل بأن صناعة التكنولوجيا الحيوية قد استفادت من تدفّق التحوّر الوراثي لدفع جدول أعمالها قُدُماً، وتنفيذ استراتيجية لـ «السيطرة بواسطة التلوّث» (Control by Contamination) (DeSantis 2003).

 

فبعد الحكم القضائي، دعت مجموعة التآكل والتكنولوجيا والتركيز إلى نشاط عالمي، وإلى الشروع بحملة كتابة الرسائل. [وبهذا الصدد] علّقت بات موني (Pat Mooney) من مجموعة التآكل والتكنولوجيا والتركيز عام 2004 قائلة: «قرار الحكم هذا سيوحّد المزارعين وغيرهم من المعارضين لسيطرة الشركات على الغذاء والحياة، وسيحشد المجتمع المدني لإخراج هذه الدعوى من القضاء وإعادتها للسياسيين».

وحقاً، إن معاناة شمايزير قد ساهمت في النقاش العالمي حول المحاصيل المهندسة وراثياً، بالرغم من أن النقاش في كندا حول براءات الاختراع والتحوّر الوراثي قد يبدو قانونياً أو سياسياً قد تم إغلاقه.

أصبح شمايزير «بطلاً شعبياً» (Folk Hero) ومتحدّثاً [لامعاً] للمناهضين للتكنولوجيا الحيوية في جميع أنحاء العالم. فكانت له مناظرات حيوية حول العالم لجعل قضية التلوّث من التحوير الوراثي شغلاً شاغلاً للنشطاء المناهضين للهندسة الوراثية.

كان شمايزير عضواً في «اللجنة الدولية لمستقبل الغذاء والزراعة»(International Commission on the Future of Food and Agriculture)، وهو مشروع تشاركي تعاوني نظّمته الناشطة الهندية الشهيرة عالمياً فاندانا شيفا (Vandana Shiva).

وأصبح وزوجته من الشخصيات المحبوبة للنشطاء المهتمين بالأغذية والزراعة حول العالم، حيث تمّ اختيارهم لنيل «جائزة سُبل العيش السليمة»(Right Livelihood Award) عام 2007م، المعروفة بـ «جائزة نوبل البديلة» (Alternative Nobel Prize)، «لشجاعتهم في الدفاع عن التنوّع البيولوجي وحقوق المزارعين، وتحدّيهم لما يضرّ البيئة والأخلاق من تلك التفسيرات الحالية لقوانين براءات الاختراع» (Right Livelihood Award Foundation 2007).

كثيراً ما علّق نشطاء المنظمات البيئية والموارد النباتية الجينية على الدعوى القضائية لمونسانتو ضد شمايزير، واستخدموا [قرار المحكمة] لإبراز نقاط أوسع بخصوص أزمة نظام الأغذية والزراعة.

 

فعلى سبيل المثال، قدّمت الناشطة في منظمة السلام الأخضر في كندا، بات فانداتي (Pat Vendetti) هذه الملاحظات حول قرار المحكمة العليا: «قرار المحكمة جعل من المزارعين عرضةً لدعاوى شركة مونسانتو بسبب التلوّث الجيني الذي تسببه مونسانتو، وهو ما يعني أن شركة مونسانتو بإمكانها الوصول إلى حقول المزارعين وسرقة أرباحهم وسبل كسب عيشهم» (GreenPeace International 2004). واسترعى تعليق من أصدقاء الأرض في أوروبا الانتباه إلى الآثار الآتية:

إن قضية بيرسي شمايزير تؤكد التوتر المتزايد ما بين المزارعين وشركات التكنولوجيا الحيوية الكبرى، التي مع إدخالها جينات براءات الاختراع [في البيئة] تنوي تغيير الأنماط الزراعية التقليدية من غير رجعة. ويمكن أن يكون لهذه التغيرات تداعيات في المجتمعات الزراعية حول العالم، ومؤثّرات هائلة. ففي دول الجنوب، حيث الناس على الأرجح لا يمكنهم اقتناء بذور التكنولوجيا الفائقة وما يرافقها من مدخلات كيميائية سنة بعد سنة، فإن إدخال أصناف البذور المهندسة وراثياً يمثل تهديداً خطيراً للأمن الغذائي والسيادة الغذائية لآلاف المجتمعات الزراعية المحلية والأصلية بشكل خاص (Villar 2001)

أكّدت شركة مونسانتو منذُ صدور قرار الحكم لصالحها أنها لن تباشر برفع دعوى قضائية لانتهاك الحقوق الفكرية لبراءات الاختراع في كلّ مرة يحصل فيها تعدٍّ على إمداداتها من البذور. حيث قالت مونسانتو (Monsanto 2011b) إن «مونسانتو لم يكن أبداً ولن يكون من سياستها ممارسة [الدور القضائي في] مسألة حقوق الملكية الفكرية حيث يكون هناك أثرٌ لكمية ضئيلة من البذور أو الميزات [لجينات] براءات الاختراع في حقول المزارعين نتجية وسائل غير مقصودة».

 

لكن هذا لم يفعل إلا القليل لتهدئة منتقديها. والمدعون في قضية المؤسسة العامة لبراءات الاختراع (PUBPAT) التي سبق ذكرُها في مقدمة هذا الفصل، أشاروا إلى أن بيان مونسانتو بيان توخّى الغموض المتعمد(Public Patent Foundation 2011). كم هي «الكمية الضئيلة» (Trace Amount)؟ وما هي بالضبط «الوسائل غير المقصودة» (Inadvertent Means)؟ فهذه الصناعة تؤكد أنها تشعر بالقلق نحو اختراق براءات الاختراع المتعمدة فحسب، لا التلوث غير المقصود (أو «الوجود العرضي» (Adventitious Presence) بتعبير قِطاع الصناعة).

لكن في قضية شمايزير لم يتم رسم تلك الخطوط بشكل واضح، فهل ينبغي للمزارع أن يحد من استخدام بذوره، ببساطة لكونه أصبح يدرك أنها ملوثة ومحوّرة وراثياً؟ في شكوى المؤسسة العامة للاختراع ضد مونسانتو، وهو تحالفٌ كبير من المزارعين والمنظمات، هنالك تحدّ أيضاً صلاحية براءات الاختراع الخاصة بمونسانتو، فالقضية تشير إلى أن براءات اختراع الشركة [للجينات المهندسة وراثياً] تناقض المتطلبات الأساسية لتسجيل براءة الاختراع، مدعين أن تلك البذور المهندسة وراثياً «غير مفيدة للمجتمع».

 

قضية المؤسسة العامة لبراءات الاختراع، التي كانت في الفترة التي كُتب فيها هذا الفصل ما زالت في خطواتها الأولى، ويمكنها أن تؤسس لوضع بعض القيود على نطاق براءات اختراع التكنولوجيا الحيوية، وإيجاد حماية متواضعة للمزارعين الذين أصبحت محاصيلهم ملوثة بسبب عملية تدفق التحوّر الوراثي.

وفي الوقت الذي كان يأمل فيه المدّعون في قضية المؤسسة العامة لبراءات الاختراع إيجاد بعض الوضوح لمسألة براءات الاختراع على الجينات الناشزة، فإنه لا بدّ من أن ننتظر لنرى في ما إذا كانت هذه المشكلة ستترك من دون أية تشريعات جديدة.

فالعديد من المزارعين والشركات الزراعية، المشاركين في الإجراءات الموجهة ضدّ مونسانتو، يؤكدون على القلق الواسع الذي ولّدته إجراءات مونسانتو، بما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية. ومع ذلك، فالأقل وضوحاً هو ما إذا كانت التعبئة القانونية باستخدام الخبرة العلمية كدليل، يمكن أن تنجح في تحدي النظام الاجتماعي السائد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق