العلوم الإنسانية والإجتماعية

حكم القاضي بقضية شركة مونسانتو ضد المزارع ” شمايزير “

2014 البذور والعلم والصراع

أبي ج . كينشي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العلوم الإنسانية والإجتماعية البيولوجيا وعلوم الحياة

يعتقد قاضي المحكمة الاتحادية أندرو ماكاي (Andrew MacKay) أن الحجة المقدمة من قبل شركة مونسانتو هي أن حقول شمايزير في عام 1998م قد زُرعت ببذور مقاومة للمبيدات نقية كلياً تقريباً، وهو ما يشير أن شمايزير قد عزل وزرع تلك البذور بصورة متعمّدة.

وهو ما دفع القاضي بالتالي للحكم لصالح شركة التكنولوجيا الحيوية. لذلك جاء في قرار الحكم «إن الانتهاك المطروح ضده لم يكن تلوثاً عرضياً أو محدوداً، لنباتاته المعرضة لمبيدات بنباتات الكانولا المقاومة للمبيدات.

فهو قد زرع محاصيله لعام 1998 ببذور يعرف أنها، أو يجب أن يكون على علم بأنها، تسمح بمقاومة المبيدات» (Monsanto v. Schmeiser 2001, Par. 125).

ففي رأي القاضي، أن شمايزير تعدّى على الحقوق الحصرية لبراءة اختراع مونسانتو، عندما قام بزراعة تلك البذور، وحصدها ومن ثم باع تلك الكانولا عام 1998م. 

المهم هنا، أن في قرار المحكمة هذا، لم تكن المشكلة [معرفة] من أين أتت البذور المقاومة للمبيدات (Roundup Ready Seeds)، هل هي نتيجةً للتلوث، أم من عملية شراء غير قانونية؟ إن الشيء الوحيد [في قرار المحكمة هذه] هو، أنه ينبغي على شمايزير أن يعرف أن هذه البذور تحتوي على جين مونسانتو، ومع ذلك فقد قام بزرعها.

كما أنه لم يكن مهماً أيضاً لقرار ماكاي (Mackay) أن شمايزير لم يستخدم ميّزات المبيد، أو أنه لم يرشّها لإزالة الأعشاب الضارة من حقله الذي زرع فيه الكانولا. فلذا أشار القاضي في قراره أن حكمه صدر بناءً على قبوله المبدئي للأدلة العلمية:

على الرغم من إثارة العديد من الأسئلة حول جوانب معينة تتعلق بالعينات و[كيفية] التعامل مع عيّنات محصول المتهم من الكانولا لعام 1998م… فموازنة الاحتمالات تدعم الاستنتاج بأن زراعة وبيع الكانولا المتسامحة مع المبيد للأعشاب الضارة (مقاومة الأعشاب الضارة) من قبل المتهم، هي انتهاكٌ للحقوق الحصرية الخاصة بالمدعين استخدامه لجين وخلية براءة الاختراع.

 

لقد توصلت لهذا الاستنتاج المبدئي بعد استنتاجي أيضاً من موازنة الاحتمالات، بأن العينات التي تم استجلابها من أطراف تسعة حقول في تموز/ يوليو عام 1998م، وثلاث عينات عشوائية أُخذت من داخل كل حقل في آب/ أغسطس 1998م تعتبر ممثلة لكل المحصول، ومع الأخذ بعين الاعتبار، أن كل الحقول التسعة قد تمت زراعتها بتلك البذور التي تم توفيرها وحفظها عام 1997م من الحقل رقم 2، المعروف أن بذوره من النوع المتسامح مع المبيد (Monsanto v. Schmeiser 2001, par. 114; emphasis added).

استأنف شمايزير قرار الحكم لدى محكمة الاستئناف الاتحادية، التي صادقت على قرار ماكاي بواقع تأييد اثنين من [القضاة] للقرار ضد واحد. ثم استأنف الحكم لدى المحكمة الكندية العليا. واللافت للنظر هو، أنه عندما استأنف شمايزير لدى المحكمة الاتحادية – وفي نهاية مطافه لدى المحكمة العليا – منح تصديق القرار لدى المحكمتين الاستئنافيتين مصداقية متزايدة من القضاة للأدلة العلمية الموجّهة في جوهرها ضده، وهو ما أزال صفة القرار «المبدئي» (Tentative) لكون قضاة الاستئناف وجدوا ذلك ضرورياً.

يبدو من الناحية الواقعية، أن المحكمة العليا قد تجاهلت تماماً [مسألة] عدم اليقين في الأدلة، وأكّدت في قرارها أن نتائج الاختبار كشفت حقيقة بارزة وهي «أن نتائج الاختبار قد أوضحت أن هناك 95-98% من محصوله من الكانولا في 1000 أكر كان مزروعاً بنباتات مقاومة لمبيد الأعشاب الضارة» (Monsanto v. Schmeiser 2004, par. 6).

وقد لاحظت أغلبية الآراء في المحكمة العليا بأن الدليل الوحيد المناقض لنتيجة الاختبارات هو نتائج اختبار فريسين الذي أجراه على عينات من البذور كان شمايزير قد وفرها له بنفسه.

فقد ذكر القاضي: إن سلسلة الاختبارات المستقلة التي أجراها خبراء مختلفين قد أكدت أن كانولا السيد شمايزير المزروعة والمحصودة عام 1998م كان فيها ما نسبته %95 إلى 98% من النوع المقاوم لمبيدات الأعشاب الضارة. وباستثناء العينات المقدمة من قبل السيد شمايزير المزروعة في فنائه عام 1999م والعينات الخاصة بالسيد فريسين والمقدمة إليه من السيد شمايزير شخصياً، كانت لا تدعم تلك النتيجة» (مصدر سابق، الفقرة 64).

 

فهذه العبارة تبدو أنها تشير إلى شك المحكمة العليا في دقة النتائج وتناقض بعضها يعود سببه إلى تورّط شمايزير [في تزويدهم باختبارات عينات من صنعه]. على الرغم من أنهم لم يظهروا أي شكوك من هذا القبيل تجاه الاختبارات التي أجراها منتسبو شركة مونسانتو.

كان قرار المحكمة العليا قد صدر لصالح شركة مونسانتو بواقع أربعة قضاة عارضوا القرار من مجموع تسعة، لكن المحكمة قد ضمنت قرارها بأن شمايزير لا يعدّ مديناً بأي تعويض مالي لشركة مونسانتو لكونه لم يحقّق أرباحاً مالية بسبب استخدامه فوائد براءة اختراع الشركة.

بعد إشهار قرار المحكمة، أرسل فان آكر رسالة لرئيس المحكمة العليا في كندا، بيفيرلي ماكلاشلين (Beverley McLachlin)، عبّر فيها عن مخاوفه من الحكم الصادر حول حقيقة ما يتعلّق بكمية الكانولا المهندسة وراثياً في حقول شمايزير لعام 1998م. وقد كرر فان آكر في رسالته قائلاً إن الأدلة التي عرضها للمحكمة كانت متغيرة وأقل بكثير [مما جاء في قرار المحكمة]، وإن مستويات الكانولا المهندسة وراثياً في حقول شمايزير: وهي أدلة كانت استبعدت من قِبل المحكمة العليا.

كما وصف [في رسالته] بحوثه المراجعة من أنداد التي عملها مع فريسين والتي تكشف التلوّث المنتشر على نطاق واسع، الناتج من تلك البذور المعتمدة للكانولا الحاملة لميزة مقاومة مبيدات الأعشاب الضارة، كما أن البحوث أشارت إلى أنه حتى في ظلّ استخدام بروتوكولات صارمة لإنتاج بذور معتمدة، سيكون التلوّث موجوداً في كل مكان.

 

في حين أن رسالة فان آكر إلى ماكلاشلين لم تؤثّر في الحكم الصادر، إلا أنه أعرب عن أمله في أن ينظر رئيس المحكمة في بياناته هذه (Van Acker 2004) «عند صدور أية قرارات قضائية مستقبلية وفي أية مناقشات قد تجريها هي مع أي زميل قضائي لها».

كما ذكرنا سابقاً، أنا لا أدّعي معرفة حقيقة ما حدث فعلاً في حقول الكانولا التي يمتلكها شمايزير، ولكن في تفحّص هذه القضية، نجد أن الأدلة لا تبدو قوية بما فيه الكفاية، وخصوصاً في ما يتعلّق بتعمّد زراعة حقول شمايزير بنباتات الكانولا المقاومة لمبيدات الأعشاب الضارة.

ومع ذلك، فقد أغلقت المحكمة العليا أي مجال للجدل حول المزاعم العلمية، مؤكّدةً أن الحقيقة تكمن في ما ادّعت به شركة مونسانتو. فكل قضاة المحكمة العليا اتفقوا على أن شمايزير في الحقيقة حفظ البذور التي وفرها وزرعها، وهو على علم بأنها بذور تحمل صفة جين فيه براءة اختراع، على الرغم من أن شمايزير وآخرين استمروا في تحدّيهم لهذه الدلائل التي تدعم هذه المزاعم.

 

وعليه، فإن هذه القضية يمكن اعتبارها أنها قد أشارت إلى اتجاه واحدٍ هو أن التعبئة القانونية (إنفاق موارد الحركة الاجتماعية على الإجراءات القانونية) قد تأتي بنتائج عكسية. في حين أن قاعة المحكمة قد تكون في بعض الأحيان، موقعاً يمكن أن يكون العلم والتكنولوجيا معرضين للتدقيق والرقابة الشعبية (العامة)، لكشف عدم اليقين والفجوات المعرفية، فهي قد تكون أيضاً مكاناً لوضع الخلافات العلمية مبكراً موضع نقاش [قبل نضج الأدلة].

فالمحكمة العليا هنا، بما فيها من القضاة المعارضين [للقرار]، تعاملت مع المستوى العالي من التلوّث في حقول شمايزير على أنها حالة أكثر واقعية ثابتة وصلبة بأكثر من ما تحتمله هذه الأدلة المبررة. لكن هذا الاستنتاج، كان مهماً بحسب المحكمة العليا لجهة تمديد [مدى] براءات الاختراع حتى [تشمل حقول شمايزير] في تلك الظروف، وبهذه النقطة [بالذات] كان القضاة مقسومين. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق