العلوم الإنسانية والإجتماعية

ملاحظات عديدة حول قضية شركة مونسانتو ضدّ المزارع “شمايزير”

2014 البذور والعلم والصراع

أبي ج . كينشي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العلوم الإنسانية والإجتماعية البيولوجيا وعلوم الحياة

ففي عام 2004م، قضت المحكمة العليا الكندية لصالح شركة مونسانتو الكندية ضد «بيرسي شمايزير» (Percy Schmeiser)، المزارع من مقاطعة «ساسكاتشوان» (Saskatchewan).

شمايزير كان قد وفر بذور الكانولا من حصاده الخاص وزرعها [في الموسم اللاحق]، على الرغم من أنه قد أُبلغ مسبقاً بأن الكانولا التي يمتلكها تحتوي على مواد وراثية مهندسة، تعود براءة اختراعها إلى شركة تكنولوجية حيوية، وأشار الحكم إلى أن زرع البذور بمعرفة أنها تحتوي على جينات لها براءة اختراع، يشكل انتهاكاً لبراءة الاختراع تلك، حتى ولو وصلت تلك الجينات للحقل من خلال حبوب اللقاح المنجرفة، أو بذورة منقولة بالرياح أو وسائل أخرى من قبيل الصدفة.

لقد قمتُ بدراسة قضية شركة مونسانتو ضدّ شمايزير في هذا الفصل، وناقشتُ استخدامها في المحاكم الأخرى لتسوية النزاعات حول الجينات الناشزة وحقوق الملكية الفكرية وآثارها في ذلك.

فهناك العديد من التحليلات الأكاديمية والشعبية لقضية شمايزير، ولكن هنا سأقدم عدة ملاحظات جديدة(1).

 

أولاً، تدلّ هذه الحالة على أنه حتى النقاش حول حقوق الملكية، وتوفير البذور قد أصبحا علمائيين (مواضيع سياسية بارزة)، مما يجعل من الصعوبة على المزارعين والنشطاء وغير العلميين الآخرين أن يكون لهم دور جوهري في رسم السياسة العامة.

ففي كندا، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأميركية، ترتفع «حواجز الخبرة» (Expertise Barriers) في مجال براءة الاختراع، التي يُمنع التدقيق فيها من قبل العامة، أو من قبل معارضين خارجيين (Parthasarathy 2010, 2011).

وعلى الرغم من الضغوط التي مورست على المجلس التشريعي لمناقشة الآثار الاجتماعية المترتبة على براءات اختراع التكنولوجيا الحيوية، فقد تمّ ترك الموضوع أساساً لمكاتب براءات الاختراع والنظام القضائي لاتخاذ القرار بشأنها. ففي قضية مونسانتو ضدّ شمايزير، رفضت المحاكم أخذ فرصة لفتح النقاش شعبياً حول براءة الاختراع وإجراءات تدقيق اللوائح الناظمة الخاصة بالمحاصيل المهندسة وراثياً.

وبشكل مشابه جداً لقضية الذرة المكسيكية المهندسة وراثياً، أصبحت الجوانب التكنولوجية لرصد الجينات المحورة وراثياً في النباتات محوراً مركزياً. والواقع، إن النزاع القانوني لم يكن في الأساس يتمحور حول المسائل المتصلة بحق حفظ البذور، والآثار الاجتماعية المترتبة على براءات الاختراع فحسب، بل بدلاً من ذلك كان يتمحور حول مسائل أساليب البحث الصحيحة والفهم الدقيق لكيفية تأثير الجينات في نمو النبات.

 

ثانياً، إن قضية شمايزير قد أثّرت في طريقة تصوّر النشطاء المناهضين للتكنولوجيا الحيوية في جميع أنحاء العالم لتهديدات الجين الناشز. لقد فهم قرار المحكمة الاتحادية العليا على نطاق واسع من قبل النشطاء المناهضين للتكنولوجيا الحيوية لإثبات أن تدفّق التحور الجيني يمكن أن يؤدي إلى اتهامات بانتهاك براءات الاختراع.

وهو ما أصبح أمراً مقلقاً كثيراً ما سمعته بصورة متكرّرة من قبل نشطاء الذرة المكسيكية، وانعكس حتى في مطالب المؤسسة العامّة لبراءات الاختراع؛ وفي النهاية، فإن تلك القضية تقدّم مثالاً واضحاً على التعبئة القانونية في الدفاع عن حفظ البذور وتوفيرها وضدّ المحاصيل المحورة وراثياً.

وعلى الرغم من أن لا شمايزير ولا حتى النشطاء المناهضين للتكنولوجيا الحيوية أنفسهم قد بدأوا النزاع مع مونسانتو، فإن القضية أصبحت ذات ساحة مهمة للطعن في نظام حقوق الملكية الفكرية للمصادر الوراثية النباتية.

 

وبالتالي، فقد أصبحت هذه القضية موقعاً منتجاً لتفحص كيفية استخدام الحركات الاجتماعية للعلم في قاعة المحكمة، كجزء من الجهود الرامية إلى إنتاج تغيير اجتماعي وتكنولوجي.

ومن المستحيل معرفة سبب تصرّفات شمايزير بالضبط أو ما كان يعرفه بالفعل في اللحظات الحاسمة حول وجود جينات براءة الاختراع في بذور الكانولا التي يمتلكها. فهناك مجال واسع للنقد الذي يشكّك في مصداقية شمايزير.

فدعاة التكنولوجيا الحيوية الذين قابلتهم انتقدوا شمايزير بشكل منظم، واعتقادهم بشكل عام أنه كان غير أمين بخصوص تعامله مع الكانولا المهندسة وراثياً، ويرونه كمن يفتقر للجدارة والثقة بسبب الدعم المالي الذي يتلقّاه من منظمة السلام الأخضر، كما يزعمون، أو من غيرها من المنظمات المناهضة للتكنولوجيا الحيوية.

 

فالموقع الإلكتروني الخاص بشركة مونسانتو يذكر، أن شمايزير هو «ببساطة متعدٍّ على براءة الاختراع يعرف كيف يروي قصة مشوّقة».

إن هدفي هنا ليس الكشف عما فعله شمايزير فعلاً، على الرغم من أنني لم أجد أي دليل قوي ضده بشكل خاص. بل بدلاً من ذلك أنا مهتمة بشأن الطريقة التي تعاملَ بها القضاء مع الأدلة العلمية في الوصول إلى حكمه، ودور هذه القضية في حركة أوسع لمناهضة التكنولوجيا الحيوية.

وعليه، مهما كانت نوايا شمايزير، فإن صراعه مع شركة مونسانتو ليس سابقة قانونية بشأن الوضع القانوني للجينات الناشزة فحسب، لكنه أيضاً يلفت انتباه الجمهور إلى الآثار الاجتماعية لتدفّق التحوّر الجيني.

سأناقش أولاً السياق الاجتماعي، حيث أصبحت التهم الموجّهة لشمايزير جدلاً عاماً ساخناً. وعلى وجه التحديد، سأصف النمو السريع لنظام حقوق الملكية الفكرية للمواد الوراثية النباتية؛ ومقابل ذلك مناظرات التعبئة دفاعاً عن حفظ البذور [للمواسم اللاحقة].

 

ومن ثم سأنظر في دور حركة التعبئة القانونية -في كفاحات اجتماعية شُنّت من خلال المؤسسات القضائية- لجعل التدقيق الشعبي الواسع للعلم والتكنولوجيا مسموحاً به، ودعم بدائل للمسار المهيمن للتغيير التكنولوجي. بعدها، سأنتقل إلى تفاصيل قضية شمايزير، بدءاً من بعض المعلومات الخفلية الأساسية عن ممارساته الزراعية، يعقبه تحليل لمجريات المحاكمة والأحكام الصادرة بحق شمايزير.

وهنا سأركّز على دور المعرفة العلمية في القرارات القضائية (وخصوصاً المعرفة حول تدفّق التحوّر الوراثي).

وسأنظر في ما تشير إليه تلك القضية حول كيف تؤسس الأحكام القضائية، وفي الأهمية الاجتماعية للجينات الناشزة، وكيفية تظهر التعبئة القضائية في عمليات أوسع للمشاركة الشعبية في مجال العلم والتكنولوجيا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق