التاريخ

معتقدات جاهلية حول وباء التيفوس

1995 أمراض لها تاريخ

حسن فريد أبو غزالة

KFAS

وباء التيفوس معتقدات جاهلية التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

فالموميات المصرية قد تجد على بعضها هياكل حشرية، تؤكد أن بعض الناس كانوا مقملين، ولكنهم يتهمون بني إسرائيل، ويحملونهم وزر العدوى لأهل مصر بالقمل.

على أية حال فلم يكن المصريون على قناعة بالقمل كغيرهم من الشعوب، لأن كهنتهم كانوا يعمدون إلى حلاقة رؤوسهم دوماً، وإلى الاستحمام أربع مرات في اليوم الواحد، مرتين منها صباحاً، ومرتين مساء، كل هذا خوفاً من القمل ومن لعنته. 

هذا هو ما قاله المؤرخ "هيرودتس"، وما سجله في قراطيسه، غير أن الإغريق أو الرومان من بعدهم لم يتركوا لنا أثراً نستدل به على هذا الأمر، سواء عن أخبار الحشرات، أو عن أخبار التيفوس، لهذا سنقفز معك إلى القرون الوسطى، لنجد أن الناس جميعا في ذلك الزمان كانوا كلهم مقملين كبيرهم وصغيرهم، ملوكهم وصعاليكهم.

لهذا لا غرابة إذن، تكون العصور الوسطى هي الصعور الذهبية لأوبئة التيفوس، ويكون لها من الضحايا خلق كثيرة، حتى قيل فيه  أنه المرض الذي رسم خارطة الأمم والشعوب، وكتب تاريخ الدول والمماليك.

 

في البداية، علينا أن نعترف أن التيفوس كان في ماضي الزمان مرض القوارض التي تتزعمها الفئران والجرذان، وكان في يوم ما أن حمل برغوث الفأر أسباب المرض لأقرب إنسان إليه، ومن بعده تولت المهمة قملة الإنسان، تنقل المرض من مريض إلى آخر سليم.

لهذا تبدأ القصة بمرض تيفوس القوارض أو التيفوس المتوطن كما يسمونه، ثم تنتهي بالتيفوس الوبائي بين الناس، تنقله القملة فيما بينها، إذ تتبرز على جسم عائلها، وبهذا تبذر برازها الملوث على خدوش الجلد، التي يفتعلها الإنسان بالحكة والهرش بواسطة أظافره الطويلة القذرة.

وإذا كنا لم نميز ملامح التيفوس في ماضي الزمان لجهل أو إغفال عانى منه قدامى المؤرخين، فإن حصار غرناطة في نهاية القرن الخامس عشر، يسجل لنا أول إشارة مدونة عن وباء التيفوس، الذي أصاب الأسبان من جيش فرديناند وإيزابيلا، كما أصاب المسلمين المحاصرين معهم أيضاً.

وبهذا ربما كان التيفوس من أهم عوامل سقوط المدينة الإسلامية العريقة في اليوم الثاني من شهر كانون الثاني (يناير) عام 1492)، ولكن البلية وشر البلية ما يضحك أن الملك فيليب الثاني أمر بهدم حمامات المدينة فيما بعد، قناعة منه بأن حمامات المسلمين كانت السبب في هذا الداء القاتل، وكان الاسبان ينصحون الناس بعدم الاستحمام حتى لا يعود الداء إليه، وينتشر الوباء بينهم بعد أن مضى وولى.

هذه القناعات ليست غريبة على قوم استوطن الجهل عقولهم ، إذ كانوا يعتقدون في ذلك الزمان أن القمل يمنح الصحة والعافية! لهذا كانت كل أم تعمد إلى عدوى أطفالها بالقمل طلباً لصحتهم وعافيتهم.

 

ولعل أطباءهم كانوا على قناعة أيضاً بأن القمل يشفى من أمراض عدة منها اليرقان (وهو مرض الكبد)، لهذا كانوا ينصحون المرضى بأن يسقطوا 12 قملة في قدح النبيذ ليشربوه دفعة واحدة طلباً للشفاء.

إننا لا ننسى كتاباً اسمه "الأسرار النارة في الطب" كتبته طبيبة يدعونها "إليزابيث جراي" عام 1954، تقدم فيه نصيحة لعلاج العيون الملتهبة وتقول:

"لعلاج التهاب العيون خذ قملتين أو ثلاثاً من رأسك وضعها تحت جفونك المريضة"، هذه الوصفات التي تبدو لنا نشازاً في عُرف الطب اليوم كانت مقنعة لأهل ذلك الزمان الذي كان يرى أن القمل ينقي الدم من السموم التي تفسده".

لهذا كان القمل مستحباً ومألوفاً في ذلك الزمان الذي كان فيه الاستحمام مكروهاً ومنبوذاً، بل هو في قناعة رجال الدين يومذاك حرام ليس من الإيمان في شيء، فهو يشغل الإنسان عن عبادة الرب.

 

لقد كتب شاهد عيان عن مقتل رئيس اساقفة كنتربري "توماس بيكيت" أيام الملك "هنري الثاني" في يوم التاسع من ديسمبر عام 1170، يقول : "عندما قتل توماس بيكيت" في إنجلترا في الكاتدرائية عام 1170، كان يلبس مجموعة من الملابس الغريبة إذا كان يتغطى بدثار بني اللون، تحته حلة كهنوتية، تحتها معطف من الصوف، وتحته حلة كهنوتية سوداء، ثم قميص من الشعر المغطى بالكتان".

وعندما فقدت الجثة حرارتها، أخذ القمل يزحف منها إلى الخارج وكأنه فقاقيع الهواء تخرج من ماء يغلي، لقد كان المتفرجون يبكون تارة ويضحكون تارة أخرى هذه بعض ملامح الصورة التي شكلها الجهل، لدرجة أن القملة أصبحت شعاراً فيه عادات وتقاليد ذلك الزمان، والناظر لدورات الهواء القديمة التي تعود إلى تلك الفترات سوف يجد بعضها على شكل قملة تحدد للناس اتجاه الرياح!!.

قد لا يصدق بعضنا لو قلنا إن التيفوس هو الذي فك حصار مدينة "نابلي"، حين أحاط بها جند "فرنسيس الأول" محاصرين قوات الإمبراطور "شارل الخامس"، وكان الفرنسيون ذوي بطش وقوة وعتاد كثير، وحين حاصروا المدينة في نهاية عام 1527 ومطلع العام التالي بجيش قوامه 29 ألفاً من الجند.

كان قرار الإمبراطور "شارل الخامس" أن يستسلم لهم، لأنه ليس لجيشه طاقة بمقاومتهم، لولا أن بدأ وباء التيفوس في مطلع شهر يوليو يصيب الجيش الفرنسي، وما هي سوى أيام حتى صار قوام هذا الجيش أربعة آلاف فقط. 

صدق من قال إن التيفوس هو الذي فك حصار نابلي عام 1528، وهو الذي توج "شارل الحامس" إمبراطور على إيطاليا والدولة الرومانية في بولونيا بعد ذلك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق