علم الفلك

ظاهرة “التمدد الكوني” بالانفجار الكبير

1996 نحن والكون

عبد الوهاب سليمان الشراد

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

ظاهرة التمدد الكوني علم الفلك

وكما تبين لنا فيما سبق في أن قانون هبل يمثل العلاقة بين الحيود نحو الأحمر والمسافة ، وعندما نوجه أبصارنا نحو مجرات أبعد وسرعات أعلى سنلاحظ حيودات متزايدة نحو الحمراء ، ويمكن توضيح هذه العلاقة بالرسم البياني .

وعلى الرغم من أن العلماء يطرحون أحيانا أفكار متباينة لظاهرة ازدياد الحيود نحو الأحمر نتيجة ابتعاد المجرات عنا ، إلا أن أكثر التعليلات انطباقا على قانون هبل يتمثل في أننا نعيش في كون متمدد.

فالإشعاع القادم من مجرة نائية لابد أن يستغرق زمنا لبلوغ الأرض ، وخلال ذلك يتمدد الكون بمقدار محدد ، ويؤثر ذلك في موجات الإشعاع الضوئي ويجعلها تمتط أو تمتد expand .

 

ويدلنا ذلك التعليل لقانون هبل على أن مقدار الحيود لمجرة ما يعادل المقدار الذي يتمدد به الكون خلال الزمن الذي استغرقه الضوء للوصول الينا .

ومن الأمثلة على ذلك نجد المجرة 5C293 وهي ألمع عضو في عنقود مجري على بعد شاسع منا ، ولها سرعة تباعد تبلغ ١٠٨٠٠٠كم / ثانية ، ويبلغ حيولها نحو الأحمر ٠,٤٦ ، بمعنى أن الأطوال الموجية للضوء القادم منها قد استطال بما يعادل ٤٦٪ أكثر من المعتاد .

وذلك يدل على أن الكون قد كبر حجمه بنحو ٤٦٪ عما كان عليه عندما غادر الضوء في البداية ، وبمعنى آخر أدق لقد ازدادت المسافات الفاصلة بين العناقيد المجرية بما يعادل ٤٦٪ خلال الزمن الذي استغرقه الضوء في مسيرته من 5C293 إلينا .

 

وبما أن عناقيد المجرات تتباعد حاليا بازدياد شديد فيما بينها ، فمن المؤكد أنها قد كانت في زمن ما جد متقاربة من بعضها ، ويقودنا ذلك الى استنتاج مثير مفاده تركز مادة الكون وتجمعها في نقطة هندسية في لحظة ما في الماضي السحيق .

ونستطيع من خلال معرفتنا بسرعة تمدد الكون من العودة الى الماضي ، الى الوضع الذي كانت فيه كثافة الكون لا محدودة ، ويفترض أن الزمن الذي يفصلنا عن تلك اللحظة يبلغ نحو 20 بليون سنة خلت ، ولقد كانت تلك لحظة الخلق أو لحظة نشوء الكون من زمان ومكان .

ولأننا نقيم في كون متمدد ، ولكون ذلك التمدد قد بدأ منذ نحو ٢٠ بليون سنة ، فمن المؤكد أن انفجارا عنيفا ما قد وقع ليتسبب في خلق هذا التمدد ، ويعرف ذلك التمدد الكوني بالانفجار الكبير Big Bang .

 

وتؤكد الحيودات نحو الحمراء في المجرات حقيقة الانفجار الكبير – رغم بعض الاعتراضات – الذي وقع في الماضي حيث بزغ من خلاله الكون وتطور .

ومن الواجب في البداية أن ندرك معنى مصطلح الانفجار الكبير ، إن هذا الانفجار يشابه نسبيا انفجار قنبلة بحيث تندفع شظاياها الى الفضاء المحيط بها ، فمنذ نحو ٢٠ بليون سنة لم تكن المجرات متقاربة مع بعضها بحالة من التكدس على هيئة كتلة هائلة مفردة في مكان ما في الكون .

فخلال لحظة الخلق كان الكون برمته – كل الفضاء – متكدسا بخليط من الاشعاعات الكهرومغناطيسية والبلازما والطاقة بكثافة لا محدودة ، ولم يتواجد للكون بعد تلك اللحظة مركز.

 

وعندما وقع الانفجار تطاير الكون برمته ، ولقد كان ذلك الانفجار في ((كل أنحاء)) الكون في بدء الزمان Time . وفي الحقيقة لقد كان الانفجار يمثل انفجارا للفضاء ذاته .

ومنذ ذلك الحين واصل الفضاء الذي يفصل بين المواقع المختلفة بالتمدد ، وحتى الآن لا يزال فضاء ما بين العناقيد المجرية المتباعدة مستمرا بالتمدد ، وذلك هو السبب الذي يجعلنا نرصد الحيودات نحو الحمراء.

فخلال الزمن الذي يستغرقه الضوء القادم إلينا من مجرة بعيدة عنا ، فان الفضاء الفاصل بيننا وبينها يستمر بالتمدد ، وكذاك تتمدد الأطوال الموجية تباعاً .

 

ويمكن بلوغ هذا التفسير لقانون هبل مباشرة من النظرية النسبية العامة ، ولعل تعليل الحيودات نحو الحمراء للمجرات بتطبيق النظرية أكثر مطابقة ودقة من التشبيه مع كعكة الزبيب التي سبق ذكرها .

إن ذلك التماثل مع الكعكة يقوم على الأفكار التقليدية القديمة ويساعد على إدراك ما يحدث في الكون ، ورغم أن هذه الطريقة في التشبيه وان كانت تساهم فعلا في إيجاد التعليل السليم لتباعد المجرات ، إلا أنه يتوجب علينا الاستعانة بأفضل ما نملك من نظريات عن الجاذبية.

ولعل ذلك يتمثل في النظرية النسبية العامة لإعطاء وصف صحيح ودقيق يظهر لنا التغير الواقع في فضاء ما بين المجرات ، والذي قد يحدث بمرور الزمن . ولاشك أن الوضع من ناحية النسبية يظهر لنا تماما ما نعنيه من أننا في كون متمدد .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق