إسلاميات

نبذة تعريفية عن “الصحابة” والمنزلة التي يتحلون بها

2000 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الحادي عشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الصحابة منزلة الصحابة إسلاميات المخطوطات والكتب النادرة

كَلِمَةُ «صَحابَة» في اللُّغَةِ جَمْعُ «صاحِب»، وهو المُعاشِرُ.

ولكنْ إذا قُلْنا، مَثَلاً: اجْتَمع الصَّحابَةُ علَى قِتالِ المُرْتَدِّينَ، فكَلِمَةُ «الصَّحابَةِ» وَصْفٌ لجِيلٍ مُحدَّدٍ من النَّاسِ، هُمُ الّذينَ لَقُوا رَسُولَ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، مُؤمِنينَ بِهِ، وماتوا علَى الإسْلامِ. والمَنْسوبُ إليهِمْ يُسَمَّى «صَحابِيًّا» والمَرْأَةُ «صَحابيَّةٌ».

فالّذين رأَوْا رسولَ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولَمْ يُؤمِنوا بِهِ، وإنْ طالَتْ صُحْبَتُهم لَهُ، لا يُسَمَّوْن صَحابَةً، كأبي لَهَبٍ، وأبي جَهْلٍ، وعُتْبةَ بنِ رَبِيعَةَ.

 

ومَنْ أَدْرَك زَمَنَ رَسولَ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وآمَنَ بهِ، ولَمْ يَلْقَهُ، فَلَيْسَ صَحابِيًّا، كالأَحْنَفِ بنِ قَيْسٍ، وأُوَيْسٍ القَرَنيِّ، وأبي ذُؤَيْبٍ الهُذَليّ.

ومَنْ رَأَى رَسولَ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وآمَنَ بِهِ، ثُمَّ ارْتدَّ ولم يَتُبْ، بلْ ماتَ علَى غَيْرِ الإسْلامِ، لا يُسَمَّى صحابِيًّا، مثل: عُبَيْدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ، زَوْجِ «أُمِّ حَبِيبَةَ» الّتي تَزَوَّجَها النَّبِيُّ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، بَعْدُ. فإنَّ عُبَيْدَ اللهِ هَذا أَسْلَمَ، وهاجَرَ مَعَ زَوجَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ إلَى الحَبَشَةِ، وهناكَ تنصَّرَ، وماتَ على نَصْرانِيَّتِهِ.

وأَشْهَرُ طَوائِفِ الصَّحابَةِ المُهاجِرُونَ والأَنْصارُ، وقَدْ ذَكَرَهُمْ اللهُ عَزَّ وجَلَّ في القُرْآنِ الكريمِ بِهذا الاسْمِ، قال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:100).

 

قال الشَّوْكَانيُّ في تَفسيرِه (فَتْحُ القَدير): «هذه شَهادَةٌ منَ اللهِ تَعالَى للسَّابقينَ مِنْ أَصْحابِ النَّبِيِّ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وبُشْرَى لَهُمْ بالجنَّةِ والفَوْزِ في الآخِرَةِ، وهِيَ بُشْرَى لِمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ واتَّخَذَهُمْ لَهُ قُدْوَةً.

و«السَّابِقُونَ الأَوَّلونَ» هُمْ الَّذينَ صَلُّوْا القِبْلَتَيْنِ، أو الّذينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، وأَهْلُ بَدْر..»

قال تعالى(لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة:117).

 

وقَدْ سجَّلَ القُرْآنُ الكَريمُ للصَّحابَةِ كثيرًا مِنَ الصِّفَاتِ المَحْمُودَةِ الّتي يَرْضاها سُبْحانَهُ وتَعَالَى، منها:

– (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح:29).

– ( لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح:18).

 

وفضْلُ الصَّحابَةِ عَلَى المُؤمِنينَ خَاصَّةً، وعَلَى البَشَرِيَّةِ عامَّةً، فَضْلٌ كبيرٌ دائِمٌ:

* فَهُمْ الَّذينَ آمَنُوا بِرَسُولِ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وشَهِدُوا أَنَّ القُرْآنَ العظِيمَ كَلامُ اللهِ، ووَحْيُهُ، وأَدْرَكُوا بِفِطْرَتِهِمْ أَنَّهُ كلامٌ لا يَقولُه بَشَرٌ.

* وهُمْ الَّذينَ صَبَرُوا عَلَى كَثيرٍ مِن المِحَنِ والبَلاءِ والأَذي مِنَ المُشْرِكِينَ، وكانَ ثَباتُهُمْ ثَبَاتًا للإسْلامِ.

 

* وهُمْ الَّذينَ جَاهَدُوا في سَبيلِ اللهِ، ونَصَرُوا دِينَهُ، وضَحُّوا بِأَنْفُسِهِمْ وأَمْوالِهِمْ وأَوْطانِهِمْ وأَبْنائِهِمْ، حتَّى أعلَوْا كَلِمَةَ اللهِ، ورفعوا راية الإسلام في الجزيرة العربية كلها، وقَضَوْا عَلَى الدَّوْلَةِ الفَارِسِيَّةِ وأَسْلَمَتْ شُعوبُها، وجَاهدُوا الرُّومَ وفَتَحُوا مِصْرَ والشَّامَ وبَيْتَ المَقْدِسِ، وَوَصلُوا إلى أَسْوارِ القُسْطَنْطِينِيَّةِ.

* وهُمْ الَّذينَ حَفِظُوا القُرْآنَ الكَريمَ في صُدورِهِمْ، ودَوَّنوهُ في المَصَاحِفِ، فظَلَّ باقِيًا كَمَا أَنْزَلَهُ اللهُ هَذِهِ القُرُونَ الطَّوِيلَةَ.

 

* وهُمْ الَّذينَ حَفِظُوا لَنَا سُنَّة رَسولِ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: وَصَفُوا أَفْعَالَهُ، ونَقَلُوا أَقْوالَه، وروَوْا أَحْوالَهُ، وهو، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، الأُسْوَةُ والقُدْوَةُ.

وهنا سُؤالُ يرِدُ عَلَى الخاطِرِ: كَمْ كانَ عَدَدُ الصَّحَابَةِ عِنْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟

 

والحقيقَةُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ أَحَدٍ جَوابٌ على هَذَا السُّؤَالِ، لأنَّ التَّعْدادَ السُّكَّانِيَّ لَمْ يَكُنْ مَعْروفًا في تِلْكَ الحِقْبَةِ، ولكنْ مِنْ المَعْروفِ عَلَى وَجْهِ اليَقينِ أَنَّه قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أَسْلَمَتْ مَكَّةُ عَنْ آخِرِها، ولَمْ يَبْقَ في المَدينَةِ مُشْرِكٌ، وأَسْلَمَتْ الطَّائِفُ ومَا حَوْلَها. 

ودَخَلَتْ أكْثرُ القَبائِلِ العَرَبِيَّةِ الإسْلامِ، وجَاءُوا رسولَ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، في المَدينَةِ وُفُودًا مِنْ كُلِّ جِهاتِ الجَزيرَةِ مُعْلِنِينَ إسْلامَهُمْ. بَدَأَ ذَلِكَ مِنْ سَنَةِ 6هـ حَتَّى وَفَاتِه، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، سَنَةَ 11هـ.

قالَ أَبو زُرْعة الرَّازِي (وهُوَ أَحَدُ رجالِ عِلْمِ الحَديثِ، تُوُفِّيَ 264هـ): «تُوُفِّيَ النَّبِيُّ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومَنْ رَآهُ وسَمِعَ مِنْهُ زِيادةٌ عَلَى مِئَةِ أَلْفِ إنْسانٍ مِنْ رَجُلٍ وامْرَأَةٍ، كُلُّهُمْ رَوَى عَنْهُ سَمَاعًا أَو رُؤْيَةً». فَهَؤلاءِ الصَّحابَةُ الرُّوَاةُ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ؟

 

ونَسْأَلُ: كَيْفَ عَرَفَ العُلَمَاءُ الصَّحَابَةَ المَذْكورِينَ في التَّارِيخِ؟

1- كَثيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ذُكِروا بأَسْمائِهِمْ في تَفَاسِيرِ القُرْآنِ، وحَوادِثِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وكُتُبِ المَغَازِي والسِّيَرِ.

2- كَثيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ذُكِرُوا عَنْ طَريقِ روايَةِ الأَحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، فإذا قَالَ رَجُلُ: حَدَّثَني رَسولُ اللهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، بِكَذَا، أو: شهِدُتْ رَسولَ اللهِ يَفْعَلُ كَذَا، فَهُوَ صَحَابِيٌّ.

3- كَثيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ كانَ يقولُ إِذا حدَّثَ: كُنَّا جُلوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقَالَ فُلانٌ.. أَو: خَرَجْتُ أَنَا وفُلاَنُ مِنْ عِنْدَ النَّبِيِّ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أَوْ ما شَابَهَ ذَلِكَ مِنَ العِباراتِ.

 

وقد بَذَلَ عُلَماءُ المُسْلِمينَ: المؤرِّخونَ مِنْهُم عُمُومًا، والمُحَدِّثونَ خُصوصًا، جُهُودًا كثيرةً ومَشْكورَةً في جَمْعِ أَسْماءِ الصَّحَابَةِ، وبَيانِ طَبَقَاتِهِمْ ومَنَازِلِهمْ في الجِهادِ والفِقْهِ والعِلْمِ. ومِنْ أَشْهَرِ وأَهَمِّ الكُتُبِ الّتي نَعْرِفُ منها سِيرَةَ الصَّحَابَةِ، ثَلاثَةٌ:

1- «الاستيعَابُ في مَعْرِفَةِ الأَصْحَابِ»، لابنِ عَبْدِ البَرّ.

2- «أُسْدُ الغَابَةِ في مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ»، لابنِ الأَثِيرِ: عَلِيٍّ بنِ مُحَمَّدٍ.

3- «الإصَابَةُ في تَمْييزِ الصَّحَابَةِ» لابنِ حَجَرٍ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق