شخصيّات

نبذة عن حياة المؤرخ والفيلسوف “ابنُ خَلْدون”

1987 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الأول

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الفيلسوف ابن خلدون شخصيّات المخطوطات والكتب النادرة

هو المؤرخ والفيلسوف وعالِم الاجتماع والسياسي الإسلاميا لعظيم: عبدُ الرحمن بنُ محمد بن محمد بن خالد بن عثمان.

وهو ينتسب إلى قبيلة عربية يمنية من حـضـرموت، ودخل جَدُّه خالدُ بن عثمان بلادَ الأندلس مع الجيش العربي الذي قام بفتح هذه البلاد.

وخالدٌ هذا هو الذي عُرف باسم خَلْدُون، على طريقة أهل الأندلس والمغرب في تعظيم الأسماء.

وقد اشتهرت أسرة ابن خلدون بالعلم والسياسة، وانتقلتْ هذه الأسرة من الأندلس حيث استقرَّتْ أخيرا في تونُس، وفيها وُلِدَ عبدُ الرحمن عام 732هـ.

 

تَلَقَّى ابنُ خلدون العلمَ على والدِه، ثم على أشهر أساتذةِ تونس وغيرها من بلاد شمال أفريقَيا، فحفظ القرآن، ودرس التفسير والحديث والفقه، وبخاصة الفقهُ المالكي، كما أَلَمَّ بعلوم اللغة العربية وكافة العلوم المعروفة في عصره.

وقد تولى ابنُ خلدون الكثيرَ من المناصب مثلَ القضاء والسفارة والوزارة والتدريس. وكان في كلِّ المناصب التي تولَّاها مثالَ الأمانةِ والاستقامة والحرصِ على المصلحةِ العامَّة.

وقد تميَّز العصـرُ الذي عاش فيه ابنُ خلدون باشتداد الخلافات بين الحُكَّام، وكثرةِ الفِتَن والحروب.

فتعرَّض ابنُ خلدون لكثيرٍ من الإيذاء والاضطهاد، حتى أنه اعتُقِل أكثرَ من مرة، وقضى سنتين في السجن في مدينة فاس، وكثيراً ما اضْطُرَّ إلى ترك بيته وموطنه فراراً من المكائد التي كانت تُدَبَّرُ له.

 

وأخيراً قَرَّر ابنُ خلدون أن يهجرَ هذه الحياة المضطربة، فأبحر من تونُس إلى مصر عام 784هـ (1382م) حيث بَقِيَ حتى وفاته 808هـ (1405م). 

ولم يغادرْ مصر إلا للقيام بأداءِ فريضة الحج عام 789هـ، كما اشترك عامَ 803هـ في الحملة المصرية التي توجهت إلى بلاد الشام للوقوف في وجه تيمورلنك المَغُولي.

وقد عمل ابنُ خلدون في مصرَ بالتدريس في الأزهر وفي غيره من المدراس، كما عمل بالقضاء وبالكتابة.

 

وفي مصر أكمل كتابَه القيِّم "العِبَر، وديوانُ المبتدأ والخبر، في أيام العَجَم والعرَب والبَرْبَر، ومن عاصَرَهُم من ذوي السلطان الأكبر"، وكان قد بدأ تأليفَه في تِلْمسان.

وهذا الكتابُ هو الذي وضع ابنَ خلدون في مَصَافِّ أعظم المؤرخين العرب قاطبةً.

 

ويتألفُ الكتابُ من ثلاثة أجزاء رئيسية:

(1) الجزء الأول: وهو المُقدمة، وهي أعظم هذه الأجزاء.

(2) الجزء الثاني: ويتناول تاريخَ العرب وحضارتَهم من أقدم العصور، كما تناول فيه تاريخَ الأمم التي عاصرها العربُ مثل السريانيين والنَبَط، والكِلْدانيين، والقِبْط، والفُرْس، وبني إسرائيل، واليونان والروم والفِرنجة.

(3) الجزء الثالث: وتناول فيه تاريخَ المغربِ العربي والأندلس منذ ما قبل الإسلام حتى عهده وشرح فيه أخبارَ البربر وقبائلَهم ودُوَلَهم، كما ذكر أسماءَ القبائل العربية التي استقرت في الأندلس والشمال الأفريقي.

وقد أضاف إلى هذا الجزء فصلاً عن تاريخ حياته تحت عُنوان "التعريف بابن خلدون ورحلته شرقاً وغرباً".

 

وقام باتمام هذا الفصل والإضافة إليه قبل وفاته ببضعة شهور، وهذا "التعريف" يُعتبر قطعةً فريدةً في الأدب العربي، وقد طُبع مؤخراً في كتاب مستقل من 430 صفحة.

وقد اهتم ابنُ خلدون بتسجيل ظواهر العصـر الذي عاشَ فيه وأحوالِ الدول التي تَنَقَّل بينها، وكانت مُعظمُ الدول الإسلامية في ذلك الوقت، في المشرق والمغرب، تدخل

في دورٍ طويل من الانحلال والتفكك. وبطبيعة الحال كان هذا كلُّه موضعَ دراسة ابن خلدون، وساعدَه على التوصل إلى نظرياته السياسية والاجتماعية.

 

وتعتبر "المقدمة" أَهَمُّ أجزاء هذا الكتاب المهم، حتى لقد اعتُبِرَتْ كتاباً قائماً بذاته، وتُرْجِمَت إلى اللغة الإنجليزية عام 1958م في ثلاثة أجزاء، وكذلك إلى لغات أخرى كثيرة.

وترجع أهميتها إلى أن ابنَ خلدون وضع فيها أساسيات ومبادئ "علم الاجتماع"، الذي اعتبره عِلْماً بذاته موضوعُهُ "العُمْران البشري والاجتماع الانساني" وقد سبق ابنُ خلدون في ذلك كافَّة مفكري العالَم وعلمائه. وقد اعتَبَرَ بعضُ العلماء "مقدمةَ ابن خلدون" أعظمَ عملٍ من نوعة حتى الآن.

وكان ابنُ خلدون يرى أن التاريخ عِلْمٌ أصيل، وليس مُجَرَّدَ حكاية للأحداث، فهو دراسةٌ شاملة لجميع مرافق الحياة الاجتماعية، ولهذا اهتم في "المقدمة" بدراسة الظواهر الاجتماعية، وبيانِ أنها في تطوّرٍ وتغيّر مستمرين. 

كما درس العمرانَ البشـري والعواملَ التي أدت إلى نشأته، وأنواعَ التجمعات البشرية وأثرَ البيئة الطبيعية عليها، ثم درس بعد ذلك السياسةَ ونُظُمَ الحكم وعواملَ قيام الحكومات وبقائها وانهيارها.

 

وبعد ذلك تناول ابنُ خلدون موضوعَ الاقتصاد ومصادرَ الثروة وأنواعَ النشاط البشري والصناعات والحِرَف المختلفة موضحاً النظريات والقواعد المتعلقة بذلك كله.

وأخيرا تحدث عن النشاط العلمي، وقَسَّم العلومَ إلى قسمين: علوم عقلية يكتسبها الإنسان بعلقه، وعُلُوم نقلية مُنَزَّلَةٍ من الله على أنبيائه ورُسُلِهِ وينقلها الناس عنهم.

كما تحدث عن التربيةِ ومذاهبها وصفات العلماء وبَيَّن أن العلمَ يزدهرُ حيث يعظمُ العمران. وكان مِنْهَجَه في كل ذلك يعتمد على ملاحظة الظواهر وتحليلها والوصولِ إلى أحكام وقواعدَ عامةٍ بطريقةٍ بارعة.

 

وهكذا نرى أن عظمةَ ابن خلدون ترجع إلى أنه أولُ من وضع نظريةً في التطور الاجتماعي تقوم على أساسِ أن المجتمعات تتقدم من مراحلَ دُنيا إلى مراحلَ عُليا.

كما أنه أولُ من ربط بين تطور أشكال الحياة الاجتماعيةِ وبين تطور أساليب الانتاج الاقتصادي في المجتمعات المختلفة، فلا عَجَبَ بعد ذلك أن اعتُبِرَ ابنُ خلدون هو مؤسِّسَ "علم الاجتماع" وأحد مؤسسي "علم فلسفة التاريخ".

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق