الفنون والآداب

نبذة تعريفية عن “الشِّعْرُ النَّبَطِيّ” وأنواعه

2000 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الحادي عشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الشِّعْرُ النَّبَطِيّ أنواع الشعر النبطي الفنون والآداب المخطوطات والكتب النادرة

الشِّعْرُ النَّبَطِيُّ نَوْعٌ من أَنْواعِ الشِّعْرِ العَامِّيِّ المَكْتوبِ بِلَهْجَةٍ عَرَبِيَّةٍ قَريبَةٍ مِنْ لَهَجَاتِ أَهْلِ نَجْد.

والشُّعَراءُ الّذينَ يكتبونَ هذَا الشِّعْرَ يَكْتُبونَهُ بِلُغَةٍ مُوَحَّدَةٍ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ تَعَدُّدِ اللَّهَجاتِ واخْتلافِها في جَزيرَةِ العَرَبِ.

وهَذِهِ اللُّغَةُ المُوَحَّدَةُ لَيْسَتْ لُغَةَ قَبيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وإنَّما هِيَ لُغَةٌ خاصَّةٌ بهذا الشِّعْرِ. فهِيَ كاللُّغَةِ الفُصْحَى بالنِّسْبَةِ إلى لَهَجاتِ القَبائِلِ المُخْتَلِفَةِ، يَنْظِمُ بها الشُّعَراءُ أَشْعَارَهُم وتكونُ مَفْهومةً عِنْدَ جميعِ القَبائِلِ.

 

ويَصْعُبُ عَلَى الباحِثِ مَعْرِفَةُ الفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ الّتي ظَهَرَ فيها هذا الشِّعْرُ. فَأَقْدَمُ ما نَجِدُهُ عن الشِّعْرِ العَامِّيِّ في المصادِرِ العَرَبِيَّةِ هو ما ذَكَرَهُ ابنُ خَلْدون (المُتَوَفَّى سَنَةَ 808هـ – 1406م) في كتابِهِ «المُقَدِّمَةِ».

فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ العَرَبِ في عَهْدِهِ يقولونَ نوعًا من الشِّعْرِ خاليًا من الإعْرابِ يقولُ: «وأَساليبُ الشِّعْرِ وفُنُونُهُ مَوْجودَةٌ في أَشْعارِهِمْ هَذِهِ، ما عَدا حَرَكاتِ الإعْرابِ في أَواخِرِ الكَلامِ، فإنَّ غَالِبَ كَلِمَاتِهِمْ مَوْقُوفَةُ الآخِرِ. 

ويَتَمَيَّزُ عِنْدَهُم الفاعِلُ مِن المَفْعُولِ، والمُبْتَدَأُ مِنْ الخَبَرِ، بِقَرائِنِ الكَلامِ لا بِحَرَكاتِ الإعرابِ».

ويُورِدُ ابنُ خَلْدونَ نماذِجَ كثيرةً من هذَا الشِّعْرِ تُشْبِهُ إلَى حَدٍّ بَعيدٍ الشِّعْرَ النَّبَطِيَّ، مَعَ اخْتِلافٍ قَليلٍ في دَلالاَتِ بَعْضِ الأَلْفَاظِ.

 

ويبدو أنَّ هذا النَّوْعَ من الشِّعْرِ الّذي ذَكَرَهُ ابنُ خَلْدون قَدْ ظَهَرَ مَعَ ظُهورِ اللَّهَجاتِ العَامِّيَّةِ في البادِيَةِ، فَقَدْ احْتَاجَ النَّاسُ إلى التَّعبِيرِ عنْ مَشَاعِرِهِمْ عن طريقِ قَولِ الشِّعْرِ.

وبِسَبَبِ قِلَّةِ التَّعْلِيمِ في البَوَادِي، وبخاصَّةٍ في فَتَراتِ ضَعْفِ الخِلافَةِ الإسْلامِيَّةِ، استخدمَ الناسُ لَهَجَاتِهِمْ لِكِتَابَةِ الشِّعْرِ.

ولِذَلِكَ يُمْكِنُنَا القَوْلُ إنَّ هَذَا الشِّعْرَ لَمْ يَنْشَأُ دَفْعَةً واحِدَةً، وإِنَّما ظَهَرَ شيئًا فَشَيْئًا بَعْدَ أنْ ضَعُفَتْ الفُصْحَى وتَسَرَّبَتْ العَامِّيَّةُ وانْتَشَرَتْ بَيْنَ النَّاسِ، فجاءَ هَذَا الشِّعْرُ باعْتِبَارِهِ فَرْعًا من فروعِ الفُصْحَى الّتي أَصابَها التَّغييرُ عَبْرَ قرونٍ عَديدَةٍ.

أمَّا سَبَبُ تَسْمِيَةِ هَذَا الشِّعْرِ النَّبَطِيِّ فما يَزَالُ مجهولاً. فَبَعْضُ الباحِثينَ يَرَى أَنَّه سُمِّيَ بِهذَا الاسْمِ نِسْبَةً إلى الأَنْباطِ، وهُمْ قَوْمٌ سَكَنوا في شمال الجَزيرَةِ العَرَبِيَّةِ.

 

وهُناكَ مَنْ يَرَى أنَّ الاسْمَ مُشْتَقٌّ مِن (نَبَطَ الماءُ) بِمَعْنَى سَالَ، لأنَّ أَصْحابَ هَذَا الشِّعْرِ قَدْ اسْتَنْبَطوه مِنْ لَهَجاتِهِم، ولَمْ يَأْخُذوهُ عَنْ أَحدٍ مِمَّنْ سَبَقَهُم.

وهُنالِكَ رَأْيٌ ثالِثٌ يَرَى أَنَّهُ سُمِّيَ بهذَا الاسْمِ لأنَّهُ لَيْسَ عَرَبِيًّا فَصيحًا، فَهُوَ في لُغَتِهِ يُشْبِهُ لُغَةَ النَّبَطِ الّذينَ يُضْرَبُ المَثَلُ بِلُغَتِهِم في البُعْدِ عَنْ الفَصَاحَةِ العَرَبِيَّةِ. وهَذَا الرَّأْيُ الأخيرُ هُوَ الّذي يَميلُ إليهِ أَكْثَرُ الباحثينَ في هذَا المَوْضُوعِ.

 

وأَقْدَمُ مَا وَصَلَ إلينا مِنَ الشِّعْرِ النَّبَطِيِّ – بِلُغَتِهِ المُوَحَّدَةِ – يَرْجِعُ إلى القرنِ العاشِرِ الهِجْرِيِّ. وأَقْدَمُ الشُّعَراءِ الّذينَ دُوِّنَتْ أشْعارُهُمْ ووَصَلَتْ إلينا هُم: راشِدٌ الحَلاَوِيُّ، وأبو حَمْزَةَ العَامِرِيُّ (من أَهْلِ الإِحْساءِ)، وقَطَنُ بنُ قَطَن (من أهلِ عُمَان)، ورِمِبْزانِ بنِ غَشَّام (من أهلِ نَجْد)؛ وكُلُّهُمْ من شُعَراءِ القَرْنِ العَاشِرِ الهِجْرِيِّ.

ويَقْرَأُ النَّاسُ الشِّعْرَ النَّبَطِيَّ عادةً مُنَغَّمًا علَى الرَّبابَةِ. وقَدْ يُغَنِّيهِ النَّاسُ بمُصاحَبَةِ الطُّبولِ، أو التَّصفيقِ بالأَيْدي، بحَسَبِ اخْتِلافِ أَوْزَانِ الشِّعْرِ.

للشِّعْرِ النَّبَطِيِّ أَنْواعٌ مُتَعَدِّدَةٌ، ولكُلِّ نَوْعٍ مِنْها أَوْزَانٌ خَاصَّةٌ.

 

وأَهَمُّ هَذِهِ الأَنْواعِ:

1-القِصِيدُ: ولِهذا النَّوْعِ مَكَانَةٌ هَامَّةٌ عِنْدَ شُعَرَاءِ النَّبَطِ، ويمتازُ بأوزَانِهِ الطَّويلَةِ والمُتَعَدِّدَةِ.

أمَّا المواضيعُ الّتي يَطْرُقُها فكثيرةٌ، مِنها المَدَائِحُ، والمَفَاخِرُ، والحَمَاسِيَّاتُ، والمَرَاثِي، والمُعَارَضَاتُ، وغَيْرُها.

 

2-الحُداءُ: ويأتي الحُداءُ علَى شَكْلِ مَقْطوعاتٍ قَصيرةٍ، تتأَلَّفُ كلُّ مَقْطوعَةٍ من بَيْتَيْنِ في غَالِبِ الأَحْوالِ، وتَلْتَزِمُ كُلُّ قِطْعَةٍ قافِيَةً مُعَيَّنَةً، وتَتَغَيَّرُ هَذِه القافِيَةُ بِتَغَيُّرِ المَقَاطِعِ.

ويلتزمُ هَذَا النَّوْعُ وزنًا واحدًا هُوَ الرَّجَزُ، ويُقَالُ عَادَةً ارْتجالاً، ومواضيعُهُ مَقْصورَةٌ عَلَى الفَخْرِ والحَمَاسَةِ.

 

3- السَّامِرِيُّ: وهَذَا الاسمُ مُشْتَقٌّ من السَّمَرِ، ويَقْرَأُ الناسُ هذَا النَّوْعَ مِن الشِّعْرِ في أثناءِ اجتماعِهِم ليلاً للسَّمَر.

ومِنْ أَشْهَرِ شُعَراءِ هَذَا الفَنِّ الشَّاعِرُ مُحَمَّدٌ بنُ لعبونَ الوايلِيُّ، فَقَدْ أَدْخَلَ علَى هذَا النَّوْعِ الكثيرَ من الأَلْحانِ الجَديدَةِ. ويَلْتَزِمُ هذا النَّوْعُ وَزْنًا واحِدًا، وهُوَ بَحْرُ (الرَّمَل). وأَغْلَبُ مَوْضوعاتِه: الغَزَلُ، والعِتابُ، والشَّكْوَى مِن الهَجْرِ والفِرَاقِ.

 

4- الهَجِينِيُّ: تَسْمِيَتُه مَأْخُوذَةُ من (الهِجْن) أَيْ الإبِل، لأنَّهُم كانوا يُنْشِدونَه علَى ظُهورِ الإِبِلِ فَتَطْرَبُ لَهُ وتَنْشَطُ في سَيْرِها.

ولَيْسَ لِهذَا النَّوعِ أَوْزَانٌ مُحَدَّدَةٌ مَعْروفَةٌ، ويأتِي في الغَالِبِ علَى أوزانٍ أَقْصَرَ مِنْ أوزانِ القَصِيدِ. أمَّا مَوَاضِيعُهُ فكثيرةٌ، مثل: الفَخْرِ، ووَصْف الإِبِلِ والصَّحارِي، ووَصْفِ المَعَارِك وحَوادِثِ الغَزْو والقِتالِ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق