النباتات والزراعة

تحولات سياسية زراعية كندية خلال ثمانينات وتسعينات القرن العشرين

2014 البذور والعلم والصراع

أبي ج . كينشي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

النباتات والزراعة البيولوجيا وعلوم الحياة

ففي وقت مبكر من ثمانينات القرن المنصرم، بدأ التحول الاقتصادي الزراعي في كندا بتخلّي الحكومة عن السياسة الاقتصادية الكينزية، التي استخدمت تلبية لمعالجة الكساد الاقتصادي الكبير.

فمشروع الدعم الزراعي الذي تم إنشاؤه في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي أحدث طفرة زراعية صاحبها استقرار نسبي بعد الحرب العلمية الثانية، ورخاءٌ لدى المزارعين الكنديين، إلا أن الاهتمام المتزايد بالصناعة الزراعية تمخض عنه انخفاض مضطرد لأعداد المزارع العائلية.

ففي ستينات وسبعينات القرن الماضي كان هناك تغير في نظام الأغذية في جميع أنحاء العالم (Friedmann 1982)، وبدأ يهدّد استقرار الاقتصاد الزراعي الكندي.

في ثمانينات القرن العشرين بدأ صنّاع السياسات الكندية يتبنّون منهجاً سياسياً رادكالياً في السياسة الزراعية، متأثراً بقوة بنهج الليبرالية الاقتصادية الجديدة الصاعدة في عهد الرئيس الأميركي رونالد ريغان (Roland Reagan) ورئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر (Margaret Thatcher).

فعلى النحو الذي قاله عالم الاجتماع الكندي موراي كنوتيلا (Murray Knuttila 2003, 300) قبل بضع سنوات مضت:

يمثّل العقدان الماضيان (ثمانينات وتسعينات القرن العشرين) ظاهرة ثورية في السياسة الزراعية الكندية. فالحكومات الكندية المتعاقبة المنضوية تحت مظلة فكرية تؤيد اقتصاديات السوق الحر (Free-Market Economics) والتي تدعم بصورة كبيرة نهج عدم التدخّل في السياسة، وقد أظهرت ميلاً للابتعاد عن دعم وتشجيع الإنتاج الزراعي…. فقد صُمِّمت السياسات الجديدة لتسمح بوضوح لمنطق السوق أن يعيد هيكلة البراري الزراعية.

 

لقد تم إلغاء العديد من برامج الدعم الزراعي، التي كان الاعتقاد سابقاً أنها برامج لا يمكن مسّها أو انتقادها سياسياً (Politically Untouchable). فقد وصف كل من دارين كولمان (Darrin Qualman) ونيتي أيبي (Nettie Wiebe) (2000) تلك التغيّرات بأنها تعديل بنيوي (Structural Adjustment)، وكلاهما عضو في الاتحاد الوطني للمزارعين (National Farmer’s Union: NFU)، وهي عضوية في منظمة تدافع عن سياسات دعم المزارع العائلية.

فقد أشارا إلى الطرق المتعددة للتحولات السياسية الزراعية الكندية واعتبراها مرآةً عاكسة لتلك الدول النامية المجبرة من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على التحول خلال نفس تلك الفترة.

فهي تحولات رئيسية ذات ملامح معينة تشمل التحول من الإنتاج للسوق الوطني، إلى الانتاج لغرض التصدير، والتغيّر الدراماتيكي في خفض الإنفاق الحكومي، ورفع القيود عن أنظمة التعامل بالحبوب، واتخاذ تدابير تجذب الاستثمار الأجنبي، وخصخصة الصناعات الحكومية والمرافق العامة، ورفع الدعم الحكومي عن السلع وأية أشكال دعم أخرى، ورفع الرقابة على الأسعار (مصدر سابق).

إن التأكيد في التحوّل على إنتاج الأسواق لغرض التصدير زاد من عدم حصانة المزارعين الكنديين، ووضعهم في منافسة مباشرة مع المنتجين في جميع أرجاء العالم.

 

فمنذُ عام 1989م ولغاية عام 1996م ضاعف المزارعون الكنديون صادراتهم من 10 مليار دولار إلى 20 مليار دولار في السنة (المصدر السابق صفحة 4)، وحتى عندما زادت الصادرات بشكل دراماتيكي (جذري) منذ ثمانينات القرن الماضي، إلا أن المزارعين الكنديين قد واجهوا بصورة دائمة "أزمة مزرعة" (Farm Crisis).

إذ انخفض صافي الدخل لمستوىً غير مسبوق منذُ الكساد العظيم (Great Depression). فعلى سبيل المثال كسب مزارعو مقاطعة ساسكاتشوان الكندية (Saskatchewan) متوسط دخل صافٍ بما يقارب 1,783$ لكل حقل عام 1999م (باستخدام بيانات هيئة الإحصاء الكندية (Qualman 2001)).

فقد وجدت العديد من الحقول أن ناتجها الصافي قد كان سالباً، معتمدين للبقاء على قيد الحياة (تدبير معيشتهم) من خلال العمل خارج مزارعهم، بعد أن سحقتهم الديون، وهو ما أدّى في النهاية إلى الخسارة السريعة للمزارع وانخفاض نسبة القاطنين في المقاطعات الريفية.

الكثيرون صبّوا لومهم على استمرار الاتحاد الأوروبي في تقديم الإعانة المالية لمزارعيه، مما أدى إلى أن يكون مزارعو أوروبا متميزين. إلا أن بعض النقاد لاحظ أنه لا يمكن صب اللوم على الدعم الحكومي الخارجي لجعل أسعار المحاصيل المصدرة رخيصة، وبدلاً من ذلك يجب التركيز على الأعمال الزراعية التجارية العابرة للوطن حتى تضغط عالمياً لتخفيض الأسعار لمصلحتهم (Qualman 2001).

 

لقد وجدت الدراسة التحليلية الكندية لسلسة الأغذية والسلع أنه ليس هناك إلا عدد قليل من الشركات الضخمة تهيمن على كل قطاع، بدءاً من الوقود والأسمدة والحبوب ونهاية بمصنّعي الأغذية المصدر نفسه).

فمن خلال عمليات الدمج والاستيلاء، تقلّص عدد من الشركات المنافسة في كل حلقة من السلسلة السلعية، وأصبحت الشركات متكاملة بصورة عمودية (Heffernan 2000). فمن دون وجود منافسة، تمارس تلك الشركات الضغط التنازلي (Downward Pressure) في تخفيض أسعار الشراء والضغط التصاعدي (Upward Pressure) على أسعار البيع.

كانت خصخصة تربية النباتات واحدة من بين العديد من التحوّلات التي شجعت عليها إصلاحات الليبرالية الجدية، لغرض نمو وتركيز الشركات الزراعية الكبيرة.

ففي ما قبل عام 1985م كانت الأصناف النباتية الجديدة لأغراض الزراعة الكندية مسؤولة عن تطويرها بشكل كامل تقريباً، وبرامج التربية العامة للزراعة الكندية والجامعات الحكومية (Kuyek 2004; Phillips 2003, 122).

إلا أنه منذُ ثمانينات القرن العشرين – على أية حال – انتقلت تنمية البذور في المقام الأول إلى الشركات الخاصة، التي دمجت نفسها مع شركات عملاقة عبر الحدود الوطنية، ولقد أنجزت الحكومة الكندية هذا التحوّل من خلال سلسلة من التدخّلات الفعالة فحسب، لا من خلال انسحابها السلبي التأثير من مجال تربية النباتات.

 

ومن جملة تلك التدخلات الحكومية الكندية في هذا المضمار، كان الدعم المباشر مادياً لشركات البذور الخاصة، وقوانين جديدة تنظّم حقوق الملكية الفكرية، وتوفير البذور، وسياسات لإزالة برامج التربية العامة [للبذور] وتفكيكها (Kuyek 2004, 2007a, 2007b).

فقد مُنحت براءة الاختراع للتسلسل الجيني [النباتي] في وقت مبكر من ثمانينات القرن الماضي، مما مكّن شركات التكنولوجيا الحيوية من المطالبة بدفع [المستفيدن] عوائد مادية لاستخدامهم البذور المهندسة وراثياً.

ولعل إحدى أقوى هذه التغيرات التي أثرت في المزارعين هي منعهم بشدة أو تحريم إدخار البذور، وعليهم من الآن شراؤها طازجة، من أجل تجنّب انتهاك براءة الاختراع. ولقد كانت شركة مونسانتو (أكبر موزّع للحبوب في العالم) تتعامل مع المزارعين بشكل عدواني صرف ولا سيّما في دفاعها عن براءة اختراعها، وتسعى في كثير من الأحيان لاتخاذ إجراءات قضائية ضد المزارعين الذين يُشك في أنهم قد ادخروا بذوراً (من دون شرائها منهم).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق