شخصيّات

نبذة عن حياة العالم “جابر بن حيّان”

1995 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء السادس

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العالم جابر بن حيان شخصيّات المخطوطات والكتب النادرة

ولد جابرُ بنُ حيّان بخُراسان (120 هجرية – 737 ميلادية)، ثم سافر وهو ما زال صغيراً إلى بغداد عاصمة الدولة العباسية، وعاش مدة من الزمان في بلاط العباسيين.

ويقال إنه كان يمتُّ بصلة القرابة إلى البرامكة، وإنه اضطُرَّ إلى الفرار إلى مدينة الكوفية عندما غَضِبَ هارون الرشيد على البرامكة وأطاح بهم.

وقد أمضى جابر بن حيان جزءاً كبيراً من حياته في الكوفة، وتلقَّى بها أولَ دروسه عن الكيمياء على يد أستاذه «جعفر الصادق»، وأخذ عنه حبَّه الشديد للكيمياء وفنونها.

 

وقد كانت الكيمياء في ذلك الحين صَنعةً يشتغل بها بعضُ الناس في مجالات مختلفة، مثل الصباغة، والتعدين، وتحضير الزيوت والعطور، وصنع الزجاج. ولم تكن لها قواعد عامة أو أصول مدروسة، وهي الصفات التي تميِّز العلم عن غيره من أنواع المعرفة الأخرى.

وقد حاول جابر بن حيان أن يجدَ بعضَ القواعد العامة التي تحكم مختلف التغيّرات الكيميائية، فقام بإجراء مئات من التجراب الجديدة.

 وحقَّق عشرات من الاكتشافات التي لم تَكُنْ معروفة من قبل، حتى أن أهل ذلك الزمان أطلقوا على هذه الصنعة اسمَ «صنعة جابر».

 

وقد كان جبار بن حيان عالماً متعدِّد المواهب، فكتب وألَّف في عديد من المجالات، وبلغت مؤلفاته في الكيمياء أكثر من ثمانين كتاباً.

ولذلك اشتهر على مر التاريخ بأنه شيخُ الكيميائيين والرائدُ الأول لعلم الكيمياء.

ومن أمثلة مؤلفاته في علم الكيمياء «الإيضاح»، و«البحث» و«التجريد» و«الخواص الكبير» و«الميزان» و«صندوق الحكمة» و«الراهب» و«الخالص» و«المجموعة الكاملة».

 

وقد ذكر جابر بن حيان في كتبه كثيراً من العمليات الكيميائية التي قام بها، مثل الترشيح، والتقطير والتبخير والتصعيد (التسامي).

والترجيح (التركيز)، والحِلِّ والعَقد (التحليل والتركيب)، والتكْليس (الأكسدة) ، والإلغام (تكوين ملغمات من الفلزات مع الزئبق)، والتبييض (إزالة الألوان)، والانعقاد (زيادة التركيز) والسحق، والتجفيف، والتقنية، والتركير، والتخمير

كذلك ذكر في هذه الكتب كثيراً من الأجهزة والأدوات التي استخدمها في تجاربه، ومن أمثلتها المِرْجل والإنبيق والمقراض والموقد والقوارير والمَكسر والمبرد والهاون والمنخل والقمع والزِّق والسفنجة والقطارة والفنجان والميزان.

 

ويُعَدُّ الإنبيق من أهم الاكتشافات التي قدمها جابر بن حيان، فقد ساعد على إجراء كثير من العمليات السابقة، وساهم بذلك مساهمة فعالة في تقدُّم علوم الكيمياء.

كذلك يُعَدُّ استخدام جابر بن حيان للميزان في تجاربه، إحدى المراحل المهمة في تاريخ علم الكيمياء، فقد أدرك بغريزة العالم المدقق أن المواد تتفاعل بأوزان محددة، وهو ما نعرفه اليوم بقانون النسب الثابتة.

وكان جابر يقول «إني لأعرف وأعلم أن قوماً يتعجبون من علمي، وإن علمي أكثر، وإن ذلك لكثرة معرفتي بالميزان». ولم يرد ذكر الميزان في أوروبا إلا في مطلع القرن الخامس عشر، أي بعد أن ذكره جابر بن حيان واستخدمه في تجاربه بنحو ستة قرون.

 

وربما كان من أعظم إنجازات جابر بن حيان، تحضيره للأحماض المعدنية، وهي حمض الكبريتيك وحمض الهيدروكلوريك وحمض النتريك، وكذلك بعض الأحماض العضوية، مثل الخَلِّ (المُصَعَّد، (حمض الخليك المركز) وحمض الطرطير (الطرطريك)، وحمض الأُتْرُجِّ (الليمونيك).

كما عرف جابر نترات الفضة وأطلق عليها اسم «حجر جهنم»، كما حضَّر مركبات كيميائية أخرى مثل السُّليماني «كلوريد الزئبقيك»، والراسب الأحمر «أكسيد الزئبق»، والزُّنْجُفْر «كبريتيد الزئبق»، والبَّوْرَق «البوراكس»، وروح الملح «كلوريد الأمونيوم»، والإثمد «كبريتيد الأنتيمون» والأُسْرُب (أكسيد الرصاص).

وقد اهتم جابر بن حيان اهتماماً كبيراً بإجراء التجارب العلمية، وبمزيد من الخبرة والمران، فكان يقول «من كان دَرِباً كان عالماً، ومن لم يَكُ دَرِباً لم يَكُ عالماً، وحَسْبُك الدُّربة في جميع الصنَايع إن الصانع الدَّرب يَحذَق، وغيرَ الدرب يُعطِّل».

 

كذلك كان جابر بن حيان أول من تكلم في المنهج العلمي، فكان يقول «كلُّ صناعة لا بد لها من سبق العلم في طلبها»، ويقول «وقد عملته بيدي وعقلي من قبل، وبحثت عنه حتى صَحَّ، وامتحنته فما كذب».

وتبدو الدقة الفائقة التي كان جابر بن حيان يتقيد بها في تجاربه في قوله «إننا نذكر في هذه الكتب خواصَّ ما رأيناه فقط، دون ما سمعناه أو قِيل لنا أو قرأناه، بعد أن امتحنَّاه جرَّبْناه، فما صَحَّ أوردناه، وما بَطُل رفضناه، وما استخرجناه نحن أيضاً قايسناه على أحوال هؤلاء القوم».

 

وهكذا يكون جابرُ بن حيان أولَ من تكلم عن الأمانة العلمية واهتم بالنقد الذاتي وأول من قَنَّنَ التجربة، واهتم بصحة المشاهدة، وبيَّن طريقة الاستنتاج بعد التأكيد مما حصل عليه.

وقد كتب جابر بن حيان عن «حجر الفلاسفة»، وهو المادة التي كان بعض القدماء يعتقدون في قدرتها على تحويل الفلزات الخسيسة مثل النحاس، إلى الفلزات الثمينة مثل الذهب. ولم يكن جابر مقتنعاً بوجود هذا الحجر، وأبدى كثيراً من الاعتراضات على ذلك.

 

وقد ترجمت بعض كتب جابر بن حيان إلى اللغة اللاتينية في العصور الوسطى في أوروبا، وعن طريقها سَمع من يشتغلون بالكيمياء في أوروبا، لأول مرة بالتجربة العلمية المخطَّطَة، وباستعمال الميزان، وبكثير من المبادئ المهمة الأخرى، وظلَّت هذه المؤلفات مرجعاً قيماً بالنسبة للمشتغلين بهذا العلم زُهاء ألف عام.

وقد شهد جميع المؤرخين والمستشرقين، ومن بينهم العالم البريطاني «هولميارد» بفضل جابر بن حيان على علوم الكيمياء.

كما كتب عن أعماله كثير من العلماء مثل «ابن الأصيل»، الذي عاش بعده بنحو مِئَتَيْ عام (نحو 350 هجرية)، وورد ذكره في كتب «ابن وحشية»، وفي «الفهرست» «لابن النديم».

 

وهكذا كان جابر بن حيان عالماً فذّاً، ورائداً في علم الكيمياء، واستحق أن يُلقب بشيخ الكيميائيين.

وتُوُفِّيَ جابرُ بنُ حيان بعد أن عاش حياة طويلة وهبها كلَّها للعبادة والاشتغال بالعلم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق