البيولوجيا وعلوم الحياة

مبحث تحسين النسل وكيفية تطبيقه في الواقع

2013 لمن الرأي في الحياة؟

جين ماينشين

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

البيولوجيا وعلوم الحياة

فكّر الناس في الوراثة قبل مندل بطبيعة الحال. كما اهتم هنري الثامن (Henry VIII) بالوراثة كثيراً، وكذا العائلات المالكة المصابة بالناعور (hemophilia)، وتشارلز داروين، والآباء القلقون بشأن أطفالهم، وما إلى هنالك.

وبيّن جورج برنارد شو (George Bernard Shaw) في مسرحية "الرجل والرجل الخارق (Man and Superman) في سنة 1903 كيف تغيّر النقاش في الوراثة بعد بروز علم الوراثة في سنة 1900 تقريباً. فقد كانت شخصيات برنارد شو تريد إنتاج رجال خارقين عن طريق الإنسال الفعّال. وكان جزء من الرسالة عدم تبديد علم الوراثة الرفيع على الشركاء الوضيعين.

توحي هذه الكوميديا، على غرار قصة دون خوان (Don Juan) المستوحاة من نيتشه (Nietzsche) والمناخ الثقافي البريطاني العام، بأن علينا أن نرفض المغالاة والاصطلاحات والإنسال لصنع أجسام صالحة فقط ومراقبة تطوّر العرق.

وكما كتب جاك تانر(Jack Tanner) ، وهو الشخصية الثورية لدى برنارد شو، في "دليل الثوري" في نهاية المسرحية، "التغيّرات من التفاح البري إلى التفاح، ومن الذئب إلى الثعلب إلى الكلب المنزلي، ومن جواد هنري الخامس السريع إلى جواد صانع الجعة إلى حصان السباق، تغيّرات حقيقية.

هنا قام الإنسان بدور الإله وأخضع الطبيعة لنواياه، وأعلى شأن الحياة أو حطّ منه لغرض محدّد. وما يمكن أن يُجرى على ذئب يُجرى على إنسان. إذا أمكن أن يظهر هؤلاء الوحوش مثل المتشرّد والنبيل بمثابة منتجات جانبية لجشع الإنسان الفرد وحماقته ليس إلا، فما الذي ربما لا نأمل به باعتباره منتجاً رئيسياً لطموحه الكوني"؟

ربما لا يكون هذا العرض المتعلّق ببرنارد شو مثالاً نموذجياً لما كان معظم الناس يفكّرون فيه عند نهاية القرن التاسع وبداية القرن العشرين. ففي ذلك الوقت، أخذت أساليب التفكير الجديدة بشأن الوراثة والإنسال تكتسب اهتماماً واسعاً.

 

وكان مبحث تحسين النسل (Eugenics) التعبير الرئيسي عن مزاج الجمهور. ظهرت هذه الحركة، التي ألهمها فرانسيس غالتون (Francis Galton) في إنجلترا، على نحو مختلف في ألمانيا والولايات المتحدة.

وصاغت حركة تحسين النسل كثيراً من تفكيرنا الراهن بشأن الوراثة والتطوّر وساعدت في صوغ بديهتنا الاجتماعية حيال الأخلاق في ما يتعلّق بتكاثر الإنسان والوراثة. لذا يجدر بنا استعادة الدعائم التي جعلت حركة تحسين النسل الاجتماعية ممكنة في أوائل القرن العشرين.

ربما يكون إغراء محاولة السيطرة على المصير غامراً. فلماذا يُترك مستقبل المرء، بما في ذلك نسله والوراثة، للقدر إذا كان الإنسال الانتقائي يضمن مستقبلاً أفضل؟ تلك كانت رسالة برنارد شو في الواقع: لننظر في خيارات الفرد وأثرها على إنسال الفرد. ولننظر ما وراء الفرد أيضاً. ماذا عن مصير المجتمع؟ هل نستطيع جعل العرق الألماني أكثر "نقاء" وتحسينه؟

أجاب هتلر بأنه يستطيع، أو أن في استطاعته استخدام تلك المقولة لمحاولة تبرير أفعاله المتطرّفة التي لا يمكن تبريرها. وتساءل اختصاصيو تحسين النسل الأميركيون هل يمكننا تحسين الصحة العامة في الولايات المتحدة بإزالة بعض الأعضاء "المعيبين" من السكان – بالأحرى انتزاعهم من الأجيال المقبلة بمنعهم من الإنسال – وأجابوا أيضاً أنهم يستطيعون ذلك.

بدا أن مبحث تحسين النسل منطقي جداً: سياسة رشيدة قائمة على علم رشيد. إذا كان بعض الأشخاص أفضل وراثياً من غيرهم، فلنشجّع الأفضل على إنجاب مزيد من الأطفال ونحسّن السكان من خلال "مبحث تحسين النسل التطويري".

ولنعقّم [نسلب القدرة على الإنجاب] الأعضاء الأضعف ونمنعهم من الإضافة إلى السكان. بعبارة أخرى، يمكننا تعزيز "مبحث التحسين السلبي للنسل" من خلال التعقيم الانتقائي. وقد وثّق المؤرّخ دانيال كيلفز (Daniel Kelves) مثل هذا النوع من القرارات التي اتخذها الأميركيون وآثارها في كل ولاية، واستعرض فيليب رايلي (Philip Reilly) الجانب القانوني لهذه القرارات.

 

وتقدّم قصة "صانع السهام" (Arrowsmith) لسنكلير لويس (Sinclair Lewis) نظرة معاصرة على العائلة "المحسِّنة للنسل" التي يُحتفى بها في معرض محلي، وهي معروفة بأنها مجموعة من الأشخاص غير الملائمين والمجرمين، بل ليسوا عائلة على الإطلاق.

لقد كان البحث عن العائلة المثالية، والصحة المثالية، والمستقبل المثالي ذي الأطفال المثاليين، والحلول المثالية للمشاكل – من خلال العلم والتنفيذ الاجتماعي لقوانين الصحة العامة – أمراً مغرياً. واستند كل ذلك بوضوح إلى افتراضات واهية وكان حافلاً بالمشاكل.

أقرّت الولايات قوانين تحسين النسل، واستخدمت بعض الولايات القوانين لتعقيم أعداد كبيرة من الأشخاص. ووفقاً لأحد الإحصاءات، تم تعقيم ما يقرب من 61,000 أميركي بحلول سنة 1958، وأكثر من 20,000 شخص في كاليفورنيا وحدها.

 ويخبرنا أحد الأمثلة بالشيء الكثير عن التفكير في ذلك الوقت. فقد وصلت قضيّة كاري باك (Carrie Buck) إلى المحكمة العليا الأميركية التي أيّدت في حكمها رقم 1927 سلطة الولاية في التعقيم وتفسير ما يعدّ بمثابة دليل لصالح الادعاء بأن أحدهم أحمق.

أقرّت ولاية فرجينيا قانوناً يسمح بتعقيم "المعيبين عقلياً". وكانوا في الغالب من نزلاء مؤسسة الولاية للمصابين بالصرع والمتخلّفين عقلياً، وقد أمر بتعقيم المئات، وكانت كاري باك من هؤلاء. وهي ابنة امرأة فقيرة وغير متعلّمة، إما (Emma) باك، فأدخلت إلى مؤسسة للرعاية وحقّقت في وقت لاحق نتيجة رديئة في اختبار ستانفورد – بينيه (Stanford-Binet) لحاصل الذكاء الجديد نسبياً.

أدخلت ابنة إما (Emma) غير المتزوّجة مستشفى الولاية عندما حبلت، وحُكم عليها أيضاً بأنها "قاصرة العقل" – مصطلح تقني مرتبط ببعض نتائج الاختبارات – عن طريق اختبار حاصل الذكاء. وكانت كاري قد وُضعت في بيت أسرة تبنّتها عندما أدخلت والدتها مؤسسة للرعاية، واتضح في وقت متأخّر أنها اغتُصبت عندما كانت في ذلك البيت.

 

نقلت الأسرة المتبنية كاري إلى مستشفى الولاية عندما حبلت. ونظراً لأن لديها طفلاً غير شرعي وأنها غير متعلمة مثل أمها، فقد أعلن رسمياً أنها مرشّحة للتعقيم بموجب قوانين تحسين النسل الجديدة. وكان الكثير يتوقّف على الحكم على الحالة العقلية لابنتها فيفيان.

أظهر ستيفن جاي غولد (Stephen Jay Gould) في إحدى مقالاته الأكثر إقناعاً وإثارة للمشاعر أن الدليل الكامل لصالح الادّعاء بأن هذا الجيل الثالث كان معيباً عقلياً – الجيل الثالث الشديد الأهمية الذي يمكن أن يثبت هذا النمط – جاء من عاملة اجتماعية واحدة.

كان الدليل الصادر عن تلك العاملة الاجتماعية، الآنسة فيلهلم، التي فحصت الطفلة فيفيان باك في شهرها السابع في مستشفى الأمراض العقلية، كما يلي: "من الصعب الحكم على الاحتمالات الخاصة لطفلة في هذه السنّ المبكّرة، لكنها تبدو لي طفلة غير سوية تماماً.

في ما يتعلّق بمظهرها – علي أن أقول إن معرفتي بأمها ربما تحدّد رأيي مسبقاً في هذا الإطار، لكنني رأيت الطفلة في الوقت نفسه الذي رأيت طفلة السيدة دوبز، وهي أصغر من هذه بثلاثة أيام، وهناك اختلاف واضح في التطوّر بين الاثنتين. كان ذلك قبل أسبوعين. هناك نظرة غير سوية تبدو عليها، لكنني لم أستطع أن أتبيّن ما هي".

 

من وجهة نظرنا، كان تقييم الآنسة فيلهلم "لقصور عقل" فيفيان ضعيفاً بجلاء ومثيراً جداً للمشاكل. لكنه لم يُعتبر كذلك عندئذ بسبب سيطرة التفكير الوراثي إلى حدّ كبير والأهمية التي أولتها الصحة العامة للوراثة.

فقد أعلن قاضي المحكمة العليا أوليفر وندل هولمز (Oliver Wendell Holmes) بثقة، في حكم تاريخي، أن كاري باك "ربما تكون أماً محتملة لنسل غير ملائم اجتماعي، مصاب أيضاً، بحيث يجوز تعقيمها جنسياً من دون الإضرار بصحّتها العامة وأن رفاهها ورفاه المجتمع سيتعزّز بتعقيمها".

لذا أيّدت المحكمة قرار التعقيم وحكمت بأن القانون قد طبّق على نحو ملائم. وأضاف "لقد رأينا غير مرة أن الصالح العام ربما يدعو أفضل المواطنين إلى التضحية بحياتهم. وسيكون من المستغرب إذا لم يتمكّن من دعوة الذين يوهنون بالفعل قوة الولاية إلى تقديم هذه التضحيات القليلة، التي غالباً ما لا يشعر بها المعنيون كثيراً، من أجل الحؤول دون أن يغرق وجودنا بالعجز.

من الأفضل للعالم أجمع أن يتمكّن المجتمع من منع استمرار نوع من يتبيّن بجلاء أنهم غير ملائمين، بدلاً من أن ينتظر إعدام النسل الفاسد على الجرائم أو يدعهم يجوعون بسبب قصور العقل. إن المبدأ الذي يدعم التلقيح الإجباري واسع جداً بحيث يشمل قطع البوقين (Fallopian tubes). Jacobson v. Massachusetts, 197 U.S. 11. يكفي ثلاثة أجيال من القاصرين عقلياً".

 

التعقيم بالنسبة إلى هولمز شبيه بالتلقيح، وهو أمر جيد حقاً للمرء ويتم من أجل حماية الصحة العامة الأوسع. ثمة وجهة نظر يبدو منها حكم هولمز تقييداً معقولاً ومبرّراً لحقوق الفرد من أجل حماية المجتمع. لكنه لا يبدو كذلك إلا إذا كنا أولاً واثقين تماماً من أننا ندرك الخطر الذي يتم التصدّي له، وثانياً، أننا نحمي المجتمع منه بوضوح من خلال أفعالنا.

 بتعقيم أشخاص مثل كاري باك، لا بد لنا في الواقع أن نحمي الأجيال المقبلة من خطر معيّن. ويجب أن نكون واثقين تماماً من دليلنا لصالح الادّعاء بوجود خطر. لقد استند الادّعاء بأن قدرة كاري باك على إنجاب الأطفال ستكون خطراً على المجتمع والدليل على أنه، مثل والدتها، أنجبت طفلاً غير شرعي، وباعتبارها شابّة غير متعلّمة لم يكن أداؤها جيداً في اختبار ما، وأن عاملة اجتماعية اعتقدت أن ابنتها تبدو غريبة. وتلك أسس نراها ضعيفة اليوم.

يصرّ العالم الطبيعي ستيفن جاي غولد على أنه كان علينا رؤية الضعف حتى في ذلك الوقت. بل الأهم من ذلك أنه ما كان ينبغي لنا أن نسمح بأن يتجاوز تعليل المحكمة القضية المنظورة. ويرى أن أسوأ مأساة في هذه القضية أنه تم تعقيم دوريس، شقيقة كاري.

لم تنجب دوريس طفلاً البتة، غير شرعي أو خلاف ذلك. ولم تخضع لاختبار. بل إن التفكير الوراثي قاد إلى الافتراض بأنها معيبة وعبء على المجتمع نظراً إلى أنها تنتمي أيضاً إلى واحد من الأجيال الثلاثة. وقد اعتُبر من المنطقي تعقيمها أيضاً. لم يتم إبلاغها البتة بطبيعة العملية، ولم يُدرَك إلا في مرحلة متأخّرة جداً، عندما درس المؤرّخون القضية، لماذا لم تستطع دوريس إنجاب الأطفال الذين رغبت فيهم بشدّة. لقد حرمتها ولاية فيرجينيا وسياسات تحسين النسل من نسلها المقبل.

 

هل قضيّة آل باك مأساة؟ نعم بالتأكيد. إنها إساءة كبرى لتطبيق العدالة؟ نعم بالتأكيد في معنى واحد على الأقل. مع ذلك تم تأييد القانون، لذا تبرز القضية بمزيد من الدقة باعتبارها إساءة لتطبيق العدالة وسوءاً لتفسير ما يجب أن يعدّ دليلاً كافياً.

كان القرار معقولاً، وصُفّق له حقاً، بسبب قوة التفكير الوراثي، إلى جانب الافتراضات بأن من الممكن أن نعرف ما هو المعيب والقيام بشيء حياله. لقد قادنا ذلك الأمل بالتحكّم بالمصير – أو التحكّم بالوراثة – إلى علم سيئ على شكل افتراضات مشوّهة لتحسين النسل، وإلى سياسة سيّئة، وتنفيذ رديء. اليوم بعد تجربة مشروع الجينوم البشري، ينبغي لنا أن نكون قد تعلّمنا عدم ارتكاب أخطاء مماثلة، وعار علينا إن لم نفعل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق