العلوم الإنسانية والإجتماعية

مطالب مزارعو العضوية بحماية حقهم من قبل الحكومة الكندية

2014 البذور والعلم والصراع

أبي ج . كينشي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العلوم الإنسانية والإجتماعية البيولوجيا وعلوم الحياة

على ضوء هذه الضغوط، تفهّم منتجو المحاصيل العضوية لا للتمسّك بعملية الزراعة العضوية فحسب، بل أيضاً [ضرورة] إنتاج محاصيل غير مهندسة وراثياً.

فقد وصف أحد مزارعي ساسكاتشوان دال بودوان (Dale Beaudoin) تجربته مع هذا التوقّع (Saskatchewan, July 20, 2006)، حيث قال إنه في تسعينات القرن المنصرم زرع كعادته الكانولا العضوية بموجب عقد شراء من الولايات المتحدة الأميركية.

وفي عام 1999م سمع بمشترٍ آخر من كيبيك (Quebec) يتعاقد لشراء الكانولا العضوية لقاء سعرٍ أفضل بكثير يصل حوالي 16.50$ للبوشيل (Bushel).

ولكن عندما أصبح المحصول جاهزاً للبيع، اختبر المشتري عيّنة منه ووجد أنه يحتوي على بعضٍ من البذور المهندسة وراثياً، ولذلك فقد رفض شراءه، وانتهى الأمر ببودوان إلى البحث عن مشترٍ آخر لمحصوله من الكانولا، فقد وجد مَن يشتريه بسعرٍ أقل بقليل مما عُرض عليه سابقاً، حيث كان سعر البوشيل 11$.

سعى المزارعون العضويون إلى طلب الحماية من الحكومة الكندية بطرق مختلفة والتي من ضمنها اتخاذ الإجراءات القانونية، لكونهم يواجهون خطر فقدان قدرتهم على إنتاج المنتجات غير المهندسة وراثياً.

فبحلول عام 1999م، كان هناك عدد من مزارعي العضوية في إقليم ساسكاتشوان يتحدثون عن مشكلة الكانولا الملوّثة وقرار البعض عن عدم قدرتهم على زراعتها.

 

ثم جاء بعد ذلك [دور] شركة مونسانتو، المعروفة بأنها أكبر منتج للكانولا المهندسة وراثياً المزروعة في كندا (كما لاحظنا سابقاً)، لتُقدم على اتخاذ خطوات لطرح القمح الذي يحتوي في مكوناته على الجين المقاوم للمبيدات الضارة (Oslon 2005)، وتابعت الهيئة العامة للزراعة العضوية هذه التطوّرات بدقة.

كما اعترض مزارعو العضوية [على تلك التطوّرات]، وعلى المخاطر المرتبطة بالهندسة الوراثية وتبعاتها على محصول الغذاء الأساسي، وخشيتهم من أن يعطى القمح المهندس وراثياً في كندا ترخيصاً بزراعته والذي من شأنه أن يلحق ضرراً شديداً بقدرتهم على بيع القمح العضوي في الأسواق العالمية، وحاولت مجموعة من أعضاء الهيئة العامة للزراعة العضوية الضغط على الحكومة الإقليمية، والاجتماع بوزير الزراعة، وتهديده باتخاذ إجراءات قانونية إذا لم يتخذ أي تدابير لحماية القمح العضوي من تلوّث التعديل الوراثي، وفي عام 2001م أصبح رئيساً للهيئة العامة للمزارعين العضويين أرنولد تايلر (Arnold Taylor) المزارع العضوي الذي هجر زراعة الكانولا العضوية، وبدأ يبحث عن طرق لدعم هذا التهديد من خلال الإجراءات القانونية.

شكّلت الهيئة العامة للمزارعين العضويين لجنة صندوق حماية الزراعة العضوية (OAPF) للشروع بتقديم دعوى قضائية جماعية ضد شركتين من الشركات المنتجة للكانولا المعدلة زراعياً المزروعة في غرب كندا: شركة مونسانتو كندا (Monsanto Canada, Inc) وشركة باير لعلوم المحاصيل(Bayer Crop Science, Inc).

وسعت اللجنة إلى المزارعين الذين عانوا من خسارة [محاصيلهم] بسبب تلوّث الكانولا [لجمع الأدلة]. وقد كان لاري هوفمان (Larry Hoffman) المزارع الذي أوقف زراعة الكانولا بعد سماعه بحالات التلوّث، وأصبح واحداً من هؤلاء المدّعين [على الشركتين أعلاه].

فهوفمان لا يختلف عن تايلر في وصفه لخيبة أمله بعد أن توقّف عن زراعة الكانولا وإسقاطها من تناوب المحاصيل التي يزرعها [كل موسم]. ففي مقابلاتي لهما، أكّد كلٌّ من المزارعَين على حدٍّ سواء، أن الكانولا العضوية كانت محصولاً مربحاً ومن السهل زراعتها ونموها وحصادها.

 

فلهذان المزارعان كان تلوّث الكانولا خسارة، سواء من الناحية الاقتصادية، أو من ناحية فقدانهم الخيار الذي يتناسب مع تناوب زراعة محاصيلهم موسمياً(12). ويبدو أن بودوان قد وافق أيضاً أن يكون أحد المدّعين [على الشركتين المتخصصتين بمنتجات التكنولوجيا الحيوية].

سعت الدعوى القضائية تلك للحصول على تعويضات من الشركتين اللتين أدخلتا جينات براءات الاختراع المحوّرة وراثياً والمنتشرة الآن على نطاق واسع في بذور الكانولا والنباتات المزروعة في البراري الكندية كلها. كما سعوا أيضاً للحصول على قرار قضائي ضدّ إدخال القمح المهندس وراثياً، ولكن عندما أقدمت شركة مونسانتو بصورة طوعية على إيقاف [البحث والدراسة] في القمح المقاوم للمبيدات عام 2004م، أُسقط هذا الشطر من الدعوى القضائية.

إن مشاركة المزارعين في الدعوى القضائية الجماعية للجنة صندوق دعم الزراعة العضوية، ليس بالضرورة بمكان أن يعتبروا أنفسهم من النشطاء، متحفّظين على إبقاء هذه البصمة على هؤلاء الذين يتخذون المزيد من الإجراءات الراديكالية، مثل تدمير حقول المحاصيل المهندسة وراثياً.

فكما أوضح تيلور قائلاً (Saskatchewan, July 18, 2006) «بالنسبة لبعض الناس هي عملية سياسية، لكنها بالنسبة لي، هي تقريباً بدقة أعمال تجارية حينما نتّجه لحماية موقعنا في السوق، فنحن نمتلك محصول الكانولا، الذي أُخذ منا، وسُرق من دون حق رغم أنفنا».

فبالنسبة للآخرين يتضمّن العمل التجاري تهديد التجارة العضوية من منظار الغضب عند شركات التكنولوجيا الحيوية، التي تكتسب زيادة في السلطة والسيطرة على الإنتاج الزراعي في كندا.

 

فعلى سبيل المثال قال هوفمان (Saskatchewan, July 25, 2006)، إنه لم يكن ناشطاً، لكنه بدلاً من ذلك، كان جزءاً من الدافع لأخذ تلك الشركات إلى المحكمة. فهو وآخرون شعروا أن شركات التكنولوجيا الحيوية تمتلك الكثير من السلطة:

نحن قلنا… يبدو أن هذه الشركات تهرب بعيداً مع أي شيء ترغب في الحصول عليه. ما هو رأيكم في القيام بشيء… للحصول على بعض الحقوق المتساوية هنا؟ لأنهم كما يبدو لا يبغون إلا طريقتهم. إنهم يريدون الكعكة ويأكلونها أيضاً. إنهم يريدون ركل (Stomp) المزارع العضوية.

بالنسبة لهؤلاء المزارعين، الدفاع عن تجارتهم لا يعني العمل ضمن محراب السوق فحسب، بل السعي نحو التغيير أيضاً، أو على الأقل الحدّ من ممارسات الشركات الفاعلة بقوة كبرى. لذا فحين أعلنوا عن تظلّمهم أعربوا كالمعتاد بعبارات تتسق مع أفكار الليبرالية الجديدة عن اختيارات المستهلك والتسويق، وإلى حدٍّ ما كانت مطالبهم راديكالية: داعيين الدولة للتدخّل لكبح جُماح تلك الصناعة القوية.

واحد من المواضع التي من الواضح فيه أن مزارعي ساسكاتشوان العضويين قد تحدّوا السياسات المهنية مباشرة والممارسات الزراعية الكندية هو في الخلاف حول «التسامح» بما يخصّ التلوّث، أو الوجود العرضي للمواد المهندسة وراثياً.

فقد قابلت ممثلي الصناعة التكنولوجيا الحيوية، وباحثي التكنولوجيا الحيوية، والسلطات الحكومية الرسمية، الذين يرون أن الصناعة العضوية غير واقعية، وهذا الاقتباس [أدناه] قد اقتبسته من عالم في الزراعة يعمل لصالح الحكومة الكندية، ينقل وجهة نظرٍ ما، كما أني سمعت أيضاً من آخرين رأوا الكانولا المهندسة وراثياً كما سمّاهم المشارك المستفيد من الزراعة الكندية:

بعد عامين من الإصدار الأول للكانولا التكنولوجية الحيوية، قرّر المزارعون العضويون أنهم لا يقبلونها. بتعبير آخر، كانت مواد التعديل الوراثي في الأغذية العضوية صفراً، وهو ما لا تُعاقب عليه أية حكومة في ذلك الوقت أو أي شخص، بل عاقبوا أنفسهم. مَن هم الذين يقرّرون هذا المستوى؟ وهل هذا المستوى واقعي؟ أعتقد أن الإجابة على ذلك ستكون لا.

 

ذهب إلى بلورة موقف المناهضين الذين يدعون للتكنولوجيا الحيوية مراراً: إذا رغب المزارعون العضويون في بيع منتجات غير محوّرة وراثياً، فستقع على عاتقهم مسؤولية إيجاد طريقة ما للقيام بذلك، من دون فرض أي قيود على مزارعين من نوع آخر. فكما وضع تلك العبارة:

عليك أن تنظر إلى التزامات المزارعين، وما هي العملية [الزراعية] التي هي قيد تفعيله لها، وهل هو جزء من هذه المسؤولية [بالنسبة إلى التلوّث]؟ وهل تحدّث إلى جيرانه؟ وهل حقوقه هي أكثر من حقوق جيرانه في ما يتعلّق بالمحاصيل التي يزرعها؟ أو كما تعلمون، هل المزارع العضوي سوف يحد من ربحية جيرانه عندما يقول لا أُحب زراعة الكانولا [المهندسة وراثياً] في أي مكان بالقرب من حقلي؟ (Government Scientist, Saskatoon, July 13, 2006).

تماشياً مع هذا المنظور، أشار المدافعون عن المحاصيل المهندسة وراثياً، أن على المستهلكين قبول مستوى معيّن من الوجود العرضي للمواد المهندسة وراثياً، وأكدوا أن الاعتراض على الوجود العرضي للمواد المهندسة وراثياً هو اعتراض غير عقلاني، وذلك لأن السلطات الكندية سبق لها أن بتّت بأن المحاصيل المهندسة وراثياً آمنة.

في المقابل، شعر المزارعون العضويون أن حقهم في الحقل – كما يرغبون على أرضهم – معرضٌ للخطر، وأن هذا الحق يجب أن يكون ورقة رابحة ضدّ صناعة التكنولوجيا الحيوية وحقها في تسويق البذور [المهندسة وراثياً].

فقد ادّعى المزارعون العضوييون الذين قابلتهم في مقاطعة ساسكاتشوان، أن تحديد مستوى التسامح للوجود العرضي سيكون «منحدراً زلقاً» (Slippery Slope) نحو قبول المحاصيل المهندسة وراثياً في الزراعة العضوية على نطاق واسع، فسعوا إلى تجنّب هذه النتائج.

 

فالمعنيون بالدعوى القضائية الجماعية للجنة صندوق دعم الزراعة العضوية، قد أشاروا إلى أن الأغذية المهندسة وراثياً غير آمنة للإطعام، وضارة بالبيئة، وغير مفيدة لإنتاج الأغذية العضوية. كما اعترض العديد منهم على السلطة المتنامية لشركات التكنولوجيا الحيوية، ورأوا أن كفاحهم يكون أكثر اتساعاً من مجرد النقاشات فحسب، حول قبول المواد المهندسة وراثياً في محتوى الأغذية العضوية.

فقد وضّح أحدهم بصفته عضواً ناشطاً في لجنة صندوق دعم الزراعة العضوية: «إن قضية الكائنات المهندسة وراثياً ما هي إلا خروج عن المعتاد لاستيلاء الشركات على الزراعة بالوسائل المختلفة كافة».

ومضى بقوله إنه يعتقد أن قبول مستوى معيّن من التلوث «سيقوّض مصداقية الزراعة العضوية» واستمر يقول: «الآن إذا تمكنّا من الوصول إلى نقطة معيّنة حيث التلوث مستشرٍ، فما هي الخيارات الأخرى التي نمتلكها؟ فلربما سنقبل مستوى التلوّث في منتجات الأغذية العضوية.

ولكن حتى يأتي ذلك اليوم، أعتقد أن قطاع الزراعة العضوية عليه حقاً «أن يخطّ خطاً في الرمل» (Draw a Line in the Sand) ، وهذا مُحال، فنحن لا يمكن أن نذهب إلى هذه الحال» (Organic Farmer, Saskatchewan, July 14, 2006)(13).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق