شخصيّات

نبذة عن حياة العالم “تشارلس روبرت داروين”

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الأول

صبري الدمرداش

KFAS

العالم تشارلس روبرت داروين شخصيّات المخطوطات والكتب النادرة

إن الطرق إلى الشهرة مليئة بالمفارقات. قد تكون الفضائل سبيلها، وقد تكون نقاط الضعف كذلك. والحق أن داروين (شكل رقم 106) وصل إلى شهرته العظيمة عن طريق الجمع بين الاثنين!!.

وإذا رحنا نفتش معاً – أنا والقارئ- في تاريخ العلوم فربما لا يطول بنا السفر لأننا سنتفق على أنه قد لا توجد بين العلماء شخصية أثارت وأثير حولها الجدل مثل شخصية عالمنا هذا.

قدحه المعارضون ومدحه الموافقون، ولكن الجميع –معارضين وموافقين- اتفقواً معاً على شهرته وعظمته .

 

البليد…!

(أنت لا تهتم بشيء غير اللعب مع الكلاب واقتناص الفئران، وإنك ستكون عاراً بل وبالاً على نفسك وأسرتك!).

…. هكذا قال والد غاضب مضطرب لولده تشارلس، الولد الذي قُدِّر له أن يصبح فيما بعد في طليعة علماء الحياة في كل العصور.

ولد تشارلس في يوم 12 فبراير عام 1809 بإنجلترا، وهو نفس اليوم الذي ولد فيه الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن، ولكن مع فارق كبير بين الأسرتين.

فقد كان والد تشارلس – روبرت داروين- طبيباً ثرياً يزود أطفاله بكل ما يمكن شراؤه بالمال. لم ينقصهم أي شيء مادي، غير أنهم كانوا أيتام الأم منذ كان تشارلس في الثامنة.

 

وكان جده إراسمُوس داروين معروفاً جداً بوصفه طبيباً وعالماً. إذن فصاحبنا ابن طبيب ابن طبيب.

وكان تشارلس بين أعضاء هذه الأسرة المتعلمة يعتبر بالأحرى بليداً، ولقد دعاه ناظر مدرسته ذات مرة بالبليد.

البليد – كيف ؟! كان سبب ذلك خياله الخصيب الذي لم يكن يتفق والطبيعة المدرسية بل كان يعلو عليها إلى آفاق أسمى وأرحب، آفاق الطبيعة وما تزخر به وتعج من ألوان الحياة وصنوفها.

 

قوة الملاحظة

كان تشارلس – على الرغم من رأي والده فيه – يعد نفسه لعمل العمر، عاملاً على شحذ وسيلة العلم وأداته الأولية وتطويرها وهي فن الملاحظة.

وقد قال فيما بعد بغير مباهاة ولا تفاخر: (أعتقد أنني متفوق على البشر العاديين من حيث ملاحظة الأشياء التي تحتاج ملاحظتها إلى عنايةٍ وتدقيقٍ وفراسة). وتدريجيا بدأ الوالد يقدر قوة ملاحظة ولده حق قدرها.

 

طبيب… من الباطن!

كان الدكتور روبرت دارون ضخم الجثة للغاية، يزن حوالي 300 رطل . لذا كان يلاقي صعوبات في زيارة بعض مرضاه الفقراء، إذ كانت سلالمهم وأرضية مبانيهم من الضعف بحيث لا تتحمل ثقله!!

ومن هنا جعل تشارلس ولده يصاحبه – رغم صباه المبكر- في جولاته. يزور المرضى، ويفحصهم ويستمع إلى شكواهم، وينقل ملاحظاته إلى والده الذي يكتب العلاج بناءً عليها.

وقد يبدو هذا أمراً طبيعياً إذا ما أخذنا في الاعتبار أن القوانين الطبية لم تكن مرعية تماماً في تلك الأيام.

 

راعي الكنيسة

أُرسل تشارلس إلى الجامعة بإدنبرة برفقة شقيقه إراسموس ليدرسا الطب مثل والدهما.

وكان وهو في إدنبرة طالباً ضعيفاً كما كان متوقعاً. ولكنه كان يهتم في الوقت نفسه وبصفة خاصة بالجلسات التي كانت تعقد في الجامعة لمناقشة القضايا العلمية، وخاصة تلك التي تتعلق منها بأصل الحياة، موضوع البحث المفضل في تلك الأيام.

وبعد مرور عامين بالجامعة تُقرر أن تشارلس لا يصلح لأن يكون طبيباً! كيف وهو قوي الملاحظة وفي نفس الوقت سليل الأطباء؟! – مسألة ميول واهتمامات.

وما الحل؟ كان الملاذ الأخير لالتحاق وريث الأسرة المثقفة بإحدى المهن الراقية هو إعداده لدراسة الدين ليتخرج راعياً من رعاة الكنيسة.

ومن ثم التحق بجامعة كمبردج وحصل، وهو في الثانية والعشرين، على مؤهل لاهوتي. غير أنه لم يرغب كذلك في العمل راعياً للكنيسة.

 

القدر.. يرتِّب

وفي ذلك الجو من التخبط بين دراسة الطب والاشتغال بالدين، وصل تشارلس خطابٌ.. ممن؟ من أحد أساتذته، جون هنسلو، أستاذ النبات بكمبرج، يقترح عليه في المشاركة في رحلة علمية مهمة ستقوم بها السفينة الملكية (بيجل).

وقدَّمه إلى فيتزروي قائدها، على أن يشغل منصب الباحث الطبيعي في هذه الرحلة ولكن بغير أجر! بل عليه هو أن يدفع نفقاته! وكانت السفينة مكلفة بمسح ساحل أمريكا الجنوبية.

عاد الابن يسأل أباه العون المالي، ولكن الأب اعترض، لأنه رأى في ذلك عذراً واهياً يتعلل به ابنه حتى لا يكمل دراساته الجامعية الجادة.

ولكن الأب سرعان ما عدل عن قراره عندما علم – وهو رجل مثقف – بالخطورة العلمية لهذه الرحلة التي لا نظير لها في تاريخ الرحلات العلمية الغربية.

 

وهكذا تقابل شابان لم يدركا ما تخبئه لهما الأيام… روبرت فيتزروي، قبطان بحري في السادسة والعشرين سبق له أن جاب البحار ورسم الخرائط لشواطئها، وينوي الإقلاع في رحلة جديدة طويلة.

وهو رجل متدين يعتمل في صدره كره شديد لأصحاب علم الجيولوجيا الذي يستخدمون الصخور لنشر هرطقاتهم على الناس، ورأى أن يصحب معه عالماً من علماء الحياة يشاركه خبرته في البراري ويقف إلى جواره في وجه هؤلاء الزنادقة! والشاب الثاني تشارلس داروين الذي يصغر القبطان بسنوات أربع.

وحتى بعد موافقة والد تشارلس على الإنفاق عليه في هذه الرحلة، كانت الأفكار تتضارب في ذهن تشارلس: هل يدع صيد الثعالب في إنجلترا ويذهب لقنص اللّاما في أمريكا الجنوبية؟ هل يريد حقاً أن يذهب؟.

وبينما الشاب في تردده، وبينما المستقبل في انتظار القرار، إذ بالقبطان يحسم الأمر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق